الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

لماذا لم تخض الولايات المتحدة حرباً مباشرة ضد الحوثـ ـيين؟

بقلم: د. ساعود جمال ساعود

جامعة دمشق

 

يبدو للوهلة الأولى أن عدم قيام الولايات المتحدة بتدخل عسكري مباشر وحاسم لمصلحة السعودية في حربها ضد الحوثـ ـيين يمثل تناقضاً مع طبيعة التحالف الأمريكي – السعودي، ولا سيما أن الحوثـ ـيين تمكنوا من تطوير قدرة عسكرية على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بدعم إيراني، في الوقت الذي تمتلك فيه الجمهورية الإسلامية في إيران قدرة متقدمة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز إلا أن النظر إلى المسألة من منظور استراتيجي بعيد المدى يكشف أن السياسة الأمريكية لم تكن تستهدف بالضرورة القضاء العسكري الكامل على الحوثـ ـيين، بقدر ما كانت تسعى إلى منعهم من تحويل موقعهم الجغرافي إلى قدرة دائمة على تعطيل النظام الإقليمي والدولي للملاحة والتجارة والطاقة. ومن المهم هنا التمييز بين السيطرة الجغرافية على المضيق وبين القدرة على تهديد الملاحة فيه، فالقول إن الحوثـ ـيين “سيطروا على باب المندب” يحتاج إلى قدر من الدقة؛ إذ إنهم لم يمتلكوا السيطرة القانونية أو العسكرية الكاملة على المضيق، وإنما امتلكوا قدرة على تهديد السفن ورفع تكلفة الملاحة وإجبار شركات الشحن على إعادة تقييم مساراتها. وبالمثل فإن الجمهورية الإسلامية في إيران لا تملك مضيق هرمز باعتباره إقليماً تابعاً لها، لكنها تمتلك موقعاً جغرافياً وقدرات صاروخية وبحرية تسمح لها بتهديد حرية الملاحة فيه، ومن ثم فإن القيمة الاستراتيجية لكل من الحوثـ ـيين والجمهورية الإسلامية في إيران تكمن في قدرة الإنكار والتهديد البحري أكثر من السيطرة المباشرة على الممرات المائية.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الاختلاف بين باب المندب وهرمز في الحسابات الأمريكية، فمضيق هرمز يمثل عقدة مباشرة في منظومة الأمن الخليجي التي ترتبط بها الولايات المتحدة عسكرياً واستراتيجياً، بينما يمكن التعامل مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر بمجموعة أوسع من الأدوات مثل حماية السفن والاستخبارات والمراقبة والعمليات البحرية المحدودة والضربات الجوية والضغط السياسي، إضافة إلى إعادة توجيه جزء من التجارة حول رأس الرجاء الصالح، ولذلك لم تنظر واشنطن إلى الحوثـ ـيين باعتبارهم مشكلة لا يمكن التعامل معها إلا من خلال حرب أمريكية شاملة داخل اليمن.

لقد قدمت الولايات المتحدة للسعودية خلال الحرب اليمنية دعماً عسكرياً واستخبارياً ولوجستياً، لكنها تجنبت تحويل الصراع إلى حرب أمريكية مباشرة طويلة الأمد، ويرتبط ذلك بجملة من الحسابات التي تشكلت بعد تجربتي العراق وأفغانستان، فالقوة العسكرية الأمريكية تستطيع تدمير منصات صواريخ ومخازن أسلحة ومراكز قيادة، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل ذلك إلى حل سياسي دائم داخل اليمن، كما أن القضاء على القدرات العسكرية للحوثـ ـيين لا يعني بالضرورة إنهاء نفوذ الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يعني بناء دولة يمنية مستقرة، ولا يمنع عودة حرب العصابات والاستنزاف، ومن هذه الزاوية، فإن التدخل العسكري الأمريكي الشامل كان يمكن أن يحول مشكلة إقليمية إلى التزام أمريكي مباشر طويل الأمد.

على هذا الأساس ينبغي النظر إلى السياسة الأمريكية باعتبارها أقرب إلى إدارة التهديد بدلاً من القضاء الكامل عليه، فالهدف الاستراتيجي ليس بالضرورة أن تختفي كل قدرة للحوثـ ـيين على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما منع هذه القدرة من التحول إلى سيطرة استراتيجية على نظام الملاحة الدولي، وهذه نقطة مهمة لأن وجود تهديد محدود يختلف جذرياً عن امتلاك القدرة على إغلاق باب المندب بصورة مستدامة وفرض نظام ملاحي بديل تتحكم فيه جماعة مسلحة أو دولة داعمة لها.

 

 

ومن هنا يمكن فهم الضربات الأمريكية التي جاءت عندما أصبح الحوثـ ـيون يهددون الملاحة الدولية والسفن والقوات الأمريكية بصورة مباشرة، فهناك فرق بين أن يهدد الحوثـ ـيون أمن السعودية وبين أن يتحول التهديد إلى خطر واسع على حرية الملاحة الدولية والقوات والمصالح الأمريكية. وفي الحالة الثانية تصبح واشنطن أكثر استعداداً لاستخدام القوة بصورة مباشرة، كما ظهر في الحملات العسكرية الأمريكية ضد الحوثـ ـيين، وبذلك يمكن قراءة السلوك الأمريكي ضمن معادلة عملية: كلما اقترب التهديد من المصالح الأمريكية المباشرة أو من سلامة النظام الملاحي الدولي، ارتفعت درجة التدخل الأمريكي، وهنا قد تثور الشكوك التي لا نملك عليها اثباتات حول تفاهمات إيرانية – أمريكية حيال هذا الملف الذي يقابله في كفة الميزان الأخرى ملف الملاحة بمضيق هرمز، أي ان ما بين الجمهورية الإسلامية في إيران والأمريكي يتحول شيئاً فشيئاً إلى إدارة صراع بدلاً من صراع مباشر وحتى بالوكالة.

لكن الحساب الأمريكي الأعمق لا يتعلق باليمن وحده، فالولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على إعادة تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي في “الشرق الأوسط” من نموذج يقوم على الحماية الأمريكية المباشرة إلى نموذج يقوم على شبكة أمنية إقليمية يتحمل فيها الحلفاء جزءاً أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، وهذا التحول يعني أن السؤال الأمريكي لم يعد فقط: كيف نحمي السعودية؟ وإنما أصبح: كيف نبني منظومة تجعل السعودية ودول الخليج قادرة على مواجهة جزء أكبر من التهديدات، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بدور القيادة والتنسيق والاستخبارات والتكنولوجيا والردع الاستراتيجي؟

وتتضح هذه الرؤية بصورة أكبر من خلال الاتجاه الأمريكي نحو بناء شبكات متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات والإنذار المبكر بين دول المنطقة، فبدلاً من أن تعتمد كل دولة على قدراتها الوطنية بصورة منفصلة، يجري الاتجاه نحو ربط الرادارات ومراكز القيادة والإنذار والدفاعات الجوية والصاروخية ضمن منظومة أكثر تكاملاً، وهذا يعني انتقال الأمن الإقليمي من مفهوم “الدرع الوطني” إلى مفهوم “الدفاع الشبكي”، بحيث تستطيع الدول اكتشاف التهديد ومشاركته والتعامل معه بصورة جماعية.

 وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يغير طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، ففي النموذج القديم كانت المعادلة أقرب إلى: الولايات المتحدة توفر الأمن والحلفاء يستفيدون منه. أما النموذج الذي يتشكل تدريجياً فيقوم على معادلة أكثر تعقيداً: الحلفاء يمتلكون قواتهم ومنظوماتهم الدفاعية ومواردهم المالية، لكنهم يعملون ضمن شبكة ترتبط بالولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا والإنذار المبكر والتسليح والتنسيق العملياتي، وبذلك تصبح واشنطن أقل حاجة إلى نشر قوات ضخمة بصورة دائمة، مع احتفاظها بنفوذ استراتيجي واسع، دون أن نغفل الحقيقة المخفية أن قوامة التلاعب بالأطراف بخطوط الإمداد المالي عبر ما يقدم لهم كمقابل حديثاً وثمناً لأمنهم قديماً.

  وهنا تبرز السعودية بصورة مختلفة عن كونها مجرد دولة تحتاج إلى الحماية الأمريكية، فالسعودية يمكن أن تصبح عقدة مركزية في منظومة أمنية واقتصادية أوسع تشمل الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وتجمع بين الطاقة والموانئ والطرق البرية والاستثمار والأسواق المالية والتكنولوجيا والدفاع، ولذلك فإن العلاقة الأمريكية – السعودية طويلة المدى لا ينبغي تفسيرها فقط من زاوية النفط أو شراء الأسلحة، وإنما من زاوية أوسع تتمثل في بناء شبكة من المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية يصعب فصلها عن بعضها.

 

 

وهذا يقود إلى عنصر بالغ الأهمية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي المعاصر، وهو أمن سلاسل الإمداد والمرونة الاستراتيجية، فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقتصراً على حماية الحدود والقواعد العسكرية، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على ضمان استمرار تدفق الطاقة والسلع والبيانات والتمويل والمعادن والتكنولوجيا، ولذلك فإن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى منع كل تهديد جغرافي، وإنما تحتاج إلى منع أي طرف من امتلاك القدرة على تعطيل النظام بأكمله من خلال السيطرة على عقدة واحدة.

وبهذه الطريقة يمكن فهم التعامل مع باب المندب وهرمز ضمن مفهوم أوسع هو المرونة الشبكية. فإذا أصبح باب المندب معرضاً للخطر، يمكن استخدام مسارات بحرية بديلة، وموانئ أخرى، وطرق برية ومخزونات استراتيجية وقدرات بحرية وتكنولوجيا للمراقبة والإنذار، وإذا تعرض مضيق هرمز للتهديد، فإن وجود خطوط أنابيب وموانئ ومسارات تصدير بديلة وشبكات دفاعية يمكن أن يقلل من قدرة إيران على تحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز استراتيجية، وبذلك تصبح قيمة المضيق أقل ارتباطاً بقدرته على شل النظام كله.

ومن هذه الزاوية، فإن القضية الحقيقية بالنسبة إلى واشنطن ليست القضاء على كل تهديد، وإنما منع التهديد من التحول إلى نقطة اختناق قادرة على التحكم في النظام بأكمله، وهذا هو الفارق بين الاستراتيجية القائمة على إزالة الخطر والاستراتيجية القائمة على بناء القدرة على امتصاص الخطر، ففي الحالة الأولى يجب القضاء على الخصم، أما في الثانية فيكفي أن يصبح الخصم عاجزاً عن تحويل هجومه إلى انهيار شامل.

  وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية في التعامل مع الحوثـ ـيين، فوجود جماعة مسلحة تمتلك قدرة محدودة على تهديد الملاحة يمثل مشكلة أمنية حقيقية للولايات المتحدة وحلفائها، لكنه لا يعني بالضرورة أن تلك الجماعة تستطيع السيطرة على النظام البحري العالمي، ولذلك قد يكون الهدف الأمريكي العملي هو تقليص قدرة الحوثـ ـيين على الإضرار بالنظام، وليس الدخول في حرب مفتوحة تهدف إلى القضاء النهائي عليهم، وهذا لا يعني أن واشنطن تريد بقاء الحوثـ ـيين أو أنها ترى فيهم أداة مفيدة بالضرورة، وإنما يعني أن تكلفة القضاء العسكري الكامل عليهم قد تكون أعلى من الفائدة الاستراتيجية المتوقعة.

وتزداد أهمية هذا الحساب عندما نضع إيران والصين في الصورة الأوسع، فالولايات المتحدة لا تتعامل مع “الشرق الأوسط” باعتباره مسرحاً منفصلاً عن المنافسة الدولية، وإنما تربطه بصورة متزايدة بالمحيط الهندي وآسيا وسلاسل التكنولوجيا والطاقة والمعادن الحيوية، ولذلك فإن بناء شبكات أمنية واقتصادية في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي يخدم هدفاً يتجاوز مواجهة الحوثـ ـيين أو الجمهورية الإسلامية في إيران وحدهما، ويتمثل في الحفاظ على قدرة واشنطن على التأثير في العقد الاستراتيجية التي تربط “الشرق الأوسط” بالاقتصاد العالمي.

وبالتالي فإن التحول الأمريكي الأهم قد يكون الانتقال من استراتيجية “حماية الحلفاء” إلى “شبْكَنة أمن الحلفاء“، ففي النموذج الأول تحتاج واشنطن إلى التدخل في كل أزمة لحماية شركائها، أما في النموذج الثاني، فإنها تبني شبكة تجعل الحلفاء أكثر قدرة على حماية أنفسهم، وفي الوقت نفسه أكثر ارتباطاً بالأنظمة الأمريكية في مجال التسليح والاستخبارات والاتصالات والإنذار المبكر والتكنولوجيا والأسواق.

وبهذا المعنى، فإن عدم خوض الولايات المتحدة حرباً شاملة ضد الحوثـ ـيين لا ينبغي تفسيره فقط باعتباره تردداً أو تخلياً عن السعودية، فهناك حساب أكثر تعقيداً يجمع بين تجنب حرب استنزاف طويلة، والحفاظ على حرية الملاحة، ومنع الجمهورية الإسلامية في إيران ووكلائها من تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز استراتيجية وفق العقلية الأمريكية، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسؤولية أمنية أكبر، وبناء منظومة إقليمية قادرة على امتصاص الصدمات.

 والنتيجة الأعمق هي أن واشنطن قد لا تكون بحاجة إلى أن تنتصر السعودية عسكرياً على الحوثـ ـيين بالمعنى التقليدي حتى تحقق جزءاً كبيراً من أهدافها الاستراتيجية، فالمعيار الأهم بالنسبة إليها هو أن يبقى الحوثـ ـيون والجمهورية الإسلامية في إيران غير قادرين على تحويل باب المندب وهرمز إلى أدوات تستطيع تعطيل النظام الإقليمي والدولي بصورة مستدامة، فإذا أمكن تحقيق ذلك من خلال شبكة دفاعية واستخبارية ولوجستية ومالية واقتصادية متعددة العقد، فإن الحاجة إلى حرب أمريكية مباشرة وشاملة تصبح أقل.

وعليه، يمكن صياغة الفرضية الاستراتيجية الأوسع على النحو الآتي: تسعى الولايات المتحدة تدريجياً إلى الانتقال من استراتيجية حماية الحلفاء بالقوة الأمريكية المباشرة إلى استراتيجية “شبْكَنة أمن الحلفاء”، بحيث تتحول الممرات الاستراتيجية مثل هرمز وباب المندب من نقاط اختناق قادرة على ابتزاز النظام الإقليمي إلى عقد داخل شبكة متعددة البدائل، بينما تتحمل القوى الإقليمية بصورة متزايدة تكلفة الأمن المباشر، وتحتفظ واشنطن بدور المهندس والمُمكّن والمورد للقدرات الاستراتيجية.

وبذلك يصبح باب المندب في الحساب الأمريكي جزءاً من معادلة أكبر بكثير من اليمن: معادلة تتعلق بمن يملك القدرة على التحكم في تدفقات الطاقة والتجارة والبيانات والمال والتكنولوجيا، ومن يستطيع حماية هذه التدفقات عندما تتعرض إحدى عقد الشبكة للتهديد، ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن السؤال عن سبب عدم دخول الولايات المتحدة حرباً شاملة ضد الحوثـ ـيين يقودنا في النهاية إلى سؤال أكثر عمقاً:

 

هل تسعى واشنطن إلى السيطرة على كل عقد “الشرق الأوسط”، أم إلى بناء شبكة تجعل السيطرة على أي عقدة واحدة غير كافية للسيطرة على النظام كله؟ والاتجاهات الأمريكية في بناء شبكات الدفاع والتعاون الاقتصادي والأمني تشير إلى أهمية الخيار الثاني.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى