الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
تحت عتبة الحرب.. التصعيد الروسي في أوروبا وإدارة الصراع في المنطقة الرمادية

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تعمل روسيا منذ بداية حربها مع أوكرانيا وفق أسلوب حرب المنطقة الرمادية ضد الدول الأوروبية والتي تكون بشكل عمليات تخريب سيبراني وعمليات نفسية إعلامية وسياسية، لكنها تدريجياً ومع استمرار الانخراط الأوروبي الى جانب اوكرانيا باتت تتحول الى نمط جديد من العمليات الرمادية يتضمن عمليات تخريبية وهجمات مادية محدودة لها تداعيات استراتيجية، تحاول هذه المقالة قراءة التطورات الأخيرة في نمط الحرب الرمادية الروسية ضد دول حلف شمال الأطلسي و..
هل سيؤدي تحولها للعمليات المادية التخريبية الى جر القارة الأوروبية لمواجهة مفتوحة ضد روسيا؟
اولاً: تكتيكات الحرب الرمادية
تمثل الحرب الرمادية نمطاً من أنماط الاستهداف الموجهة من قبل دولة تجاه دولة او دول أخرى بشكل يسبب اضرار مادية واقتصادية وتكنولوجية وحتى مجتمعية ويسمح للطرف المهاجم بالحد الأدنى من الانكار عن مسؤوليته عن هذه الاضرار ، او ما يعرف بالانكار المعقول.
أي ان العمليات الرمادية هي عمليات استهداف تستخدم وسائل مختلفة للإضرار بالعدو دون ان تدفع الطرف الاخر او تمنحه المبرر للدخول بالحرب أي انها تحتفظ بقدر من الاستهداف الذي يقع تحت عتبة الحرب، بمعنى انها عمليات عسكرية وسيبرانية وعمليات نفسية تقع في منطقة رمادية بين حالة الحرب وحالة السلم.
وتسعى روسيا للرد على الانخراط الأوروبي في دعم أوكرانيا بعمليات محدودة ومحسوبة لإحداث أضرار بالمصالح الأوروبية ومناطق التخزين اللوجستية للأسلحة المرسلة الى أوكرانيا دون دفع الأوروبيين الى الدخول في الحرب بشكل مباشر.
وقد استخدمت روسيا طوال السنوات جملة من الهجمات السيبرانية والنفسية غير المادية والهجمات المادية ضد دول أوروبية داعمة لأوكرانيا ويمكن قراءة تحولات الحرب الرمادية الروسية على مراحل.
وتمثل هذه العمليات الرمادية الروسية نمطاً محدثاً من العقيدة العسكرية السوفيتية المعروفة بـ (الماسكيروفكا) التي تعني الخداع والتمويه حيث كانت الادبيات السوفيتية العسكرية قد حولت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي الخداع من المستوى التكتيكي الى المستويات العملياتية والاستراتيجية في إدارة المعارك والحروب الحديثة، وقد طورت موسكو هذه العقيدة مؤخراً لتضيف اليها العمليات السيبرانية والعمليات النفسية وعمليات استخبارات الاشارة والاستخبارات التصويرية، لاسيما ضد أوكرانيا في بداية الحرب والان ضد دول الاتحاد الأوروبي الداعمة لاوكرانيا.
ثانياً: مراحل تطور العمليات الرمادية الروسية
تطورت العمليات الرمادية الروسية على مراحل خلال الحرب المستمرة منذ 4 سنوات وابرز هذه المراحل:
المرحلة الأولى (2022-2023): ركزت روسيا في بداية غزو أوكرانيا على الهجمات السيبرانية لتعطيل المواقع الحكومية، وحملات التضليل المعرفي لضرب التماسك المجتمعي الأوروبي، كانت عمليات مجهولة المصدر ومنخفضة التكلفة بهدف الضغط السياسي.
المرحلة الثانية (2024): مع تدفق السلاح الغربي الثقيل لكييف، تحول التركيز إلى محاولة شل سلاسل الإمداد عبر إشعال حرائق في مستودعات ومصانع عسكرية في بولندا وبريطانيا وألمانيا[1, 2].
المرحلة الثالثة (2025 – 2026): تضاعفت العمليات التخريبية الروسية في أوروبا بأكثر من أربعة أضعاف مقارنة ببداية الحرب. تحولت الهجمات لتستهدف المدنيين وحركة الطيران، وهو ما تجلى في مؤامرتين رئيسيتين:
مؤامرة الطرود المتفجرة (DHL): وأشارت التحقيقات إلى أن بعض هذه العمليات ربما كانت تهدف إلى اختبار القدرة على استهداف شحن جوي، وهو ما يثير مخاوف من احتمال تطور العمليات إلى تهديد أكثر خطورة للطيران المدني([1]).
هجمات المطارات (أغسطس 2026): تمثلت الذروة الأخطر في إحباط محاولة هجوم بطائرة مسيرة مفخخة بمتفجرات عسكرية في مطار لايبزيغ بألمانيا (والذي يعد مركزاً لوجستياً مهماً للناتو ولشحن المساعدات). تتهم الحكومة الألمانية رسمياً روسيا بالتورط في الهجوم، مما دفع برلين لاتخاذ إجراءات صارمة شملت إغلاق القنصليات الروسية على الرغم من استمرار التحقيقات حتى الان.
مما سبق نلاحظ تحولاً روسياً في طبيعة الهجمات من الاكتفاء بالهجمات السيبرانية الى شن هجمات بالمتفجرات، ويرجع المحللون الأمنيون هذا التحول إلى عدة عوامل استراتيجية:
أ. فقدان أدوات التجسس التقليدية: طردت الدول الأوروبية منذ عام 2022 أكثر من 600 دبلوماسي وضابط استخبارات روسي كانوا يعملون تحت غطاء رسمي في السفارات، مما أعمى موسكو عن شبكات التجسس التقليدية، ودفعها لتعويض ذلك عبر تجنيد “وكلاء هواة ومأجورين” عبر تليغرام لتنفيذ عمليات تخريب سريعة ومادية (الحرق العمد والتفجير).
ب. الرد على ضرب العمق الروسي: مع سماح الغرب لأوكرانيا باستخدام أسلحة بعيدة المدى لضرب مصانع النفط والمطارات داخل روسيا، رأت موسكو أن التضليل الرقمي لم يعد كافياً للردع. فلجأت إلى “نقل المعركة مادياً” إلى الداخل الأوروبي لإقناع الناخب الغربي بأن استمرار دعم أوكرانيا يعني غياب الأمن في مدينته ومطاره.
ج. اختبار “الخطوط الحمراء“ للناتو: تدرك روسيا أن الهجمات السيبرانية لم تعد ترهب الغرب. لذلك، تقدمت خطوة نحو العنف المادي (المطارات والطرود) لاختبار عتبة المادة الخامسة للدفاع المشترك بحلف الناتو. موسكو تراهن على أن الناتو لن يخاطر بإعلان حرب عالمية ثالثة بسبب حريق مستودع أو مسيرة مفخخة مجهولة سقطت في مطار.
وبناءً على هذا المنعطف الخطير، بدأ وزراء دفاع الناتو والاتحاد الأوروبي نقاشات مكثفة للانتقال من “الدفاع السلبي” (الأمن السيبراني والتحقيقات) إلى “الردع النشط والتنفيذي”، كونه لم يعد مجرد “إزعاج على الإنترنت” بل تحول صراحةً إلى عمليات تخريبية يمكن ان تسبب خسائر بشرية جماعية.
ثالثاً: مخاطر تحول العمليات الرمادية الى الحرب
سبق وان اشرنا الى ان العمليات الرمادية تمثل هجمات تقع تحت عتبة الحرب وتسمح لفاعلها بإنكار مسؤوليته عنها لكي لا يدفع الأطراف الاخرين للدخول في حرب معه، لكن مع تزايد المؤشرات لدى الاستخبارات الأوروبية عن العمليات الرمادية الروسية وعن مسؤولية روسيا عن هذه الهجمات لاسيما المادية منها فأن الجدال يجري في أوروبا حول ما اذا كانت أوروبا قد فقدت قدرتها على الردع ام لا، فتعمل الدول الأوروبية في الوقت الراهن على مسابقة الزمن لتطوير قدراتها العسكرية بالتزامن مع انسحاب امريكي من تأمين مظلة دفاعية كافية للاتحاد الأوربي في مقابل روسيا، كل ذلك ينذر باحتمال اندلاع نزاع مباشر بين الدول الأوروبية وروسيا لاسيما اذا أدى واحد من هذه العمليات الرمادية الى خسائر بشرية ومادية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً وان روسيا أيضاً تستعد لسيناريو مشابه تنتقل فيه المعركة الى القارة الأوروبية، بعدما استشكفت ان استمرارها في حرب الاستنزاف مع أوكرانيا تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية في حين مازالت أوروبا تملك الكثير من القدرات وتعمل على تطويرها.

وقد لوحت روسيا في وقت سابق باستهداف مواقع أوروبية خارج الأراضي الأوكرانية في حال استمرت أوروبا بتقديم الدعم الى أوكرانيا، لاسيما بعد تمكن الأخيرة من تنفيذ عمليات استهداف كبيرة داخل الأراضي الروسية وقد تزامنت هذه التهديدات مع زيارة خاصة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (جون راتكليف) الى موسكو ، حيث اثارت الزيارة تكهنات بشأن رسائل الردع وإدارة التصعيد بين واشنطن وموسكو على الرغم من انه لم يصدر رسميا ما يكشف عن فحوى المشاورات، وقد استدعت الزيارة المقارنة بزيارة المدير السابق للوكالة في إدارة بايدن (ويليام برينز) الذي زار موسكو في شباط 2021 أي قبل عام كامل من العملية العسكرية على أوكرانيا وابلغ موسكو بأن واشنطن تراقب الحشود العسكرية الروسية وحذرهم بعدم السكوت عن أي تحرك عسكري روسي ضد أوكرانيا.
وعلى افتراض ان التاريخ قد يعيد نفسه فأن توقع مواجهة روسية أوروبية قد تقع في العام المقبل، وربما قد تكون المواجهة بعد اشهر من وقت كتابة هذه السطور، لكن الأكيد ان المؤشرات تتزايد على احتمال وقوع مواجهة روسية -أوروبية في الأفق القريب، حيث تشير الكثير من المعطيات على استعدادات الطرفين لمثل هذا السيناريو ولكن هي مواجهة قد لا تتضمن عمليات عسكرية برية بل عمليات قصف صاروخي وجوي بعيد المدى يستهدف القواعد العسكرية والمواقع الحيوية لدى الطرفين، مع تكثيف الدعم البري لاوكرانيا في المعركة على الأرض.
رابعاً: انعكاسات سيناريو حرب روسية-أوروبية على الامن الدولي
على افتراض ان مواجهة حتمية قد تقع بين روسيا وأوروبا وقد اشرنا في مقالات سابقة عن مثل هذه المواجهة مثل مقالة الحرب الكبرى: المواجهة الروسية،([2]) ومقالة النار تحت الرماد،([3]) التي اشرنا فيها الى تصاعد احتمالات المواجهة بين روسيا ودول أوروبا، ومن بينها المواجهة عبر دول البلطيق وثغرة سوالكي او الصدام على الجبهة الفنلندية بعد انضمام فنلندا الى حلف الناتو، فأن سيناريو حرب محتملة بين روسيا ودول أوروبا تتضمن عمليات قصف متبادل قد تؤدي لزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي وتعطيل حركة التجارة العالمية، وتضرر حركة السياحة والأسواق ونقل الطاقة حيث ستكون أوروبا الطرف الأكثر تضرراً من الناحية الاقتصادية لاسيما وان روسيا سبق لها ان تحملت إضرار المقاطعة والعقوبات الاقتصادية والاضرار والتدمير للبنى التحتية منذ بداية الحرب اما أوروبا فإنها مازالت الأقل تضرراً، بالتالي كلما ارتفع مستوى الضرر بين الأطراف كلما زادت فرص المواجهة المباشرة بين الطرفين، مما قد يحول أوروبا الى ساحة لحرب كبرى بما يشبه الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ان سيناريو مثل هذا بالتأكيد لن يكون في صالح روسيا خاصة ان دخلت لوحدها او مع بيلاروسيا في هذه المواجهة حيث على الرغم من الإمكانيات البشرية والعسكرية والاقتصادية فإنها ستواجه قوى أوروبية تملك قدرات اقتصادية وعسكرية ولوجستية وتكنولوجية يمكن ان تتعاون فيما بينها إضافة الى الولايات المتحدة لتشكل معا ردعاً جماعياً لروسيا، لمنعها من حيازة القدر الأكبر من القوة كما انهم يتكاتفون فعلاً لمنع روسيا من السيطرة على أوكرانيا وفق قواعد توازن القوى التقليدية، مما قد يسفر في حال تحالف هذه القوى الى جانب الولايات المتحدة عن ترجيح كفتهم في الصراع على كفة روسيا في مواجهة تقليدية طويلة الامد، اما اذا تدخلت دول كبرى أخرى مثل الصين فإننا سنكون امام مشهد حرب عالمية اكثر تعقيداً من الحروب العالمية التي سادت في مطلع القرن العشرين، وهي حرب لن تنتهي بسهولة الا عند اختراع سلاح يحد من قدرة وفاعلية سلاح المسيرات من قبل أي طرف من اطراف الصراع كما كان لاختراع الدبابات في نهاية الحرب العالمية الأولى الفضل في تعطيل فاعلية سلاح البنادق الرشاشة مما يعني ان الجبهات ستكون اكثر تعقيداً واكثر جموداً في حال حصول مثل هذا السيناريو.
خاتمة
بناء على ما تقدم يمكن القول ان العمليات الرمادية الروسية تمثل حاجة عملياتية روسية للضغط على الدول الأوروبية للحد من عمليات دعمهم لأوكرانيا لاسيما وانهم تجاوزوا الخطوط الحمراء التي وضعت في بداية الحرب من قبيل عدم منح أوكرانيا أسلحة تستهدف العمق الروسي، مما يجبر روسيا على الرد على تلك الهجمات التي تستهدف العمق الروسي والبنى التحتية الروسية وقد تتصاعد العمليات الرمادية الروسية في الأسابيع والاشهر المقبلة مسببة اضرار اكبر تدفع الدول الأوروبية للدخول بشكل مباشر للمواجهة.
ان مخاطر انزلاق العمليات الرمادية لتتحول الى مواجهة روسية-أوروبية سيحمل معه مخاطر الانزلاق بشكل اكبر نحو حرب عالمية ثالثة لن تقتصر على الساحة الأوروبية بل قد تمتد الى ساحات أخرى في “الشرق الأوسط” وشرق اسيا، كل ذلك بسبب إصرار الأطراف على عدم تسوية النزاع الروسي الاوكراني، والنزاعات الإقليمية الأخرى، لذلك تجري مشاورات روسية أمريكية لتسوية الصراع خشية ان تنزلق الأمور نحو مزيد من التصعيد، وفي حال اسفرت المفاوضات الروسية الامريكية الأوكرانية عن تسويات والقبول ببعض التنازلات من طرفي الصراع يمكن ان يؤدي ذلك الى تجنب كارثة حرب عالمية ثالثة ويفرغ القوى الكبرى لتسوية باقي الساحات والصراعات الإقليمية في مناطق أخرى من العالم.



