الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الإمارات بعد أوبك.. بين طموح التوسع النفطي واختبارات الجغرافيا السياسية

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

لم يكن قرار الامارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك مجرد خطوة مفاجئة، بل قراراً  أثار تساؤلات جدية حول دوافعه وتوقيته في ظل بيئة اقليمية مضطربة تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية لقوى دولية عدة مع التحولات في سوق الطاقة العالمي، فالحرب المستمرة بين امريكا وايران، واغلاق مضيق هرمز وضع الامارات امام معضلة مركبة تتعلق بضمان استمرارية صادراتها النفطية بعيداً عن المضيق من خلال منفذ انبوب حبشان- الفجيرة وبين خلافها مع السعودية الذي بات يطفو على السطح في السنوات الاخيرة، وقد فاقمت عملية استهداف محطات تخزين النفط من التبعات السلبية لهذا القرار على الامارات.

ان اسباب مختلفة تقف خلف قرار الامارات الانسحاب من منظمة اوبك اهمها الرغبة برفع انتاجية النفط الى مستويات اكبر والتخلص من نظام اوبك لحصص الانتاج، كما تسعى الامارات لاستغلال ارتفاع اسعار النفط من اجل زيادة العوائد النفطية التي ستساهم في تعزيز عملية تنويع الاقتصاد والتحول نحو مصادر الدخل المختلفة، حيث تستخدم عوائد النفط للاستثمار في تلك المجالات، لاسيما بعد تراجع السياحة في البلاد نتيجة الحرب والضربات التي استهدفت الامارات التي ادت الى خروج الاف السياح من البلاد وتوقف حركة الطيران نحوها، وهو ايضاً يمثل الدافع الاهم للخروج من اوبك حيث يساعد زيادة الانتاج على تحقيق عوائد اكبر تساهم في تعويض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الاماراتي نتيجة الحرب.

وفي الوقت الحاضر لا تستطيع الامارات تصدير اكثر من 1.8 مليون برميل يومياً وهي القدرة الاقصى لخط انابيب حبشان- الفجيرة مما يعني انها تحتاج الى استغلال ارتفاع اسعار النفط لتعويض الخسائر الاقتصادية والتي طالت البنية التحتية نتيجة الحرب وكذلك العمل على بناء خطوط انابيب جديدة والبحث عن منافذ تصدير جديدة للنفط لكي تتمكن من رفع الانتاج الى ما يصل الى 5 ملايين برميل يومياً وفي ظل استمرار اغلاق مضيق هرمز وكذلك الخلاف مع السعودية نتيجة الانسحاب من اوبك والخلافات في قضايا مختلفة في اليمن ومناطق القرن الافريقي والسودان، فأن الامارات قد تعمل على الانفتاح على سلطنة عمان والحوار معها لتوفير منافذ جديدة لتصدير النفط بعيداً عن هرمز.

 ان تداعيات الخطوة الاماراتية هذه باتت تنعكس على علاقاتها الاقليمية لاسيما مع السعودية، حيث تعمق هذه الخطوة الشرخ القائم اصلاً بينها وبين السعودية التي تعتقد ان خطوة الامارات تمثل تحدياً لمكانتها الجيوسياسية كدولة قائدة لمجلس التعاون الخليجي تسعى لتلعب دور الريادة الاقليمية في “الشرق الاوسط”، فقد اثار القرار الاماراتي ردود افعال قوية من السعودية.

 

 

ان السعودية تواجه الخلاف مع الامارات في وقت تعمل فيه على تنسيق المواقف مع كل من باكستان وتركيا ضمن اطار تنسيقي اقليمي  متشكل في المنطقة المتعلق بباكستان وتركيا والسعودية ومصر والذي تعمل من خلاله هذه الدول  للحوار مع ايران من اجل حل الخلافات مع الولايات المتحدة وانهاء الحرب، وهو اطار اقليمي جديد لا يعمل من فراغ بل يحظى بدعم صيني وروسي لاسيما وانه خلال زيارة عراقجي الاخيرة الى الصين ولقاءه بالمسؤولين الصينين اجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السعودي حيث ناقش الطرفان قضية الصراع في المنطقة ووقف اطلاق النار، مما  يشير الى دور السعودية كوسيط بين ايران والولايات المتحدة الامريكية.

بالمقابل تحاول الامارات اجتذاب بعض أطراف الاطار  السعودي لصالحها مثل مصر حيث تعاونت الامارات مع القاهرة لتعزيز الوجود العسكري المصري ونشر مقاتلات رافال مصرية في الامارات ومنظومات دفاع جوي للتصدي للهجمات الايرانية على ما يبدو او في رسالة من مصر تؤكد دعمها للإمارات، في وقت اعلنت ايران انها على علم بتواجد مفارز الرافال المصرية في الامارات الا انها اكدت انها تستهدف المطارات الامريكية ولا تستهدف الطائرات المصرية، مما يعني وجود تنافس وتجاذب جيوسياسي محموم بين السعودية والإمارات على المكانة الاقليمية وكذلك يعبر هذا التنافس عن تباين  في وجهات النظر والرؤى والمصالح لكل طرف حيث ترى الامارات انها يجب أن تستمر في تعزيز شراكاتها مع “اسرائيل” والولايات المتحدة لمواجهة ايران والحد من دورها في المنطقة، فيما لا تثق السعودية كثيراً “بالإسرائيليين” على الرغم من علاقاتها الوثيقة بالأمريكيين وهي تعمل بشكل اكثر تحوطاً نحو اعادة تموضع جيوسياسي يحولها لقوة قائدة في المنطقة، حيث تعمق السعودية علاقاتها مع الصين الى جانب الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع واشنطن، فيما تعزز الامارات اعتمادها الاستراتيجي على المظلة الامريكية على الرغم من الاخفاقات التي واجهت هذه المظلة في حماية نفسها وحماية الامارات بصورة عامة.

اما بالنسبة لمصر فأن خطوتها تمثل محاولة براغماتية للحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من الامارات والسعودية ولا تمثل خطوة تتناقض مع مصالح السعودية حيث تتحرك مصر من منطق دورها كفاعل اقليمي عربي يسعى لاستعادة دوره التقليدي في قيادة المنطقة العربية، حيث كان الرئيس المصري يؤكد في اكثر من مناسبة على ضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة تحافظ على امن الدول العربية بدلاً من الاعتماد على الحماية الخارجية الامريكية.

بالتالي فان الخطوة الاماراتية بالانسحاب من اوبك والعمل على زيادة الانتاج النفطي لا تنفصل عن الواقع الجيوسياسي المحيط بها ولا يمكن قراءتها الا في اطار مساعي زيادة العوائد النفطية وتحقيق المزيد من الاستقلالية في اطار حراكها الاقليمي، إذ تسعى الامارات للحفاظ على موقعها كقوة جيواقتصادية صاعدة و استعادة ما تضرر من هذه المكانة لذلك تعتقد الامارات ان العلاقات مع “اسرائيل” والولايات المتحدة ستوفر لها ضمانات امنية تمكنها من تحقيق هذه الطموحات لاسيما وان هذه الطموحات قد تصطدم بطموحات السعودية نحو الريادة الاقليمية، لذلك فأن تعزيز الامارات لقدراتها الانتاجية والعمل على رفع العوائد النفطية يهدف لمواجهة حالة التعارض في المصالح بينها وبين السعودية ويؤمن لها وضع اقليمي مقبول يتلاءم مع دورها ومكانتها التي تسعى لتحقيقها اقليمياً ودولياً.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى