الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
لفهم الاضطرابات في فرنسا، ينبغي العودة إلى عام 1982

تكشف التحوّلات الحادة في سياسات فرانسوا ميتران قبل عقود عن دروس مهمة لفهم ما تشهده فرنسا اليوم
بقلم: هوارد دبليو. فرينش
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
في أيار 1981 تابعتُ باهتمام بالغ من ساحل العاج وهي مستعمرة فرنسية سابقة، انتخاب فرانسوا ميتران رئيساً لفرنسا، في خطوة بدت وكأنها تمنح الحزب الاشتراكي الفرنسي تفويضاً للتحرر من قيود الرأسمالية الليبرالية وإعادة تشكيل الاقتصاد على أسس أكثر سخاءً وإنصافاً.
كنتُ قد تخرجتُ حديثاً ومفعماً بالمثالية والحماسة فاستقبلتُ بتفاؤل الفكرة التي استند إليها برنامج الاشتراكيين للتغيير ومفادها أن بلداً غربياً ثرياً يستطيع الاستغناء عن المسلّمات التقليدية للرأسمالية والإقدام على إعادة صياغة عقده الاجتماعي والاقتصادي بصورة جريئة، وخلال الأشهر الأولى من توليه السلطة رفع فريق ميتران الأجور وخفّض سن التقاعد وقلّص ساعات العمل الأسبوعية وزاد مدة الإجازات إلى جانب إصلاحات أخرى، ولتمويل هذه التدابير وتنفيذها فرضت الحكومة سيطرتها على المصارف وأمّمت عدداً من كبرى الشركات الصناعية الفرنسية. غير أن هذه اللحظة التي جسّدت ثقة الدولة بقدرتها على إحداث تغيير ملموس لم تلبث أن أفسحت المجال بعد عام واحد فقط لتحوّل مفاجئ في الاتجاه المعاكس، ففي تموز 1982 أمر ميتران بخفض الإنفاق العام ورفع الضرائب وتجميد الأسعار وأعاد إلى وزارة المالية دورها التقليدي في كبح التضخم، بدلاً من التوسع في المعروض النقدي لتمويل برامج اجتماعية واسعة النطاق.
أستعيد هذه الوقائع التي تعود إلى أربعة عقود لا بدافع الحنين إلى الماضي بل لتوفير سياق يساعد على فهم المشهد الاجتماعي والسياسي الذي يجتاح فرنسا اليوم، فالفهم الدقيق للماضي مفتاح لفهم الحاضر وكثير من الدروس المستخلصة من تلك المرحلة لا تنطبق على فرنسا وحدها، بل تمتد إلى عدد متزايد من البلدان الغربية التي تواجه اقتصاداتها أزمات متفاقمة، فيما تنجرف أنظمتها السياسية نحو الشعبوية.
منذ أواخر أيلول تحولت شوارع باريس ومدن فرنسية أخرى إلى ساحات لاحتجاجات تُعد من الأكبر في الذاكرة الفرنسية الحديثة يقودها على نحو لافت طلاب المدارس الثانوية، وقد بدأت مطالبهم بالاعتراض على ما يعدّونه نقصاً في الاستثمار في قطاع التعليم، وهو ما يتجلى في تدهور أوضاع المدارس الحكومية واتساع فجوة التفاوت التعليمي.
ومع اشتباك الطلاب مع الشرطة انضم إلى احتجاجاتهم عدد كبير من المواطنين الفرنسيين الذين لم يعبّروا عن تعاطفهم مع مطالب الطلاب فحسب بل كشفوا أيضاً عن شعور أوسع بخيبة الأمل إزاء عجز بلدهم، فيما يبدو عن الوفاء بوعوده بتحقيق الازدهار وضمان مزايا اجتماعية راسخة وتوفير الفرص، وهي وعود تتجسد في التصور السائد على نطاق واسع عن تفرّد النموذج الفرنسي وتميّزه عن غيره.
على أحد المستويات تعكس المشكلات التي تواجهها فرنسا شأنها شأن مشكلات بريطانيا وألمانيا مثلاً عجزاً عن التكيف مع الحقائق النفسية والاقتصادية الجديدة التي فرضها القرن الحادي والعشرون، فقد استند العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الرفاهية الأوروبية بعد الحرب إلى ظروف لم تعد قائمة فعقب الحرب العالمية الثانية استفادت الدول الأوروبية بدرجة كبيرة من ارتباطها بالولايات المتحدة التي كانت القوة الاقتصادية المهيمنة بلا منازع في العالم، ومع اتساع حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتنامي قدراتها الصناعية أسهمت في دعم الاقتصادات الأوروبية من خلال الشراكات والاستثمارات وإتاحة الأسواق أمامها بدرجة كبيرة، كما كانت الظروف الديموغرافية في أوروبا مواتية بفضل الانتعاش الذي شهدته معدلات المواليد بعد الحرب إلى جانب المستويات المرتفعة للهجرة.
لكن هذه الظروف تغيرت اليوم فما تزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم غير أنها دخلت مرحلة يتسم فيها النمو بالبطء سواء على مستوى الناتج المحلي الإجمالي أم نمو الإنتاجية، وفي الوقت نفسه يتراجع الإنجاب في المجتمعات الغربية باستمرار بما يترتب على ذلك من تداعيات عميقة على استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي الغربية التي تُعد قوية نسبياً، والمفارقة أن شعور الأوروبيين بتراجع آفاقهم الاجتماعية والاقتصادية أسهم في تصاعد السياسات المناهضة للهجرة الأمر الذي يحول دون تجديد قاعدة دافعي الضرائب، وهو ما كان يمكن تحقيقه من خلال استقبال الوافدين الشباب الطموحين والمجتهدين عمومًا ومساعدتهم على الاندماج في المجتمعات الأوروبية. قبل عقود أُجبر ميتران على التراجع بفعل تهديدات الأسواق المالية واحتمال هجرة الأثرياء إلى الخارج تهرباً من الضرائب والضغوط التي تعرض لها الفرنك الفرنسي، ويمكن الاختلاف بشأن الأسس الفكرية للإصلاحات الوطنية التي اقترحها لكن تلك الإصلاحات لم تتح لها فرصة حقيقية للتنفيذ، فمهما بدا الاقتصاد الفرنسي ثرياً وقادراً لم تكن فرنسا تملك الموارد التي تمكّنها من الانفصال عن بقية العالم الرأسمالي وتحويل نفسها إلى جزيرة من الرفاهية والازدهار بمعزل عنه.
أما اليوم فتبدو الخيارات المتاحة أمام فرنسا وآفاقها المستقبلية أكثر قتامة، فالرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الوسطي الذي تراجعت شعبيته بشدة لم يطرح يوماً إصلاحات واسعة وسخية كتلك التي سعى ميتران إلى تنفيذها، ومع اقتراب نهاية ولايته الثانية والأخيرة بات من الممكن النظر إلى أهدافه من منظور استرجاعي إلى حد كبير، فقد تمحورت هذه الأهداف حول الحد من تراجع دولة الرفاه قدر الإمكان مع الحفاظ على الصورة التي تعتز فرنسا بها عن نفسها بوصفها قوة متوسطة كبرى إن لم تكن قوة عظمى بالمعنى الصريح.
غير أن ماكرون لا تقيده الظروف ذاتها التي واجهها ميتران فحسب بل يواجه أيضاً أحد أعلى مستويات الدين العام في العالم الصناعي، فقد ارتفعت نسبة الدين العام الفرنسي مؤخراً إلى 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتسجل ثالث أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي، وإضافة إلى ذلك أصبح التكامل الأوروبي أعمق بكثير مما كان عليه قبل أربعين عاماً الأمر الذي يحد من نطاق الخيارات المتاحة أمام فرنسا سواء في السياسة المالية أم في غيرها بسبب سياسات الاتحاد الأوروبي بدءاً من افتقار فرنسا إلى عملة وطنية مستقلة.
وفي الوقت نفسه لم تعد الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى جانب تباطؤ نموها الاقتصادي قوة متعاطفة مع أوروبا بل يرى بعضهم أنها باتت قوة معادية لها إلى حد كبير، كذلك تواجه فرنسا وبقية الدول الأوروبية ضغوطاً من الصين التي يعاني اقتصادها اختلالات هيكلية حادة، فعلى الرغم من أن الصين تحولت سريعاً خلال هذا القرن إلى الدولة الصناعية الرائدة عالمياً فإن قادتها لم يتوصلوا إلى كيفية مواجهة التباطؤ الحاد في نمو اقتصادها إلا من خلال تحقيق فوائض تجارية متزايدة الضخامة تهدد بقاء الصناعات في أوروبا ومناطق أخرى من العالم.
وفي خضم هذه التطورات تبدو روسيا بقيادة فلاديمير بوتين عازمة على تدمير أوروبا، من خلال مواصلة غزو أوكرانيا والحرب فيها وتهديد دول حلف شمال الأطلسي الواقعة على حدودها، ويبدو أن هذه السياسة تمثل شكلاً من أشكال الانتقام من إخفاق روسيا في تحقيق طموحاتها المزمنة إلى استعادة مكانتها بوصفها قوة عظمى.
تبدو الخيارات المتاحة أمام فرنسا قاتمة على نحو استثنائي، فمن جهة يتطلع المحتجون وقطاعات واسعة من اليسار الفرنسي إلى العودة إلى سياسة الإنفاق الاجتماعي السخي وتوسيع دور الدولة في الرعاية، ومن جهة أخرى يعد حزب المعارضة الأبرز بقيادة مارين لوبان الشعبوية اليمينية بإحياء فرنسا من خلال سياسات أقل قابلية للتطبيق تشمل تقليص الهجرة بدرجة كبيرة وفرض التقشف وإضعاف الاتحاد الأوروبي بشدة مع أن هذا الاتحاد كما أدرك ميتران يمثل أفضل أمل لفرنسا في الحفاظ على ازدهارها ومكانتها الدولية.
ويعني ذلك في جوهره أن فرنسا تواجه معضلة تاريخية حقيقية لم تجد تقاليدها السياسية ولا مؤسساتها حلاً لها حتى الآن، فقد ولّى الزمن الذي كان بإمكان زعيم وطني مثل ميتران أن يطرح فيه برنامجاً طموحاً لإحداث تغيير تقدمي وجذري، أما اليوم فإن الأزمة الحقيقية التي تواجهها فرنسا لا تتعلق بالدرجة الأولى باختيار القادة بل تتمثل في انهيار الظروف التي جعلت نموذجها الاجتماعي جذاباً وقابلاً للاستمرار، وحتى الآن لم تتمكن أي حركة سياسية سواء من اليمين أم اليسار من مواجهة هذه الحقيقة بصدق وواقعية.




