الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

مستقبل العمل في “الشرق الأوسط”

هل ستعيد الثورة الرقمية تشكيل الطبقة الوسطى والاقتصاد والمجتمع؟

 

بقلم: بختيار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تقف اقتصادات “الشرق الأوسط” أمام تحوّل عميق في طبيعة العمل والإنتاج والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. فالثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، التشغيل الآلي، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، وتحليل البيانات، لم تعد مجرد أدوات لتحسين الأداء المؤسسي، بل أصبحت عوامل قادرة على إعادة توزيع فرص العمل والدخل والثروة والنفوذ الاقتصادي.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن المنطقة تدخل العصر الرقمي وهي تعاني أصلاً من اختلالات بنيوية متفاوتة: ارتفاع بطالة الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، والاعتماد الكبير على الوظائف الحكومية في عدد من الدول، والتفاوت في جودة التعليم والتدريب، فضلاً عن الاختلاف الواسع بين الاقتصادات النفطية الغنية والاقتصادات ذات الموارد المحدودة أو المتأثرة بالنزاعات.

وتشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز إنتاجية قطاعات واسعة من سوق العمل العربي، بدلاً من أن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء جماعي للوظائف. ويقدّر تقرير المنظمة لعام 2025 أن نحو 14.6% من الوظائف في الدول العربية، أي ما يقارب ثمانية ملايين وظيفة، يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي عبر تحسين المهام وزيادة الإنتاجية. لكن التقرير يحذّر في الوقت نفسه من أن التحول قد يوسّع الفجوات القائمة إذا لم تصاحبه سياسات للتدريب والحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

وفي تقرير مشترك أحدث بين منظمة العمل الدولية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، نُشرت نتائجه في أيار 2026، جرى بحث مستقبل الذكاء الاصطناعي والتوظيف في المنطقة للفترة 2025–2035، مع التركيز على الاختلاف بين السيناريوهات المحتملة وآثارها على الفئات الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية.

 

منظمة العمل الدولية

 

أما العراق، فيواجه تحدياً أكثر تعقيداً؛ إذ يتزامن التحول الرقمي مع اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والإنفاق الحكومي، وسوق عمل يعاني من ارتفاع البطالة واتساع العمل غير الرسمي وضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد. ولذلك فإن السؤال العراقي لا يتعلق فقط بمدى قدرة البلاد على تبني الذكاء الاصطناعي، بل بمدى قدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى وظائف منتجة ومستقرة، وإلى قطاع خاص قادر على النمو، وإلى طبقة وسطى لا تعتمد حياتها الاقتصادية بصورة شبه كاملة على الرواتب الحكومية.

 

وتخلص الدراسة إلى أن الثورة الرقمية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل الطبقة الوسطى في “الشرق الأوسط” عبر ثلاثة مسارات متداخلة:

  1. صعود فئة مهنية جديدة تمتلك المهارات الرقمية والقدرة على العمل في الاقتصاد العالمي.

  2. تعرض فئات من الموظفين والعمال التقليديين لضغوط التشغيل الآلي وتراجع القيمة السوقية لمهاراتهم.

  3. اتساع الفجوة بين من يمتلكون التكنولوجيا والبيانات ورأس المال، وبين من يبيعون وقتهم وعملهم في وظائف منخفضة الإنتاجية والأجور.

 

وبالنسبة للعراق، فإن نجاح التحول يتطلب الانتقال من سياسة انتظار الوظيفة الحكومية إلى بناء اقتصاد متنوع يخلق فرصاً في التكنولوجيا والخدمات والقطاعات الإنتاجية والطاقة والزراعة الحديثة والصناعات المرتبطة بالبيئة.

 

أولاً: الإطار العام للدراسة

  1. مقدمة

لم تعد التحولات التكنولوجية محصورة في المصانع أو المؤسسات الكبرى. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء مهام في الترجمة والكتابة والتحليل المحاسبي وإعداد التقارير وخدمة الزبائن والتصميم والبحث وإدارة البيانات. كما أتاحت المنصات الرقمية للأفراد والشركات الصغيرة الوصول إلى أسواق لم تكن متاحة لهم في السابق. ويعني ذلك أن طبيعة الوظيفة نفسها بدأت تتغير. فالموظف الذي كان يحتاج إلى فريق كامل لإنجاز مهمة بحثية أو إدارية قد يتمكن اليوم من إنجاز جزء كبير منها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات في تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، وإدارة الأنظمة الرقمية، والتسويق الإلكتروني. لكن التكنولوجيا لا تعمل في فراغ. فالأثر الاقتصادي والاجتماعي للذكاء الاصطناعي يتحدد وفق طبيعة المؤسسات، ومستوى التعليم، وتوزيع الدخل، والبنية التحتية، والقوانين، ومدى قدرة الحكومات على حماية العاملين خلال مرحلة الانتقال. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى الثورة الرقمية بوصفها تطوراً تقنياً فحسب، بل باعتبارها تحوّلاً في بنية الاقتصاد والمجتمع وعلاقات القوة داخلهما.

 

  1. إشكالية الدراسة

تتمحور الإشكالية الأساسية حول السؤال الآتي: هل ستؤدي الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى توسيع الطبقة الوسطى في “الشرق الأوسط” من خلال خلق فرص عمل جديدة وتحسين الإنتاجية، أم ستؤدي إلى إضعافها عبر تقليص الوظائف التقليدية وزيادة التفاوت الاقتصادي؟ ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات:

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، ادناه:

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى