الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
هل الولايات المتحدة والصين على مسار حتمي لتكرار دروس التاريخ؟

بقلم: إليزابيث د. ساميت
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
قد يتحول التاريخ حين يُستدعى في عملية صنع القرار إلى أداة محفوفة بالمخاطر فعندما يوظّف صانعو السياسات قياسات تاريخية غير دقيقة- أو يسيئون تأويل قياسات تبدو للوهلة الأولى ملائمة- فإن النتائج قد تكون كارثية، وخلال حرب فيتنام على سبيل المثال أسقط بعض القادة الأمريكيين صورة هو تشي منه على نموذج أدولف هتلر وهو تشبيهٌ أسهم في تكريس انخراط الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا عبر تصوير أي تسوية سياسية بوصفها إعادة إنتاج لسياسة الاسترضاء المرتبطة بـاتفاق ميونيخ 1938، وقد شكّلت هذه الحالة مثالًا محوريًا في عمل إرنست ماي الكلاسيكي “دروس” من الماضي (1973) حيث دعا إلى مقاربة أكثر تركيبًا في توظيف السوابق التاريخية، مؤكدًا أن القياس التاريخي ينبغي أن يُستخدم لتحديد معايير الاختيار لا لفرض مسار بعينه.
وفي عام 1986 عمّق ماي هذا التوجه بالتعاون مع ريتشارد نيوستادت في كتاب التفكير عبر الزمن الذي مثّل دليلًا منهجيًا لصنّاع القرار، وبدلًا من البحث عن تماثلات تاريخية مطلقة شدد المؤلفان على ضرورة تحليل أوجه التشابه إلى جانب الفوارق البنيوية الحاسمة بين الحاضر والنماذج التاريخية المقارنة، واستنادًا إلى هذا الإرث الفكري أطلق غراهام أليسون ونيال فيرغسون عام 2016 “مشروع التاريخ التطبيقي” في مركز بلفر بجامعة هارفارد حيث عرّفا “التاريخ التطبيقي” بوصفه جهدًا تحليليًا يرمي إلى استنارة التحديات الراهنة عبر استحضار السوابق التاريخية وتحليلها بصورة منهجية. وفي السياق ذاته يشكّل القياس التاريخي الركيزة التحليلية لكتاب أود آرنه فيستاد العاصفة القادمة: القوة والصراع والتحذيرات من التاريخ، يرى فيستاد أن العالم المعاصر رغم فرادته الظاهرية يحمل أوجه شبه بنيوية مع النظام الدولي في أواخر القرن التاسع عشر وحتى عام 1914 أي المرحلة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، ويُوظَّف هذا القياس لتأطير فهم التحولات نحو نظام دولي متعدد الأقطاب تتزايد فيه المنافسة على النفوذ الإقليمي بين عدد متنامٍ من القوى الكبرى وإن لم تعد أي منها تتمتع بتفوق مطلق.
ويشير فيستاد إلى أن الصين وروسيا والهند ليست وحدها الفاعلة في تقويض حقبة الهيمنة الأمريكية إذ تسعى قوى إقليمية صاعدة مثل البرازيل وتركيا إلى توسيع نطاق تأثيرها في حين تعمل قوى اقتصادية كبرى- كاليابان والاتحاد الأوروبي- على تعزيز أدواتها التقليدية بعناصر من القوة الصلبة، وينبه الكتاب إلى أن احتمالية اندلاع حرب بين القوى الكبرى تمثل خطرًا حقيقيًا ومتزايدًا محذرًا من أن مثل هذا الصراع سيشكّل كارثة عالمية بكل المقاييس، ومن ثم يؤكد أن تفادي هذا السيناريو يقتضي تبني تفكير استراتيجي رصين مؤسس على وعي تاريخي عميق ودقيق. ويعزز فيستاد هذا التحذير بالإشارة إلى تنامي مشاعر الشك المتبادل بين المجتمعات حيث يسود اعتقاد واسع داخل القوى الكبرى بأن نظراءهم- أو على الأقل قياداتهم- يكنّون نوايا عدائية تجاههم الأمر الذي يغذي تصورًا بأن الحرب المقبلة مسألة وقت لا أكثر، ويبرز ذلك في ارتفاع مستويات انعدام الثقة لا سيما بين الرأي العام في الولايات المتحدة والصين وكذلك في سياقات دولية أخرى إذ يرى نحو ثلثي الروس أن الحرب في أوكرانيا تمثل صراعًا وجوديًا مع الغرب بينما يحمل قطاع واسع من الهنود تصورات سلبية تجاه الصين، في حين تُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الألمان والفرنسيين تنظر إلى الصين نظرة غير مواتية.
ويضيف فيستاد أن هذا المناخ من الشك يتفاقم بفعل قصور إدراكي واسع النطاق بشأن طبيعة حروب القوى الكبرى من حيث شدتها ونطاقها التدميري، فوفقًا لتقديره لم يختبر سوى أقل من نصف في المئة من سكان العالم حروبًا بين قوى عظمى، وقد نشأت الأجيال التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في ظل حروب محدودة- غالبًا ما كانت حروبًا بالوكالة- مثل حرب فيتنام أو الحرب الأهلية السورية ما أسهم في تقليص القدرة الجمعية على تصور الحرب بوصفها كارثة كونية شاملة، وفي هذا السياق يستعيد فيستاد الأبعاد الكارثية للحرب منذ مستهل كتابه عبر استحضار معركة السوم التي خلّفت وحدها أكثر من مليون ضحية من إجمالي نحو أربعين مليونًا سقطوا في الحرب العالمية الأولى في تذكير صارخ بحدود العنف حين ينفلت على نطاق دولي شامل.
احذر الجنرال الأعور

كما أدرك الإغريق القدماء يميل الإنسان بطبيعته إلى تفسير الظواهر وحلّ المشكلات عبر القياس على ما يشبهها، فقد تناول أرسطو مفهوم “الاستدلال بالتماثل” بوصفه أداة أساسية في بناء التعريفات وفي أنماط الاستدلال الاستقرائي والافتراضي، أما ثيوسيديدس صاحب تاريخ الحرب البيلوبونيسية فقد رأى أن سرده الدقيق للأحداث يمكن أن يفيد أولئك الساعين إلى فهم الماضي واستشراف ما قد يتكرر في المستقبل بحكم ثبات الطبيعة البشرية، ومع ذلك يكشف عمله أيضًا أن الفاعلين التاريخيين كثيرًا ما يخطئون في قراءة القياس إذ يعجزون عن إدراك أوجه التشابه حين تكون قائمة، ويتوهمون الفروق حين لا تكون موجودة.
غير أن الانجذاب إلى القياس التاريخي ينطوي على مخاطر إضافية إذ قد يقود الانبهار بالتشابهات الظاهرية إلى تجاهل الفوارق الجوهرية، وقد تنبّه بلوتارخ إلى هذه الإشكالية مبكرًا حيث جمع في كتاباته بين ممارسة المقارنة التاريخية والتشكيك الضمني فيها، ففي مستهل سيرته للقائد الروماني سرتوريوس، يقدّم نقدًا منهجيًا لميل بعض المؤرخين إلى تحميل المصادفات دلالات مبالغًا فيها، مشيرًا إلى أن تكرار بعض الأنماط لا يعني بالضرورة وجود تصميم أو معنى عميق وراءها، ويختتم بلوتارخ عرضه بسرد مثال ساخر يتمثل في أربعة قادة عسكريين بارزين اشتركوا جميعًا في فقدان عين واحدة في إشارة إلى عبثية بعض القياسات التي تُبنى على تشابهات سطحية.
وتبرز القياسات التاريخية بقوة خاصة في أزمنة القلق وعدم اليقين، ففي فترات الاستقرار تميل المجتمعات إلى الاعتقاد بأنها تجاوزت الماضي فتقلل من أهمية المقارنات التاريخية، أما في أوقات الأزمات فتعود هذه القياسات لتؤدي أدوارًا متعددة: تفسيرية وتحريضية، وتبريرية وتحذيرية، ومع ذلك تكمن أهميتها الحقيقية في قدرتها على توسيع أفق التفكير وتحرير صانع القرار من أسر اللحظة الراهنة، بما يحدّ من ردود الفعل الانفعالية.
في هذا السياق، يسعى أود آرنه فيستاد إلى توظيف القياس التاريخي بوصفه أداة تحليلية لتخفيف التصورات الحتمية بشأن اندلاع حرب بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين. ومن خلال المقارنة بين الماضي والحاضر، يسلّط الضوء على أنماط صعود القوى الكبرى، ومصادر التوتر بينها، والظروف التي تقود إلى اندلاع الحروب. فهو يقارن بين تراجع المملكة المتحدة في مطلع القرن العشرين والتراجع النسبي للولايات المتحدة اليوم، كما يشبّه صعود الصين بصعود ألمانيا قبيل الحرب العالمية الأولى.
ويولي فيستاد اهتمامًا خاصًا ببؤر التوتر التي قد تشعل صراعًا بين القوى الكبرى وعلى رأسها تايوان التي يرى أنها تجمع في خصائصها بين أزمات الألزاس والبوسنة وبلجيكا عشية عام 1914، كما يشير إلى مناطق أخرى مرشحة للتصعيد مثل شبه الجزيرة الكورية وبحر الصين الجنوبي والهيمالايا وأوكرانيا فضلًا عن “الشرق الأوسط”، الذي يشهد تصاعدًا في عدم الاستقرار في أعقاب المواجهات بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”** من جهة وإيران من جهة أخرى. وقد طرح باحثون آخرون تصورات مغايرة للمستقبل، فالمؤرخ القانوني صموئيل موين على سبيل المثال يجادل بأن التطورات التكنولوجية والالتزامات القانونية التي أسهمت في جعل الحرب أكثر إنسانية قد أفضت في الوقت ذاته إلى إمكانية خوض حروب لا إقليمية وممتدة بلا نهاية وعلى النقيض من هذه اليوتوبيا الإنسانية القاتمة يحذر فيستاد من سيناريو مختلف جذريًا، حيث لا يزال نمط التنافس بين القوى الكبرى قبل قرن كامنًا في بنية الجغرافيا السياسية المعاصرة، مهددًا- على نحو يشبه عودة المكبوت في التحليل الفرويدي ولكن على نطاق حضاري- بالانفجار في صورة حرب تبدو للوهلة الأولى تقليدية الطابع لكنها قد تحمل عواقب مدمّرة على مستوى عالمي.
مفارقة الاستعداد
نظرًا لحرص أود آرنه فيستاد على الدقة المنهجية فإن مقاربته القائمة على القياس التاريخي تُنتج أثرًا أسلوبيًا جانبيًا يتمثل في كثافة العبارات التي تشير إلى درجات متفاوتة من التشابه مثل على خلاف يشبه إلى حد ما (يشبه بدرجة متزايدة)، ومع ذلك فإن هذه الملاحظة الأسلوبية تظل محدودة الأثر مقارنة بقوة القياس العام واتساع نطاق التحليل الذي يقدمه، كما أن التنقل المنهجي بين الأزمنة والمناطق يمنح الكتاب ميزة إبطاء الإيقاع التحليلي بما يتيح تفكيك الظواهر المركبة، وعلى غرار المؤرخ القديم بوليبوس يقدّم فيستاد سردًا ذا طابع تاريخ كوني يسعى إلى التمييز بين الأسباب الحقيقية والذرائع والبدايات. وفي هذا السياق يتتبع بدقة المسار الزمني الذي يبدأ باغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في 28 حزيران 1914 وينتهي بإعلان الحرب بعد شهر واحد كاشفًا عن سلسلة من سوء الفهم ونقاط العمى الإدراكي والقرارات الخاطئة التي حوّلت أزمة سياسية محدودة إلى كارثة عالمية تمثلت في اندلاع الحرب العالمية الأولى، ويورد فيستاد ملاحظة لافتة بشأن بداية هذا الصراع مفادها أن القادة النمساويين كانوا يريدون الحرب ضد الصرب لكن لم يكن واضحًا تمامًا لماذا يريدونها ويعكس هذا النمط من العدوانية غير المحددة الغايات سمةً متكررة عبر القرن اللاحق الذي يمكن توصيف أجزاء واسعة منه بوصفه سلسلة من الإخفاقات التي انزلقت فيها الدول إلى حروب كبرى وصغرى قبل أن تحدد أهدافها بوضوح، يرسم فيستاد صورةً لنُظُم دولية متعددة الأقطاب في الماضي والحاضر- تتسم بتصاعد النزعات القومية والشوفينية وتفاقم مشاعر العداء وترافق ذلك مع تحولات تكنولوجية عميقة واضطرابات اجتماعية واقتصادية، ويؤكد أن الحرب لم تكن حتمية في عام 1914 كما أنها ليست حتمية اليوم غير أن العديد من العوامل التي أسهمت في اندلاع الحرب العالمية الأولى عادت إلى الظهور: اختلالات تجارية ونزاعات إقليمية وقيادات تتسم باندفاع شخصي ونزعات غير عقلانية إضافة إلى أزمات داخلية وأيديولوجيات جامدة وتحولات تكنولوجية متسارعة، ومن أبرز هذه العوامل فيض المعلومات إذ كان يتمثل سابقًا في سيل البرقيات المتقاطعة بينما يتجلى اليوم في الاتصالات الفورية والمعلومات الاستخباراتية اللحظية والدورة الإخبارية المتواصلة. وتكمن القوة الحقيقية لهذا القياس في مفارقة أساسية: فقبيل الحرب العالمية الأولى أدى الخوف من الحرب إلى الاستعداد لها بطرق جعلت اندلاعها شبه حتمي، فقد بدا أن الاستراتيجيين العسكريين والدبلوماسيين يعملون في اتجاهات متعارضة إذ وُجد تناقض جوهري بين “الخطط العسكرية الهجومية المعدّة لمواجهة خطر وشيك” و”الأهداف الدبلوماسية القائمة على الردع والطمأنة”، وقد أسهمت التحالفات الغامضة إلى جانب التطورات التكنولوجية- مثل توسع شبكات السكك الحديدية وتطور السفن الحربية- في تقليص الزمن اللازم لتفعيل الخطط العسكرية مما خلق مزيجًا كارثيًا سرّع الانزلاق نحو الحرب.
كما غذّى الخوف سباق تسلح ولا سيما بين ألمانيا والمملكة المتحدة في حين استند التخطيط العسكري إلى افتراضات مضللة بشأن تحقيق نصر سريع وإمكانية حسم التفوق العسكري في زمن السلم، وفي المقابل فشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء التوترات بسبب عجزها عن تفكيك القضايا المتشابكة التي غذّت الشكوك والعداوات، ويرى فيستاد أن نمطًا مشابهًا يتكرر اليوم حيث يُفسَّر كل تحرك تقوم به إحدى القوى الكبرى- سواء في المجال الاستراتيجي أو البحري أو في التحالفات أو حتى في السياسات التجارية والتكنولوجية- بوصفه دليلًا على نوايا عدائية من الطرف الآخر. ويخلص فيستاد إلى أن القوى الكبرى عندما تسعى إلى إظهار قوتها في ظل مخاوف من التراجع الاقتصادي أو الاضطراب السياسي الداخلي قد تميل إلى توجيه ضربات استباقية عند ما تراه “لحظة الذروة” في نفوذها، ومن المرجح أن تتفاقم هذه النزعة في المستقبل بفعل تسارع التحليل واتخاذ القرار المدفوع بالذكاء الاصطناعي وانتشار الأسلحة الذاتية أو شبه الذاتية فضلًا عن تحولات تكنولوجية أخرى، ويؤكد أن هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات بين القوى الكبرى ستفرض ضغوطًا هائلة على عمليات صنع القرار السياسي ومنظومات القيادة والسيطرة العسكرية، وعندما تتراكم هذه العوامل لتُنتج شعورًا بحتمية الصراع فإن تفاديه قد يصبح متعذرًا.
وهمٌ خطير

في الفصل الختامي يبلور أود آرنه فيستاد ما يمكن وصفه بـأطروحة السلام مستندًا إلى مجموعة من الآليات الكابحة التي يرى أنها ضرورية لتفادي الانزلاق نحو صراع بين القوى الكبرى، ويأتي في مقدمة هذه الآليات تعزيز أطر التعاون الدولي وتطوير أجهزة دبلوماسية مرنة وفعّالة إلى جانب ترسيخ تحالفات دفاعية قادرة على تحقيق الردع، وفي هذا السياق يقدّم حلف شمال الأطلسي خلال الحرب الباردة نموذجًا لما يسميه الردع الموثوق، كما يشدد على ضرورة المراقبة الحذرة للتقنيات الناشئة التي قد تعيد تشكيل أنماط الصراع ويبرز أهمية القيادات القادرة على احتواء الأزمات وكسب الوقت ومنع التصعيد غير القابل للسيطرة فضلًا عن الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة وفعّالة بين الخصوم. ولا يقتصر طرح فيستاد على الأدوات المؤسسية بل يمتد إلى البعد المعرفي والثقافي، إذ يدعو إلى تفكيك التصورات الرومانسية التي تنظر إلى الحرب بوصفها فعل “تطهير” والتأكيد على أن السلام لا يعني بالضرورة تثبيت الوضع القائم، فالعالم متعدد الأقطاب بحسب رأيه ليس خيارًا إراديًا بيد القوى الكبرى ولا يمكن تعطيله أو تجنبه بقرار أحادي. ومع ذلك يطرح فيستاد ملاحظة بشأن حالة من اللامبالاة أو الاطمئنان النسبي يصعب التوفيق بينها وبين تحليله السابق الذي يؤكد تنامي الاعتقاد بإمكانية اندلاع حرب بين القوى الكبرى، فهو يشير إلى أنه كما كان الحال قبيل عام 1914، يسود اليوم تصور بأن مثل هذه الحرب- إن لم تكن مستحيلة- فهي على الأقل غير مرجحة، غير أن الواقع يوحي بأن العالم يميل في الوقت ذاته، إلى التسليم الضمني بإمكانية الحرب، دون امتلاك تصور واضح عن حجم الدمار الذي قد تُحدثه.
ويتجلى هذا التناقض في تراجع الإحساس الوجودي بخطر الأسلحة النووية الذي كان سمة مميزة لحقبة الحرب الباردة رغم انتهاء بعض أطر الحد من التسلح واستمرار التوسع في الترسانات النووية، كما أن تجربة عام 2004 حين ثبت عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق أسهمت في تراجع حضور هذا التهديد في الوعي العام، وفي المقابل تعزز التطورات التكنولوجية- مثل الأسلحة الذكية والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة- تصورًا مضللًا للحرب باعتبارها عملية دقيقة قابلة للضبط ومحدودة النطاق، إلا أن فيستاد يؤكد أنه لا توجد دلائل حقيقية على أن الارتفاع الهائل في القدرات التدميرية بما في ذلك الأسلحة النووية سيحول دون اندلاع الحروب. إن الاعتقاد بإمكانية التحكم الكامل في الحرب أو إدارتها يظل وهمًا متجذرًا وخطيرًا، وقد عبّر ليو تولستوي عن هذه الفكرة ببلاغة في الحرب والسلام حيث صوّر نابليون كشخص يظن أنه يوجّه مجريات الحرب بينما هو في الواقع محكوم بقوى أكبر منه أشبه بطفل يعتقد أنه يقود عربة لمجرد أنه يمسك بخيوطها، وتجد هذه الرؤية صدى فلسفيًا عميقًا لدى سيمون فايل التي رأت- في قراءتها لـ الإلياذة- أن «القوة» هي الفاعل الحقيقي في الحروب إذ تُخضع الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه وتدفعه إلى مسارات تتجاوز قدرته على التحكم. وتقدّم الإلياذة تصويرًا مكثفًا لأهوال الحرب الشاملة حيث تنفتح الأرض ذاتها لتكشف عن عمق الدمار الذي تخلفه القوة حين تنفلت، وفي هذا الإطار يعيد كتاب العاصفة القادمة التذكير بضخامة القوة التدميرية الكامنة في صراعات القوى الكبرى مستخلصًا من إخفاقات الماضي دروسًا تحذيرية للحاضر، وكما أشار الروائي الإنجليزي صموئيل بتلر فإن القياس رغم قابليته للتضليل يظل أقل أدوات الفهم إرباكًا، ومن خلال استحضار المقارنة بين ملايين الضحايا في الحرب التي أنهت كل الحروب وما قد يخلفه أي صراع قادم يقدّم فيستاد إسهامًا تحليليًا بالغ الأهمية في مواجهة النزعات التبسيطية التي تمهّد الطريق لكوارث مستقبلية.
* Elizabeth D. Samet, Are America and China Condemned to Repeat History? The Warnings of Great-Power Wars Past, Foreign Affairs, April 21, 2026.
** مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



