الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
روسيا وكوريا الشمالية تعرقلان استراتيجية ترامب للتحالفات

بقلم: دونغ غاك هيو
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض حجم المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية المعروفة باسم (درع الحرية أولتشي) في توقيت بالغ الحساسية خصوصاً في ظل التحذير الذي أطلقه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخراً من تنامي القدرات العسكرية لكوريا الشمالية، وكان المخططون العسكريون الأمريكيون والكوريون الجنوبيون قد صمموا مناورات هذا العام بما يعكس التحولات المتوقعة في طبيعة الحرب الحديثة، بما في ذلك تنامي استخدام الطائرات المسيّرة والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)والهجمات السيبرانية، إلا أن المناورات كانت تستهدف أيضاً تعزيز الاستعداد لمواجهة كوريا شمالية تكتسب خبرات قتالية بالغة القيمة من مشاركتها في الحرب الروسية على أوكرانيا.
وفي الأيام التي أعقبت تحذير زيلينسكي الذي دعا فيه كوريا الجنوبية كذلك إلى مساعدته في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، استخدمت القوات الروسية صواريخ باليستية كورية شمالية في هجوم دامٍ استهدف مدينة زابوريجيا الأوكرانية فيما أطلقت بيونغ يانغ صاروخاً باليستياً آخر من ساحلها الشرقي، ومن المرجح أن تؤدي الدروس المستخلصة من ساحات القتال الأوكرانية دوراً مهماً في تشكيل طبيعة أي مواجهة عسكرية مستقبلية قد تجد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية نفسيهما أمامها في شمال شرق آسيا. وتسلط هذه التطورات الضوء على معضلة تواجه استراتيجية إدارة ترامب في السياسة الخارجية ولا سيما ما يتعلق بخطتها لإعادة توزيع أدوار الدفاع بين حلفاء الولايات المتحدة، فواشنطن تسعى إلى دفع حلفائها لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن مناطقهم بما يتيح للولايات المتحدة إعادة توجيه مواردها نحو أولويات أخرى، غير أن روسيا وكوريا الشمالية تعملان على نحو متزايد على تقويض إمكانية الفصل بين هذه المسارح الإقليمية الأمر الذي يفرض على حلفاء مثل كوريا الجنوبية تحمل أعباء أمنية أكبر في وقت تجعل فيه الصراعات الدائرة في مناطق أخرى التهديدات التي يواجهونها أكثر صعوبة من حيث الردع، وبعبارة أخرى تستطيع واشنطن توزيع المسؤوليات على أساس إقليمي لكنها لا تستطيع تقسيم التهديدات بالطريقة نفسها. وتدعو استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 التي أعدتها إدارة ترامب إلى ما تسميه “تقاسم الأعباء ونقلها”، بحيث تتولى الدول الحليفة ذات الإمكانات الاقتصادية الكبيرة المسؤولية الأساسية عن الدفاع في مناطقها بينما تضطلع الولايات المتحدة بدور “المنسق والداعم” لشبكة أوسع لتقاسم الأعباء، أما الاستراتيجية الدفاعية الوطنية لعام 2026 فتحدد بصورة أكثر تفصيلاً أن الحلفاء الأوروبيين يُنتظر منهم تولي المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا وقيادة جهود دعم أوكرانيا.
وفيما يتعلق بكوريا الجنوبية ترى الاستراتيجية أنها قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية عن ردع كوريا الشمالية، على أن يقتصر الدعم الأمريكي على دور “مهم لكنه أكثر محدودية”. ووفقاً للاستراتيجية الدفاعية الوطنية فإن توسيع نطاق المسؤولية التي تضطلع بها كوريا الجنوبية سيمنح القوات الأمريكية مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات والطوارئ المحتملة في مناطق أخرى من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، غير أن هذا التوجه أثار في سيول مخاوف متزايدة بشأن قدرة كوريا الجنوبية على ردع كوريا الشمالية في ظل تقليص مستوى الدعم الأمريكي. تُعد استراتيجية تقاسم الأعباء ونقلها جزءاً من استجابة إدارة ترامب لما تسميه الاستراتيجية الدفاعية الوطنية (مشكلة التزامن)، أي احتمال أن تتحرك خصوم الولايات المتحدة بصورة منسقة أو أن يستغلوا الأزمات بصورة انتهازية عبر مسارح عمليات متعددة في الوقت نفسه، ووفقاً لهذا المنطق إذا تمكن الحلفاء من الحفاظ على موازين قوى مواتية في مناطقهم فبوسع واشنطن تركيز قواتها في الأماكن التي تكون فيها الحاجة إليها أشد، بدلاً من محاولة فرض هيمنتها على جميع المناطق في آن واحد. غير أن تنامي العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية يكشف عن تعقيد جوهري في هذا المنطق اذ إن التطورات في أحد مسارح العمليات باتت تؤثر في طبيعة التهديد في مسرح آخر، فقد زودت كوريا الشمالية روسيا بكميات كبيرة من ذخائر المدفعية والصواريخ الباليستية كما أرسلت نحو 15 ألف جندي إلى منطقة كورسك الروسية، وزعم زيلينسكي مؤخراً أن 30 ألفاً إلى 50 ألف جندي إضافي قد يتم نشرهم في روسيا وهو ما وصفته كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لاحقاً بأنه ادعاء لا أساس له. وقد اكتسبت القوات الكورية الشمالية خبرات قتالية لم يكن بإمكانها اكتسابها داخل أراضيها، من خلال العمل في ساحة معركة تتشكل ملامحها بفعل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة وسرعة التكيف التكتيكي، وقد رصد محللون بالفعل مؤشرات على أن القوات الكورية الشمالية عدّلت تكتيكاتها وأساليب استخدامها للأنظمة غير المأهولة استناداً إلى خبراتها في أوكرانيا.
وتمنح ساحة المعركة الأوكرانية بيونغ يانغ ما لا يمكن لميدان الاختبار أن يوفره: تغذية راجعة متكررة وواقعية حول أداء صواريخها في ظروف القتال الفعلية بما في ذلك قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي التي توفرها الدول الغربية، وكانت وكالة رويترز قد أفادت العام الماضي بأن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية التي أطلقتها روسيا أصبحت أكثر دقة بصورة ملحوظة مقارنة بالإصدارات السابقة. ومع ذلك وعلى الرغم من أن مسؤولين عسكريين أمريكيين أشاروا صراحة إلى الخبرة القتالية التي تكتسبها كوريا الشمالية في أوكرانيا باعتبارها أحد التطورات التي يتعين على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أخذها في الحسبان، أمر ترامب رغم ذلك بإجراء خفض كبير في حجم مناورات (درع الحرية أولتشي) فاختُصرت المناورات من 11 يوماً إلى خمسة أيام وخُفّض نطاق التدريب الميداني، وربط الرئيس قراره ليس فقط برغبته في تخفيف التوتر مع بيونغ يانغ وإنما أيضاً باستيائه من “سيول” لرفضها دعم عمليات أمريكية تتعلق بمضيق هرمز وبذلك ربط قراراً يخص التحالف الثنائي في شبه الجزيرة الكورية بأولويات الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”. ولا تمنح موسكو بيونغ يانغ خبرة قتالية فحسب بل توفر لها أيضاً شريكاً من القوى الكبرى مستعداً للحفاظ على علاقة عسكرية معها رغم العقوبات الدولية والضغوط السياسية، ويجعل الدعم الروسي كوريا الشمالية أكثر صعوبة من حيث العزلة والردع، وقد واصلت الدولتان تعميق علاقتهما الاستراتيجية بالتزامن مع تنامي المخاوف في واشنطن وسيول بشأن طبيعة ما قد تقدمه روسيا إلى كوريا الشمالية في مقابل دعمها العسكري. ويخلق ذلك مشكلة أمام تقسيم الأدوار الإقليمي الذي تتبناه واشنطن، فكوريا الجنوبية مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن مواجهة تهديد كوري شمالي تتشكل بعض عناصره على ساحة قتال تريد واشنطن من الحلفاء الأوروبيين تولي مسؤولية التعامل معها، ولو كانت روسيا تخلق أزمة في أوروبا بينما تتسبب كوريا الشمالية في أزمة أخرى في آسيا لكان بوسع واشنطن على الأقل محاولة إسناد المسؤولية الأساسية عن كل منهما إلى حليف مختلف، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيداً عندما تؤدي الأنشطة في أوروبا إلى تغيير قدرات الخصم أو حوافزه أو معارفه العملياتية وهو الخصم نفسه الذي يُتوقع من كوريا الجنوبية ردعه في آسيا. وبوجه عام تقر سيول بأن عليها تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن دفاعها، غير أن زيادة مسؤولياتها من منظور كوريا الجنوبية لا ينبغي أن تعني تراجع موثوقية الدور الأمريكي، أو أن تتحمل سيول تلقائيًا التزامات أمنية أينما ظهرت القوات والأسلحة الكورية الشمالية. ولدى كوريا الجنوبية مصلحة أمنية حقيقية فيما يحدث في ساحة المعركة الأوكرانية لكن التحرك استناداً إلى هذه المصلحة ينطوي على تكاليف سياسية ودبلوماسية، فحكومة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ تسعى إلى فتح قنوات للحوار مع بيونغ يانغ إذ دعا الرئيس إلى إجراء محادثات تهدف إلى خفض التوترات العسكرية وصولاً إلى استبدال هدنة عام 1953 بنظام سلام أكثر استدامة كما تتعامل حكومته مع احتواء القدرات النووية لكوريا الشمالية باعتباره جزءاً من عملية دبلوماسية طويلة الأمد، وقد تؤدي المساعدة العسكرية المباشرة لأوكرانيا إلى تعقيد هذه الجهود رغم أن بيونغ يانغ أبدت حتى الآن اهتماماً محدوداً للغاية بمبادرات لي بما يكشف محدودية النفوذ الدبلوماسي الذي تتمتع به سيول. كما يتعين على كوريا الجنوبية أن تأخذ روسيا في الحسبان، فقبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا كان البلدان قد طورا علاقات تجارية مهمة إذ بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 27 مليار دولار عام 2021 وكانت روسيا توفر الطاقة والمواد الخام بينما طورت الشركات الكورية الجنوبية أعمالاً كبيرة في السوق الروسية، غير أن الحرب ومشاركة سيول في العقوبات الاقتصادية وضوابط التصدير المفروضة على روسيا فضلًا عن تنامي الاصطفاف العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية أدت إلى تآكل هذه العلاقات، ومع ذلك لا تزال لدى سيول أسباب تدفعها إلى تجنب التعامل مع تدمير هذه الروابط باعتباره أمراً دائماً بالضرورة ولا سيما إذا أتاح تسوية سياسية مستقبلية في أوروبا المجال أمام تطبيع العلاقات الاقتصادية من جديد. ولا يعني ذلك أن زيادة تقاسم الأعباء بين الحلفاء أمر غير قابل للتطبيق فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك الموارد ولا الإرادة السياسية لتحمل العبء العسكري المهيمن في كل مسرح من مسارح العمليات، ولذلك سيتعين على التخطيط الأمريكي تجاوز الحدود التي ترسمها استراتيجيات تقاسم الأعباء نفسها، وينبغي أن تُدمج المعلومات الاستخبارية التي يتم جمعها في أوكرانيا بشأن أداء الصواريخ الكورية الشمالية وسلوك قواتها وقدرتها على التكيف في ميدان المعركة مباشرة في خطط الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وفي المقابل يمكن لخبرة سيول الطويلة في رصد قدرات كوريا الشمالية أن تساعد أوكرانيا والدول الأوروبية التي تواجه أسلحة وأفراداً كوريين شماليين، وتتمتع واشنطن بموقع متميز للاضطلاع بدور حلقة الوصل بين هذه الأطراف بحكم وجودها في قلب شبكات الأمن في كل من أوروبا وآسيا. لكن الاضطلاع بهذا الدور يتطلب القدرة على التنبؤ والموثوقية في حين أن السلوك المتقلب لواشنطن بات يخلق نقطة ضعف كبيرة في التنسيق بين مسارح العمليات المختلفة، فقد قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي إن مسؤولي سيول والحكومة الأمريكية لم يكونوا على علم مسبق بقرار ترامب خفض مستوى المناورات العسكرية “أولتشي”، وفي الوقت نفسه فتح ترامب الباب أمام إمكانية عقد لقاء آخر مع كيم جونغ أون. أما بيونغ يانغ فقد رفضت مبادرات ترامب الفورية من دون أن تستبعد استئناف الدبلوماسية مستقبلاً، فقد نفت كيم يو جونغ وجود أي اتصالات حديثة بين الزعيمين وقالت إن خفض المناورات العسكرية الأمريكية-الكورية الجنوبية لا يغير ما تعتبره بيونغ يانغ سياسة عدائية تنتهجها واشنطن، لكنها وصفت في الوقت ذاته العلاقة الشخصية بين ترامب وشقيقها بأنها “ممتازة“ ما أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال استئناف التواصل مستقبلاً. تصف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة العام الماضي الولايات المتحدة بأنها (المنسق) لشبكة تقاسم الأعباء، وستزداد أهمية هذا الدور لا تتراجع مع مطالبة واشنطن حلفاءها بتحمل مسؤوليات أكبر، فـ(التنسيق) لا يمكن أن يقتصر على إسناد مسؤولية التعامل مع روسيا إلى أوروبا ومسؤولية التعامل مع كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية، بل يجب أن يعني ربط الحلفاء ببعضهم بعضاً عندما ينقل الخصوم الأسلحة والقوات والتكنولوجيا والمعرفة العسكرية بين مسارحي العمليات، والحفاظ على مستوى التشاور الضروري لجعل هذه الروابط فاعلة وذات مصداقية. والدرس الذي تفرضه الشراكة بين روسيا وكوريا الشمالية هو أن تقاسم الأعباء لا يمكن أن يعني عزل المسارح الاستراتيجية بعضها عن بعض وأن نقل المسؤوليات جغرافياً لا يكفي بمفرده لحل “مشكلة التزامن” التي حددتها واشنطن، فقد تطلب واشنطن من أوروبا تولي زمام المبادرة في مواجهة روسيا ومن كوريا الجنوبية تولي زمام المبادرة في مواجهة كوريا الشمالية، لكن عندما يعمد الخصوم إلى ربط هذين المسرحين سيكون على الولايات المتحدة أن تربط حلفاءها أيضاً.




