الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الحرب مع إيران تعيد تشكيل ائتلاف ترامب هل تنفصل MAGA عن “أميركا أولًا”؟

بقلم: إيما آشفورد
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
يمكن القول بثقة إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد خسر دعم الرأي العام الأميركي للحرب في إيران إن كان قد حظي بهذا الدعم أصلًا، فبحلول منتصف شهر نيسان أظهرت استطلاعات الرأي أن أقل من ربع المستجيبين يرون أن الحرب كانت مجدية، وهي نسبة مرشحة للتراجع مع استمرار تصاعد تكاليفها الاقتصادية على المستوى العالمي.
ومع ذلك وبصفته رئيسًا في نهاية ولايته يتمتع ترامب بهامش واسع من المناورة السياسية يجعله أقل عرضة للضغوط التي عادة ما تواجه القادة الذين تتراجع شعبيتهم، ومن المرجح أن تؤدي الحرب إلى جانب موجات التضخم المصاحبة لها إلى تكبيد الحزب الجمهوري خسائر إضافية في الانتخابات النصفية غير أن الرئيس لا يواجه في الوقت الراهن تهديدًا جديًا بتمرد داخل ، وبذلك يبدو أنه يتحرك بقدر ملحوظ من الحرية رغم قيادته واحدة من أكثر الحروب إثارة للجدل في التاريخ الأميركي الحديث. غير أن النقاش الأكثر إثارة للاهتمام يتمحور حول ما إذا كان ترامب بصدد فقدان قاعدته الشعبية، فقد وجّهت شخصيات بارزة انشقت عنه مثل الإعلامي تاكر كارلسون والنائبة مارجوري تايلور غرين انتقادات حادة له متهمةً إياه بالتخلي عن أنصاره، في المقابل يرد الجمهوريون المتشددون بالإشارة إلى استطلاعات رأي تُظهر استمرار الدعم القوي للحرب بين من يعرّفون أنفسهم بأنهم من أنصار شعار “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا”(MAGA).

إلا أن هذا الجدل بين أنصار “MAGA” وبقية الجمهوريين يحجب حقيقة أكثر عمقًا مفادها أن قرار ترامب خوض الحرب في إيران قد ألحق ضررًا بالغًا بالائتلاف الأوسع الذي أوصله إلى السلطة، فبينما تظل قاعدته الصلبة متمسكة به في مختلف الظروف يرى كثيرون ضمن هذا الائتلاف أن الحرب تمثل إخلالًا بوعود سابقة، وهي شريحة يُرجح أن تظل مؤثرة في صياغة توجهات السياسة الخارجية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
وعلى امتداد خمسة وعشرين عامًا من “الحروب الممتدة” في “الشرق الأوسط” تراجعت شهية الرأي العام الأميركي لدعم أي تدخل عسكري لا يحقق نتائج واضحة، وعلى خلاف عدد من أسلافه لم تبذل إدارة ترامب جهدًا يُذكر لتسويق هذه الحرب للرأي العام قبل اندلاعها، وحتى بعد مرور شهرين على بدايتها لا تزال الإدارة تتجنب تقديم مبررات واضحة لضرورتها.
وتشير الأرقام إلى اتجاه ثابت إذ يعارض 66% من الأميركيين قرار الذهاب إلى الحرب بينما يرفض 68% نشر قوات برية في إيران، كما أعرب 69% عن قلقهم من التداعيات الاقتصادية ولا سيما على أسعار الوقود في حين أفاد 64% بعدم ثقتهم بقدرة الرئيس على إدارة الأزمة وإنهائها، وباختصار يعبّر نحو ثلثي الأميركيين بصورة متكررة عن رفضهم لهذه الحرب. ومع ذلك لا يمكن إغفال وجود انقسام حزبي واضح، فالثلث المتبقي من الأميركيين يميلون إلى الحزب الجمهوري ويؤيد 77% منهم الحرب، كما تُظهر استطلاعات أخرى أن ما يقرب من 90% من أنصار “MAGA” يدعمونها، ورغم أن مؤشرات إضافية تفيد بأن الحرب لم تكن خيارهم المفضل- إذ لا يرى سوى 11% من ناخبي ترامب أن إيران تمثل أولوية قصوى مقابل 60% يضعون التضخم في صدارة اهتماماتهم- فإنهم لا يزالون مستعدين للالتفاف حول الرئيس في اللحظات الحاسمة.
وتعود معظم الشكوك حول استمرار دعم قاعدة ترامب له إلى حالة من الدراما الإعلامية التي تشبه المسلسلات والتي تدور داخل أوساط الإعلام اليميني والمشاهير السياسيين، فقد استغل بودكاستيون وشخصيات إعلامية مثل مذيع فوكس نيوز مارك ليفين والناشطة لورا لومر الفرصة لمحاولة إقصاء بعض المعارضين للحرب من دائرة نفوذ ترامب، كما أُثير جدل واسع حول ما إذا كان الراحل تشارلي كيرك سيعارض الحرب لو كان على قيد الحياة.
وفي هذا السياق دخل الرئيس نفسه في مواجهة كلامية حادة مع الإعلامي تاكر كارلسون الذي صرّح بأنه “شعر بالخيانة” وبأنه “يكره هذه الحرب ويتحفظ بشدة على الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة الأميركية”، وردّ ترامب بوصف كارلسون ومعارضين آخرين بأنهم “ليسوا من حركة MAGA، بل فاشلون يحاولون التعلق بها”.
وبالنظر إلى أرقام استطلاعات الرأي قد يبدو أن ترامب محق في هذا التوصيف، إلا أن حركة “MAGA” لا تتطابق بالضرورة مع مبدأ “أميركا أولًا” في السياسة الخارجية وهو المبدأ الذي يرتبط به العديد من منتقدي الحرب داخل معسكره، فعلى سبيل المثال قدّم جو كينت المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهــ ـــاب استقالته احتجاجًا على الحرب مشيرًا في رسالته إلى تأثير النفوذ “الإسرائيلي”** باعتباره تعارضًا مع مبدأ “أميركا أولًا”، وفي السياق ذاته يرى الكاتب كريس كالدويل وهو من أبرز المدافعين السابقين عن ترامب أن “الهجوم على إيران يتناقض بشكل جذري مع تطلعات قاعدته الانتخابية ويتعارض تمامًا مع تصورهم للمصلحة الوطنية لدرجة أنه قد يمثل نهاية مشروع الترامبية”.
ومن المهم الإشارة إلى أن أنصار “MAGA” لا يشكلون سوى جزء من الائتلاف الانتخابي الذي أوصل ترامب إلى السلطة في انتخابات عام 2024، وقد حاولت دراسات متعددة تفكيك هذا الائتلاف إلى مكوناته المختلفة فعلى سبيل المثال يعتمد استطلاع يوغوف على تصنيف الجمهوريين بين “ماغا” و”غير ماغا” ويُظهر باستمرار فجوات واضحة بين المجموعتين في المواقف من السياسة الخارجية، كما قدّرت دراسة صادرة عن مجموعة “مور إن كومون” أن المتشددين داخل “MAGA” لم يتجاوزوا نحو 30% من ناخبي ترامب في تلك الانتخابات.
أما بين بقية شرائح الناخبين فإن الدعم للحرب في إيران يبدو أضعف بكثير، فقد أبرزت شبكةCNN تحولًا حادًا في تأييد ترامب لدى إحدى القواعد الأساسية: الناخبين البيض من غير حملة الشهادات الجامعية حيث تراجع الدعم من أكثر من 30% في عام 2025 إلى مستويات سلبية اليوم، كما يتركز دعم الحرب داخل صفوف كبار السن حتى داخل الحزب الجمهوري، في حين تقل احتمالية تأييد الجمهوريين دون سن الثلاثين للحرب بنحو 30 نقطة مئوية مقارنة بنظرائهم الأكبر سنًا.

وفي الواقع فإن الشرائح الأقل ولاءً ضمن ائتلاف ترامب الانتخابي في 2024- ومن بينهم غير الحاصلين على تعليم جامعي والشباب وجمهور البودكاست مثل مستمعي جو روجان وتي فيون- هي الأكثر معارضة للحرب، وقد وصف كل من روجان وفون الحرب بأنها خيانة للناخبين الذين دعموا ترامب، وتشير بيانات مور إن كومون التي تصف هذه الفئة بـ”اليمين المتردد” إلى أن نحو ربع هذه الشريحة فقط يدعم الحرب داخل القاعدة الانتخابية لترامب.
وخلاصة القول ورغم أن القاعدة الصلبة لحركة “MAGA” لا تبدو مستعدة للتخلي عن ترامب بسبب حرب إيران فإن جزءًا كبيرًا من الائتلاف الانتخابي الأوسع الذي أوصله إلى السلطة قد ابتعد فعليًا عنه، وبينما يحميه وضعه كرئيس في نهاية ولايته جزئيًا من التداعيات السياسية المباشرة، فإن تراجع الرضا داخل هذا الائتلاف يقدم دروسًا مهمة للمرشحين الجمهوريين والديمقراطيين في المستقبل على حد سواء.
وقد يواجه كل من نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو وغيرهما من الشخصيات المرتبطة بهذه الإدارة صعوبة في النأي بأنفسهم عن هذه الحرب غير الشعبية لاحقًا، كما أن محاولات بعض الديمقراطيين تبني مواقف وسطية- سواء عبر معارضة الحرب لأسباب إجرائية أو دعم تمويلها- قد تنعكس سلبًا عليهم سياسيًا، وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية ليست عادةً من القضايا الحاسمة للناخبين فإن جزءًا من نجاح ترامب في 2024 ارتبط دون شك بعدم الرضا عن سياسة إدارة بايدن الخارجية خصوصًا فيما يتعلق بغزة، واليوم بعد أن فقد هذا الجزء من القاعدة يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يستطيع أي سياسي آخر استعادة هذا الجمهور؟
* Emma Ashford, The Iran War Is Tearing Trump’s Coalition Apart MAGA is not necessarily the same thing as America First, foreign-policy, April 28, 2026.
** مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



