الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الفلسطينيون يؤيدون حل الدولتين

لماذا باتت أغلبية جديدة، حتى في غزة، تؤيد تسويةً مع “إسرائيل”؟

 

بقلم: مايكل روبنز، أماني أ. جمال، ومارك تيسلر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

في أيلول 2025 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة للسلام تهدف إلى إنهاء الحرب في غزة متعهداً بأنها لن تقتصر على إعادة إعمار القطاع الذي دمرته الحرب بل ستفضي أيضاً إلى سلام أبدي في “الشرق الأوسط”، وبعد مرور عام تعثرت الخطة فلم تُلقِ حركة حماس سلاحها ولا تزال “إسرائيل” ** تسيطر على أكثر من 60 بالمئة من القطاع، كما لم تُنشأ الحكومة التكنوقراطية وقوة الأمن الدولية اللتان جرى التعهد بهما فيما لم تبدأ عملية إعادة الإعمار واسعة النطاق إلا بصورة محدودة ولا يزال معظم سكان غزة يكافحون للحصول على الغذاء والمياه والمأوى. ومع اقتراب الانتخابات “الإسرائيلية” في تشرين الأول شدّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقفه رافضاً اتفاقاً لنزع السلاح تدعمه الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن مجلس السلام المؤلف من 25 دولة وهو الآلية التي أنشأها ترامب لتنفيذ خطة السلام أعلن هذا الأسبوع برنامجاً أكثر تفصيلاً لإعادة الإعمار، أفاد مسؤولون رفيعو المستوى لصحيفة تايمز أوف “إسرائيل” وغيرها من وسائل الإعلام بأن المجلس توقف عن الضغط على نتنياهو للالتزام بالخطة بسبب الانتخابات المرتقبة. ويحظى هذا الموقف المتشدد بتأييد أغلبية “الإسرائيليين” الذين لا يعتقدون أن الفلسطينيين مهتمون بالمفاوضات أو الدبلوماسية، فقد أظهرت استطلاعات الرأي مراراً أن “الإسرائيليين” يعتقدون بأغلبية ساحقة أن الفلسطينيين لا يريدون السلام أصلاً ومن ثم يرون أن “إسرائيل” لا تملك شريكًا حقيقيًا للتفاوض، ففي تموز من هذا العام على سبيل المثال سأل استطلاع أجرته جامعة تل أبيب اليهود “الإسرائيليين” عما يعتقدون أن الفلسطينيين يريدونه، وقال 72 بالمئة منهم إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين “يعارضون بدرجة متوسطة أو كبيرة” أي مفاوضات للسلام فيما قال أكثر من 80 بالمئة إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين يرون أن تحقيق السلام مع “إسرائيل” أمر غير ممكن.

لكن هذا التصور يشوّه بصورة كاملة حقيقة ما يؤمن به معظم الفلسطينيين وما هم مستعدون لقبوله، فعلى مدى عقدين أجرى الباروميتر العربي وهو مشروع لاستطلاعات الرأي نشارك في إدارته، استطلاعات شاملة لقياس اتجاهات الرأي العام الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وأظهر أحدث استطلاع واسع النطاق أجريناه في تشرين الأول 2025 أن غالبية الفلسطينيين يرون في المفاوضات الدبلوماسية وليس المقاومة المسلحة السبيل الأفضل لتسوية الصراع “الإسرائيلي”-الفلسطيني بصورة نهائية، ولم تطرأ على الظروف الميدانية تغييرات من شأنها تعديل هذه النتائج بصورة جوهرية كما تؤكدها أيضاً الأسئلة التي طرحها في آب الماضي المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، ومقره رام الله وهو شريك للباروميتر العربي.

وفي الواقع يمتلك كثير من الفلسطينيين تصوراً واضحاً وواقعياً للمستقبل، فدعمهم لخيار الدولتين يفوق بكثير دعمهم لأي صيغة أخرى محتملة لتسوية الصراع، أما سكان غزة فعلى الرغم من أنهم تحملوا العبء الأكبر من الدمار خلال السنوات الثلاث الماضية فإنهم يميلون إلى أن يكونوا الأكثر براغماتية، إذ تؤيد نسبة أكبر منهم حل الدولتين مقارنة بالفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، كما أن نصف سكان غزة يؤيدون تطبيع الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل” شريطة أن تتضمن العملية تقدماً ملموساً نحو تقرير المصير الفلسطيني. وفي الوقت نفسه تراجعت ثقة الفلسطينيين بصورة حادة بكل من حركة حماس والسلطة الفلسطينية إذ يرون أن أياً من الطرفين لم ينجح في ضمان أمنهم أو تحسين ظروف حياتهم ويرغبون في تجديد سياسي واللافت أن غالبية سكان غزة يعبّرون عن رغبتهم في البقاء والمساهمة في إعادة بناء وطنهم المدمر بدلًا من الهجرة منه. أما الوضع الراهن في غزة فهو قاتم كما تتدهور أوضاع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية بسرعة، وبات الوضع القائم غير قابل للاستمرار رغم عدم وجود نهاية واضحة للصراع تلوح في الأفق، ومع ذلك فإن مواقف الفلسطينيين أنفسهم تتيح بعض بوادر الأمل، ويمتلك “الإسرائيليون” فرصة لاختيار حكومة جديدة تكون أكثر التزاماً بالمفاوضات. وإذا عملت مثل هذه الحكومة إلى جانب الجهات المانحة الدولية على الدفع نحو مرحلة انتقالية تجعل إقامة الدولة الفلسطينية جزءاً أساسياً من المفاوضات، وتعترف برغبة سكان غزة في الأمن وحكم شرعي فإن سكان غزة مستعدون لتقديم تنازلات شأنهم في ذلك شأن كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية، إنهم مستعدون للعمل من أجل بناء نظام سياسي جديد لكن يجب أن يكون جديداً بالفعل.

 

 

الواقعية الفلسطينية

كشف استطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في تشرين الأول من العام الماضي مدى تدهور الأوضاع في كل من غزة والضفة الغربية إذ كشفت النتائج عن أزمة أمنية واقتصادية وإنسانية لم تشهد تحسناً يُذكر منذ ذلك الحين، وشمل الاستطلاع 855 شخصاً في غزة أُجريت معهم مقابلات وجهاً لوجه في منازلهم أو ملاجئهم أو مخيماتهم و800 شخص في الضفة الغربية أُجريت معهم مقابلات وجهاً لوجه في منازلهم، وبدأ الاستطلاع في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه رسمياً عن وقف إطلاق النار في غزة ما أتاح صورة واسعة عن الظروف التي تواجه إعادة إعمار القطاع، ونظراً إلى توقيت إجراء الاستطلاع لم تُطرح في غزة بعض الأسئلة التي طُرحت في الضفة الغربية ودول أخرى في “الشرق الأوسط” مثل الأسئلة المتعلقة بالسياسة الداخلية والعلاقات الاجتماعية وذلك لإفساح المجال أمام أسئلة تسلط الضوء على الاحتياجات الفورية لسكان غزة. ومنذ استطلاع الباروميتر العربي لعام 2025 لم يُجرَ أي استطلاع مماثل يرصد الوضع الإنساني في غزة، وفي ظل محدودية المساعدات المسموح بإدخالها إلى القطاع، وإخفاق مجلس السلام في إحراز تقدم فعلي يتجاوز المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، لا يزال حجم التحدي على حاله إلى حد كبير.

وفي استطلاعنا أفاد 85 بالمئة من سكان غزة بأنهم نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ أوائل تشرين الأول 2023، ومن بين الذين تعرضوا للنزوح اقتُلع 70 بالمئة من مناطقهم ثلاث مرات أو أكثر، وقال 61 بالمئة من سكان غزة إن أحد أفراد أسرهم فقد عمله نتيجة الحرب فيما أفاد أقل من نصفهم بأنهم تناولوا الطعام يومياً خلال الأسبوع السابق. كما أفاد أكثر بقليل من واحد من كل خمسة أشخاص بأنهم لم يتناولوا الطعام خلال سبعة أيام سابقة أو معظمها، وتعرض التعليم أيضاً لاضطراب شديد فمن بين الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة قال 31 بالمئة إن أياً من أطفالها لا يحصل حالياً على التعليم، وظلت الخدمات الأساسية الأخرى محدودة كذلك إذ لم يكن يحصل على الكهرباء سوى 9 بالمئة من سكان غزة فيما كان 6 بالمئة فقط يحصلون على الوقود أو غاز الطهي، وهي أزمات لا تزال مستمرة، وفي أوائل أيلول أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن غزة لا تزال تعاني “غيابًا شبه كامل للكهرباء الموثوقة” فيما أشارت تقارير سابقة إلى أن سكان غزة اضطروا إلى حرق النفايات للطهي.

وكان سكان الضفة الغربية يحصلون على الخدمات الأساسية بدرجة أكبر لكنهم أفادوا بتدهور سريع في الوضع الأمني، ولم يصف سوى 58 بالمئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية أحياءهم بأنها آمنة بانخفاض قدره 16 نقطة مئوية مقارنة بالاستطلاع الذي أُجري في تشرين الأول 2023، وقيّم ثلثا المستطلعين توفير السلطة الفلسطينية للأمن بأنه “سيئ” أو “سيئ جداً” فيما فكر 24 بالمئة منهم في الهجرة، وسألنا الذين أرادوا مغادرة الضفة الغربية عن أسباب ذلك وطلبنا منهم التعبير عنها بكلماتهم الخاصة، وبصورة عامة تضمنت إجابات 38 بالمئة منهم أسباباً أمنية وتضمنت إجابات 37 بالمئة أسباباً سياسية فيما تضمنت إجابات 71 بالمئة أسباباً اقتصادية، ويختلف ذلك عن معظم البلدان الأخرى التي نجري فيها استطلاعات حيث لا يذكر سوى عدد قليل من الراغبين في الهجرة دوافع رئيسية غير الأسباب الاقتصادية.

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية فقد وصف 92 بالمئة من المستطلعين الوضع الاقتصادي في المنطقة بأنه “سيئ” أو “سيئ جداً” بزيادة قدرها 21 نقطة مئوية مقارنة بما كان عليه قبل عامين، كما يمثل الجوع مشكلة رئيسية. ووافق 51 بالمئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية على أن العبارة القائلة “إن الطعام الذي اشتريناه لم يكن يكفي ولم تكن لدينا أموال لشراء المزيد” كانت تنطبق عليهم غالباً أو أحياناً خلال الأيام الثلاثين السابقة، كما وافق 41 بالمئة على أنهم “اضطروا إلى تفويت وجبة” بسبب نقص المال أو الموارد خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. ومع ذلك لم يتحول سكان غزة على وجه الخصوص إلى الاستسلام لليأس، فقد أفادت أغلبية سكان غزة في إجاباتهم على أسئلة باحثي الباروميتر العربي بأنهم هم أو أسرهم “لن يغادروا غزة الآن حتى لو أتيح لهم ذلك”، وبلغت نسبة الذين قالوا إنهم أو هم وأسرهم معاً سيغادرون القطاع الآن لو أتيح لهم ذلك 41 بالمئة وهي نسبة تشبه نسبة من فكروا في الهجرة من مجتمعات أخرى أكثر بكثير استقراراً وسلاماً مثل الأردن حيث بلغت النسبة 44 بالمئة وتونس حيث بلغت 41 بالمئة وفق استطلاعات أجراها الباروميتر العربي في خريف عام 2025، وبعبارة أخرى رغم الظروف المروعة التي يعيشون فيها يريد معظم سكان غزة البقاء والمساهمة في إعادة الإعمار. وقد يفترض المرء أيضاً أنه في ظل حجم الدمار في غزة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية ربما يكون تأييد تسوية تفاوضية للصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني قد تراجع، لكن هذا لم يحدث فعندما سُئل المستطلعون في الضفة الغربية عن الحل الذي يفضلونه لإنهاء الصراع “الإسرائيلي”-الفلسطيني سواء دولتين أو دولة واحدة أو كونفدرالية أو “حل آخر” اختار 56 بالمئة حل الدولتين بزيادة قدرها سبع نقاط مئوية مقارنة باستطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في عام 2023، وعلى مدى عامين من الصراع المدمر ارتفع تأييد حل الدولتين بصورة أكبر في غزة من 54 بالمئة في أوائل تشرين الأول 2023 إلى 64 بالمئة في تشرين الأول 2025، وخلال الفترة نفسها ارتفع تأييد خيار الكونفدرالية في غزة عشر نقاط مئوية ليصل إلى 20 بالمئة فيما انخفض تأييد خيار الدولة الواحدة أربع نقاط مئوية إلى 5 بالمئة وتراجع تأييد خيار “حل آخر” وهو خيار يعكس في كثير من الأحيان تفضيل المقاومة المسلحة من 20 بالمئة إلى 7 بالمئة في غزة.

واللافت أن الارتفاع في تأييد حل الدولتين كان كبيراً بصورة خاصة بين الفلسطينيين الأصغر سناً، ففي عام 2023 كان الفلسطينيون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً أقل ميلاً إلى تأييد حل الدولتين بفارق تسع نقاط مئوية مقارنة بمن تبلغ أعمارهم 30 عاماً فأكثر، وبحلول خريف عام 2025 لم يعد الشباب أقل ميلاً من الفئة التي تبلغ 30 عاماً فأكثر إلى تأييد هذا الخيار، وفي الوقت نفسه انخفض تأييد خيار “حل آخر” بين الفلسطينيين الشباب إلى النصف بحلول عام 2025 متراجعاً من 27 بالمئة إلى 14 بالمئة.

وتؤكد استطلاعات أحدث أن هذه المواقف لا تزال راسخة، فقد أظهر استطلاع شمل عينة من 440 شخصاً من سكان غزة وأجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أوائل آب من هذا العام أن 61 بالمئة يفضلون حل الدولتين على أساس حدود عام 1967 مقارنة بخيارات أخرى مثل إقامة دولة واحدة متساوية، كما وافق 65 بالمئة من سكان غزة على أن السلاح أخفق في حماية الفلسطينيين ولم يجلب لهم سوى الدمار. ويُظهر سكان غزة قدراً خاصاً من البراغماتية ففي استطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في تشرين الأول 2025 عندما سُئل المستطلعون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن تأييدهم لتطبيع الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل” لم يؤيد ذلك سوى 11 بالمئة، لكن نسبة سكان غزة الذين أيدوا هذا الخيار كانت أعلى بكثير من نسبة الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية إذ بلغت قرابة واحد من كل خمسة، وفي المقابل أظهر استطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في تشرين الأول 2023 أن 10 بالمئة فقط من سكان غزة أيدوا التطبيع مقابل 5 بالمئة من الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، وفي عام 2025 عندما سُئل المستطلعون عما إذا كانوا يؤيدون التطبيع العربي-“الإسرائيلي” إذا ارتبط بإنشاء دولة فلسطينية وهو شرط أصرت عليه السعودية، على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة أجاب نصف سكان غزة وأكثر من ربع الفلسطينيين في الضفة الغربية بالإيجاب. وكانت البيانات واضحة: عدد أكبر من سكان غزة يؤيدون عملية السلام مقارنة بمن يؤيدون المواجهة العنيفة، كما تحدت نتائج الاستطلاع تصوراً شائعاً على نطاق واسع إذ تعطي أغلبية سكان غزة الأولوية لتحقيق الاستقلال على السعي إلى الانتقام من “إسرائيل”، ويتمثل أحد الأسباب الرئيسية لمعارضة الفلسطينيين للتطبيع في احتمال أن يجري من دون تحقيق الاستقلال الفلسطيني، وعندما يُربط التطبيع بتحقيق الاستقلال يزداد التأييد له بصورة كبيرة.

 

 

طيّ صفحة القديم

يتمسك الفلسطينيون أيضاً بقناعة راسخة بأن قياداتهم الحالية قد خذلتهم فعلى مدى عقود تمحورت السياسة الفلسطينية حول فصيلين رئيسيين: حركة فتح التي تسيطر على السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وكثيراً ما افترض المحللون أن تراجع التأييد لأحدهما يعني بالضرورة انتقال هذا التأييد إلى الآخر، ولا شك أن إصلاح السلطة الفلسطينية سيكون أفضل من الوضع القائم لكن من الواضح أن النظام السياسي الفلسطيني يحتاج إلى إصلاح أشمل، وبحلول الآن لم يعد معظم الفلسطينيين يؤيدون حماس أو السلطة الفلسطينية. ففي استطلاع الباروميتر العربي الذي أُجري في تشرين الأول 2025 عندما سُئل الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية عن الحزب السياسي الذي يشعرون بأنهم الأقرب إليه، أشار 24 بالمئة إلى حماس و18 بالمئة إلى فتح فيما قال 51 بالمئة إنهم لا يؤيدون أي حزب أو “لا يعرفون” أو رفضوا تقديم إجابة، ولم يعبر سوى 23 بالمئة عن ثقتهم في إدارة السلطة الفلسطينية وهي نسبة لا تمثل تحسنًا يُذكر مقارنة بـ 19 بالمئة في عام 2023، وكانت الثقة برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أقل من ذلك إذ بلغت 19 بالمئة فقط.

وتؤكد هذه المواقف أن تراجع الثقة لا يقتصر على أحد الطرفين بل يمتد إلى طرفي المعادلة السياسية الفلسطينية، ففي استطلاعنا لعام 2023 لم يعبّر سوى 29 بالمئة من سكان غزة عن ثقتهم بحكومة حماس فيما انتقد 72 بالمئة ما اعتبروه فساداً واسع النطاق في المؤسسات الحكومية، وعلى الرغم من أن الاستطلاع تضمن عدداً أقل من الأسئلة المتعلقة بالتوجهات السياسية العامة للفلسطينيين في غزة مقارنة بالضفة الغربية لإفساح المجال أمام مزيد من الأسئلة حول الاحتياجات الفورية لسكان غزة فقد كان واضحاً أن هجوم حماس على “إسرائيل” في 7 تشرين الأول والحرب التي تلته لم يؤديا إلى اكتساب الحركة دعماً على المدى الطويل، وفي استطلاع تشرين الأول 2025 عبّر تقريباً النسبة نفسها من سكان غزة أي نحو الثلث فقط عن ثقتهم بما تبقى من حكومة القطاع التي تقودها حماس.

وفي ضوء ذلك لا يبدو أن الفلسطينيين يبحثون عن استبدال فصيل بآخر بقدر ما يبحثون عن بديل للقيادة السياسية القائمة برمتها، فعندما سُئلوا عن الجهة التي سيختارونها في انتخابات تشريعية افتراضية تضم الأحزاب نفسها التي خاضت انتخابات عام 2006 اختار 16 بالمئة من الفلسطينيين في كلا المنطقتين فتح فيما قال 19 بالمئة إنهم سيؤيدون قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحماس، وقال ما مجموعه 55 بالمئة إنهم إما لن يؤيدوا أياً من الأحزاب التي شاركت في انتخابات عام 2006 أو لن يشاركوا في التصويت أصلاً. وأكبر كتلة في السياسة الفلسطينية ليست فتح ولا حماس بل الفئة التي ابتعدت عن الحياة السياسية ويؤكد ذلك استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في آب الذي أظهر أن نحو 40 بالمئة من الفلسطينيين يفضلون مروان البرغوثي، أحد قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى والذي يقبع في السجون “الإسرائيلية” منذ عام 2002 مرشحاً لهم لرئاسة السلطة الفلسطينية وهي نسبة تزيد على ضعف التأييد الذي حصل عليه أي شخصية أخرى، لكن “إسرائيل” رفضت مراراً الإفراج عنه في إطار صفقات تبادل الأسرى وتشير تقارير حديثة إلى تدهور حالته الصحية بشدة.

ولا يعني هذا أن مجرد إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة يمكن أن تعالج أزمة الشرعية السياسية فحتى بعد تنفيذ عملية إصلاح لن تفضي عودتها إلى حكومة تحظى بالشرعية في نظر الفلسطينيين، إذ لا يعتقد الفلسطينيون أن السلطة الفلسطينية قادرة على توفير الأمن بفاعلية فأغلبية الفلسطينيين في الضفة الغربية لا تثق بكل من قوات الأمن الوطني التابعة للسلطة الفلسطينية وهي أقرب مؤسسة لديها إلى جيش وشرطة السلطة الفلسطينية، ولم تكن أي من هاتين المؤسستين تعمل في غزة وقت إجراء الاستطلاع ولا تزالان لا تعملان فيها.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي يبرز أحد المسارات المحتملة للمضي قدماً في إنشاء حكومة تكنوقراطية تتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة، وهناك قدر من التأييد الفلسطيني لهذا الطرح فوفقاً لاستطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في آب 2026 يفضل 43 بالمئة من سكان غزة أن تتولى اللجنة الوطنية التي اقترحها مجلس السلام الإشراف على القطاع في المدى القريب بينما يفضل 34 بالمئة إجراء انتخابات لتشكيل حكومة، وفي الضفة الغربية كان التأييد لكلا الخيارين أقل إذ بلغ 24 بالمئة لكل منهما. وعلى الرغم من أن الحكومة التكنوقراطية قد تكون خطوة أولى ضرورية لتحقيق الاستقرار في غزة وإتاحة مزيد من المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار فإن ترسيخ مثل هذه الحكومة على المدى الطويل قد يؤدي إلى مزيد من تكريس انفصال غزة عن الضفة الغربية، ولهذا السبب يظل الحفاظ على وحدة المسارين السياسي والجغرافي أمراً أساسياً، وكما أشار سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني من عام 2007 إلى عام 2013 في مقابلة حديثة مع مجلة “فورين أفيرز” فإن تشكيل حكومة انتقالية موحدة وغير خاضعة للضغوط في المنطقتين أمر أساسي.

ويكشف هذا كله عن مفارقة أخرى في المزاج السياسي الفلسطيني، فعلى الرغم من تراجع الثقة بالقيادات والمؤسسات القائمة لم يتراجع تفضيل الفلسطينيين للديمقراطية، فقد ظلت نسبة الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين وافقوا على أن الديمقراطية هي “أفضل نظام” للحكم دون تغيير يُذكر بين استطلاعنا لعام 2023 الذي بلغت فيه 78 بالمئة واستطلاع عام 2025 الذي بلغت فيه 77 بالمئة، وفي المقابل ارتفع التأييد لقائد قوي “يتجاوز القواعد إذا لزم الأمر لإنجاز الأمور” عشر نقاط مئوية خلال هذه الفترة من 41 بالمئة إلى 51 بالمئة، كما وافق ثلثا المستطلعين على أن “ما دام بإمكان الحكومة حل المشكلات الاقتصادية لبلدنا، فلا يهم نوع الحكومة التي لدينا”. وفي ظل الدمار الذي لحق بغزة والأزمات الأمنية المستمرة في الضفة الغربية تبدو هذه النتائج انعكاساً واضحاً لرغبة الفلسطينيين في قيادة قادرة على إعادة فرض النظام والاستقرار، لكن هذا لا يعني أنهم تخلوا عن الديمقراطية بل يمكن فهم هذا التحول على نحو أفضل بوصفه أحد أعراض الإنهاك السياسي والهشاشة الناجمة عن سنوات من الانقسام والصعوبات الاقتصادية والحرب، فالفلسطينيون يفضلون الديمقراطية لكنهم يريدون في نهاية المطاف نتائج ملموسة من نظامهم السياسي.

 

الخطة المناسبة

تقدم مواقف الفلسطينيين أنفسهم مؤشرات واضحة إلى المسارات التي ينبغي أن تستند إليها الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في غزة وإعادة إعمار القطاع، ومن ثم ينبغي أن تعكس أي مناقشة بشأن إعادة الإعمار تفضيلات الفلسطينيين أنفسهم، ففقدان الفلسطينيين ثقتهم بالسلطة الفلسطينية لا يرتبط فقط بالفساد داخلها بل يعكس أيضاً حقيقة أن السلطة كثيراً ما أعطت الأولوية لتلبية المطالب الأمنية “الإسرائيلية” في وقت أسهم فيه توسع المستوطنات في الضفة الغربية في تقويض شرعيتها، كما أن تنامي الانطباع بأن السلطة الفلسطينية تعمل بوصفها ذراعاً للاحتلال “الإسرائيلي” لا إطاراً حقيقياً للتمثيل والتعبير السياسي الفلسطيني أسهم مباشرة في صعود شعبية حماس في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، ولذلك ينبغي عدم تكرار مثل هذا الخطأ الجسيم. ومن هذا المنطلق فإن مجرد إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة من دون وضع خطة لمعالجة أزمة شرعيتها لن يفضي إلى الاستقرار، وبالمثل فإن أي مقترح يقوم على مغادرة أعداد كبيرة من سكان غزة للقطاع قبل بدء إعادة الإعمار مثل الخطة التي كشف عنها وزير الأمن القومي “الإسرائيلي” إيتمار بن غفير في أيلول 2026 سيكون مضللاً، فسكان غزة يريدون البقاء وتحويل وطنهم وفقاً لشروطهم والعيش جنباً إلى جنب مع دولة “إسرائيل”.

 

وعلى نطاق أوسع تظهر استطلاعات الرأي أنه على الرغم من ابتعاد الفلسطينيين عن فصيليهم السياسيين الرئيسيين فإنهم لم يفقدوا اهتمامهم بالسياسات العامة أو بالنتائج التي تترتب عليها، بل لديهم رؤية واضحة وهم مستعدون لدعم التسوية غير أنهم رغم ما يعانونه من إنهاك، لن يقبلوا بنتيجة تقتصر على وقف القتال وتُبقي مستقبلهم معلقاً في حالة من عدم اليقين.

 

وفي هذا السياق لا يمكن فصل مستقبل غزة عن مستقبل الضفة الغربية، فاستقرار القطاع سيكون تحدياً بالغ الصعوبة حتى في غياب عوامل أخرى وسيصبح أصعب بكثير في الوقت الذي تتوسع فيه المستوطنات ويتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، كما يوضح الفلسطينيون بجلاء أن أي حل على المدى القريب يجب أن يتضمن مساراً موثوقاً نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة فلا ينبغي التعامل مع الدولة الفلسطينية بوصفها مكافأة محتملة في نهاية مسار طويل وغير واضح المعالم، وسيكون الفلسطينيون أكثر استعداداً لاحترام دور “إسرائيل” في المنطقة كما يتجسد في تطبيع علاقاتها مع الدول العربية الأخرى عندما يُتاح لهم هم أيضاً تقرير مصيرهم، لذلك لا يجوز تأجيل مسألة إقامة الدولة الفلسطينية إلى نهاية عملية السلام بل يجب أن تكون إمكانية تحقيقها ذات مصداقية لضمان انخراط الفلسطينيين في عملية التجديد السياسي.

 

شريك للفلسطينيين

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الفلسطينيون ولا سيما سكان غزة من صدمة عميقة فالإحباط متجذر وستستغرق عملية إعادة الإعمار سنوات إن لم تمتد لعقود، ومع ذلك تتعارض نتائج الباروميتر العربي بصورة واضحة مع أي تصور للسياسة الفلسطينية بوصفها أسيرة أيديولوجيا جامدة أو قائمة على الانتقام أو داعمة للعنف، وعلى العكس يُظهر الفلسطينيون قدراً ملحوظاً من البراغماتية ولا سيما في غزة حيث قد يُتوقع أن يكون التطرف أكثر حضوراً، فلم يرفضوا فكرة التوصل إلى تسوية سلمية مع “إسرائيل” وعلى الرغم من خيبة أملهم من السلطة الفلسطينية فإنهم لا يتجهون نحو حماس أو نحو العنف، ورغم وجود معارضة فلسطينية لحل الدولتين فإن نسبة متزايدة منهم باتت تمثل الآن أغلبية تؤيده وتتطلع إلى قيادة أكثر قدرة ومسؤولية تستجيب لاحتياجاتهم وتوفر لهم الأمن.

 

 

ويأتي أخطر عائق أمام التسوية في الوقت الراهن من الجانب “الإسرائيلي” وليس فقط من الجناح اليميني في الطيف السياسي “الإسرائيلي”، فوفقاً لاستطلاع أجرته جامعة تل أبيب في تشرين الأول 2025 رفض نحو 70 بالمئة من اليهود “الإسرائيليين” التفكير في إقامة دولة فلسطينية “تحت أي ظرف من الظروف”، وإلى جانب ذلك يرى قطاع واسع من الجمهور “الإسرائيلي” أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية أو السلام، ومع ذلك أظهر استطلاع أُجري في حزيران تموز أن 52 بالمئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية يرون أن المفاوضات هي أفضل وسيلة لإنهاء الصراع مع “إسرائيل” وهي نسبة تفوق بكثير نسبة من اختاروا أي خيار آخر مثل المقاومة المسلحة.

وأصبح عامل الوقت حاسماً في تحسين أوضاع الفلسطينيين على أرض الواقع ففي غزة تؤدي سوء التغذية والفقر والأمراض المعدية ونقص المياه النظيفة وتراكم النفايات والأنقاض إلى إغراق القطاع في أزمة متفاقمة، فيما يتعرض الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية بصورة منتظمة للإجبار على مغادرة منازلهم وأراضيهم على يد المستوطنين “الإسرائيليين” غالباً بالتعاون مع الجيش “الإسرائيلي”، ومع ذلك ثمة واقع بديل ممكن: التعايش. ولعل اللافت بل والمفاجئ أن الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل هذه الظروف لا يزالون متمسكين بحل الدولتين، فاستعداد الجمهور الفلسطيني للتسوية الإقليمية والسلام ليس جديداً لكن أهميته تكمن في أنه صمد بل وتعزز خلال السنوات الثلاث الماضية رغم ما تعرضوا له.

وما يقدمه الفلسطينيون هو رغبة واستعداد لإنهاء الصراع بصورة حقيقية والكرة الآن في ملعب “إسرائيل” والولايات المتحدة والأعضاء الآخرين في مجلس السلام، ويتعين على هذه الأطراف اتخاذ خطوات ذات مغزى لدفع عملية السلام إلى الأمام وقد عانى “الإسرائيليون” أيضاً معاناة شديدة، لكن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت “إسرائيل” تملك شريكاً للسلام بل ما إذا كان الفلسطينيون يملكون شريكاً للسلام، وقد تسهم نتائج الانتخابات “الإسرائيلية” المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول في تقديم جزء من الإجابة عن هذا السؤال.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى