الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الذكاء الاصطناعي واثره على حقوق الانسان

بقلم: أ.د. عمار حميد ياسين
ان استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يؤثر في العديد من قطاعات ومجالات الحياة، مثل العمل والصحة، وليس خافياً على أحد الطرائق التي يمكن أن يوفر بها الذكاء الاصطناعي فرصاً كبيرة للنهوض بحقوق الإنسان في العديد من مجالات الحياة، فعلى سبيل المثال، ساهم الذكاء الاصطناعي بتسهيل عملية التعليم، وتمكين وصول المعرفة لمختلف الفئات المجتمعية ولاسيما خلال فترة الأزمة الوبائية التي كان من الصعب جداً تخطيها دون اللجوء لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
إلا أن العديد من الإشكاليات والتحديات يجب أخذها بعين الاعتبار عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي التي بإمكانها أن تقوض أو تنتهك حماية حقوق الإنسان بشكل عام أو خاص، فمثلاً يمكن أن يهدد استخدام الذكاء الاصطناعي الحق في المساواة ومنع التمييز وهو أحد أهم الركائز التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان بشكل عام. فضلاً عن انه قد تتسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي بتهديد وانتهاك الحقوق الخاصة كالحق في الخصوصية للأفراد أو أن تعززها بشكل ممنهج ومنظم كأن تعمل هذه التقنيات بوصفها صمام أمان للتمتع بالحقوق الأساسية والحرية الشخصية والسياسية، وعليه فإننا نتحدث هنا عن سلاح ذو حدين.
انقسمت الورقة الى محورين اساسيين: تناول المحور الاول تعريف الذكاء الاصطناعي ومميزاته، اما المحور الثاني فقد ركز على اثر الذكاء الاصطناعي على حقوق الانسان.
المحور الأول: تعريف الذكاء الاصطناعي ومميزاته
يشير مفهوم الذكاء الاصطناعي الى قدرة جهاز الحاسوب الرقمي او جهاز الحاسوب الذي يتم التحكم فيه عن طريق الروبوت على اداء المهمات التي ترتبط غالباً بالكائنات الحية التي تمتلك ذكاءً وغالبا ما يطبق هذا المفهوم بشكل شائع على المشروع الخاص بتطوير الانظمة المختلفة التي تتمتع بعمليات ذهنية يتميز بها الانسان كالقدرة على التفكير واكتشاف المعنى والتعميم والتعلم من الخبرات السابقة(1).
كما يعرف ايضاً بأنه فرع من فروع علوم الحاسبات فهو علم يجعل الآلات “الروبوتات” تفكر مثل البشر، اي حاسوب له عقل وله سلوك وخصائص معينه تتسم بها البرامج والتقنيات تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وتستطيع التعلم والاستنتاج وتستطيع ان يكون لها رد فعل مناسب للموقف الذي تتعرض له (2).
وعرفه (جون مكارثي) الذي وضع هذا المصطلح عام 1955 بانه: “علم وهندسة صنع الآلات الذكية”(3)، كما عرفه العالم الامريكي (مارفن مينسكي) وهو احد العلماء المؤسسين للذكاء الاصطناعي بانه:” العلم الذي بمقتضاه تتمكن الآلات من القيام بالأمور التي تتطلب ذكاء اذا قام بها الانسان”(4).
اما اهم مميزات الذكاء الاصطناعي فيمكن ان نوجزها بالاتي(5):
-
تحسين الكفاءة والإنتاجية: يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة والإنتاجية في العديد من المجالات، مثل التصنيع والرعاية الصحية والتسويق. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة وسرعة عمليات التصنيع، أو لتحسين التشخيص الطبي أو تطوير علاجات جديدة، أو لتحسين استهداف الإعلانات.
-
توفير الوقت والجهد: يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في توفير الوقت والجهد للإنسان، حيث يمكنه تنفيذ المهام بشكل أسرع وأكثر دقة من الإنسان. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد التقارير أو تحليل البيانات أو تقديم المساعدة في المهام المنزلية.
-
تحسين الأمان والحماية: يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الأمان والحماية في العديد من المجالات، مثل الأمن السيبراني والمراقبة والدفاع. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف التهديدات الأمنية أو تتبع الأشخاص أو تطوير أسلحة جديدة.
-
تعزيز الابتكار: يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تعزيز الابتكار في العديد من المجالات، حيث يمكنه تقديم رؤى جديدة وحلول مبتكرة للمشكلات. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير منتجات جديدة أو تحسين العمليات أو إيجاد طرق جديدة لحل المشكلات.
-
تحسين جودة الحياة: يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحسين جودة الحياة للإنسان في العديد من الجوانب، مثل الرعاية الصحية والتعليم والترفيه. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير رعاية صحية أفضل أو تطوير طرق جديدة لتعليم الأطفال أو إنشاء تجارب ترفيهية جديدة.

المحور الثاني: اثر الذكاء الاصطناعي على حقوق الانسان
ان تطبيقات الذكاء الاصطناعي تضطلع بأداء دوراً مهماً في حياتنا اليومية من خلال تسهيل تقديم الخدمات المتنوعة إلى المواطنين بما ينعكس بشكل إيجابي على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وعلى الرغم من ذلك ظهرت مجموعة من المخاوف الحقوقية المتعلقة بالتأثيرات السلبية لهذه التطبيقات على حقوق الإنسان وما يرتبط بها من أعمال إذ تنطوي الأنشطة التي تضطلع بها الحكومات في مجال الذكاء الاصطناعي على آثار سلبية متصلة بحقوق الخصوصية والحرية الدينية وحرية المعتقد والرأي والتعبير والتجمع السلمي، فتقنيات الذكاء الاصطناعي تعمل على تسليح الحكومات بقدرات غير مسبوقة لمراقبة الأفراد وتعقبهم(6)، حتى الحكومات في الديمقراطيات ذات التقاليد القوية في سيادة القانون تجد نفسها تميل إلى إساءة استخدام هذه القدرات الجديدة، وعلى الجانب الأخر وفي الدول ذات المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة عن الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان في ظل غياب الشفافية من المرجح أن تتسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي في مزيد من الانتكاسة للحقوق والحريات الأساسية، فعلى سبيل الذكر تستخدم بعض الحكومات ومنها روسيا تطبيق التعرف على الوجه المعتمد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في قمع حق المواطنين في ممارسة التجمع السلمي بالإضافة إلي القبض عليهم وتعقبهم.
ومن ابرز مخاطر الذكاء الاصطناعي التي تؤثر على حقوق الانسان هي(7):
-
مخاوف الخصوصية: يمكن أن يؤدي جمع البيانات الشخصية واستخدامها في أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تهديد حقوق الخصوصية إذا لم تتم إدارتها بشكل صحيح.
-
التحيز والتمييز: يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تديم عن غير قصد التحيزات المعرفية الموجودة في بيانات التدريب، مما يؤدي إلى نتائج تمييزية في مجالات مثل التوظيف والإقراض والعدالة الجنائية، ويمكن أن ينتهك ذلك الحق في المساواة في المعاملة وعدم التمييز. وتُبذل الجهود حالياً لوضع نظم عادلة وشفافة للذكاء الاصطناعي تحترم هذه الحقوق.
-
انعدام المساءلة: يمكن أن يؤدي غموض بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تقويض المساءلة، مما يجعل من الصعب معالجة انتهاكات حقوق الإنسان.
-
الحق في العمل: يمكن للأتمتة التي تحركها تقنيات الذكاء الاصطناعي أن تحل محل العمال البشريين، مما قد ينتهك الحق في العمل. يجب على الحكومات والمجتمعات معالجة قضايا التشرد الوظيفي من خلال سياسات مثل إعادة المهارة وتحسين المهارات لضمان ممارسة الأفراد لهذا الحق.
مع تطور الذكاء الاصطناعي سيظل الحفاظ على حقوق الإنسان في المستقبل يشكل تحدياً مستمراً يحتاج إلى التعاون المستمر بين الشركات والحكومات والمجتمع المدني وذلك لضمان تحقيق التوازن المستمر بين احترام القيم الإنسانية والابتكار وذلك من خلال:
-
تحسين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية: الذكاء الاصطناعي يساهم بشكل هائل في تعزيز الرعاية الصحية والتعليم وتحليل البيانات التي تتيح حلول مبتكرة لحل المشكلات الاجتماعية. كما يساعد في توفير فرص عمل جديدة تقوم بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي برغم من احتمالية اختفاء بعض الوظائف التقليدية داخل المجتمع.
-
تعزيز الوصول إلى العدالة: من الممكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تسهيل الإجراءات القانونية وتحليل الأدلة بفاعلية(8). فضلاً عن ذلك قد تساهم في تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد داخل المجتمع عن طريق تتبع البيانات وتحليلها.
-
الحرية المدنية: قد يكون الحاجة دائماً إلى توزان بين الأمن العام واحترام الحريات المدنية. بالإضافة إلى ذلك الاستخدام المفرط للتقنيات المراقبة قد يقيد حرية الأشخاص. مما يؤدي إلى انتهاك حريات الأفراد الشخصية.
وفي الختام يمثل الذكاء الاصطناعي ثورة تقنية تفتح آفاق متقدمة لتعزيز حياة البشر وقد يكون أداة قوية لتعزيز المساواة وتحسين جودة الحياة، ولكنه قد يشكل تهديداً للخصوصية والحريات الشخصية وإذا لم يتم استخدامه بطريقة مسؤولة وأخلاقية. فإن تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية الحقوق الإنسانية يتطلب تشريعات قوية وأيضاً التزاماً بمعايير الأخلاق الرقمية.



