الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الحساب الختامي لأفغانستان.. الحروب المستمرة وتكاليف النسيان الجماعي

بقلم: كارتر مالكاسيان

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

قبل خمس سنوات انتهت الحرب الأمريكية في أفغانستان التي استمرت 20 عاماً بنهاية مخزية، ففي نيسان 2021 بدأت الولايات المتحدة انسحابها النهائي من البلاد بهدف سحب 2500 جندي أمريكي كانوا لا يزالون فيها بحلول أيلول، وفي غضون أسابيع من بدء مغادرة القوات الأمريكية اجتاحت حركة طالبان عشرات المواقع في وقت أخذت فيه قوات الحكومة الأفغانية بالانهيار والتلاشي. وبحلول أوائل آب كانت الحركة قد سيطرت على معظم عواصم الولايات، وأخيراً في 15 آب 2021 انهارت الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في كابول، واحتشد مئات الآلاف من الأفغان المذعورين حول مطار المدينة. وتمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها وحتى مجموعات من المواطنين العاديين من إجلاء نحو 120 ألف شخص على متن طائرات متعاقبة،

 

وفي ضربة أخيرة مؤلمة لقي 13 من أفراد القوات الأمريكية مصرعهم في تفجير انتحاري استهدف المطار قبل أربعة أيام من مغادرة آخر جندي أمريكي البلاد في 30 آب، وهكذا انتهى عقدان من الجهود البطولية نهاية يطغى عليها العار.

 

وتوالت الاتهامات وتبادل اللوم بعضها مبرر وبعضها الآخر غير مبرر، فقد عادت إلى السلطة بانتصار الحركة نفسها التي كانت قد آوت تنظيم القاعدة عندما كان يخطط لهجمات 11 أيلول وينفذها وتصاعدت المخاوف من عودة التهديد الإرهـ ـابي إلى الظهور، ففي نهاية المطاف كان السبب الرئيسي الذي دفع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين إلى الإبقاء على القوات الأمريكية في البلاد طوال تلك المدة هو الاعتقاد بأن أفغانستان ستتحول مجدداً إلى ملاذ آمن للإرهـ ــابيين في حال انسحابها، حتى لو لم تتمكن طالبان من فرض سيطرتها الكاملة على البلاد. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث فعلى مدى السنوات الخمس الماضية لم تُنفذ أي عملية إرهــ ـــابية ضد الولايات المتحدة من جانب جماعة تتمركز في أفغانستان، وأنفقت واشنطن نحو تريليون دولار على الحرب فيما قُتل أو أُصيب أكثر من 120 ألف مدني أفغاني، كما نُشر أكثر من 775 ألفاً من أفراد القوات الأمريكية في أفغانستان وأصيب أكثر من 20,700 منهم فيما قُتل أكثر من 2,400، وكل ذلك من أجل التصدي لتهديد اتضح لاحقاً أنه كان مبالغاً في تقديره.

ولو كان المسؤولون الأمريكيون يعرفون آنذاك ما يعرفونه الآن لكان كثير منهم وأنا من بينهم قد دافعوا بقوة أكبر عن انسحاب مبكر، وليس من السهل تبني هذا الرأي فهو يضع موضع التساؤل تقديرات القادة وفاعلية عملية صنع السياسات وقيمة الجهد بأكمله، وربما كانت واشنطن ستصل إلى نتيجة أفضل أو على الأقل إلى حرب أقصر لو أن المسؤولين ناقشوا مسألة الانسحاب بجدية أكبر في وقت مبكر ونظروا في نطاق أوسع من تقييمات التهديد، وسعوا إلى المفاوضات في وقت أبكر واعترفوا في بعض الحالات بالتحيز الذي أوجده النفور من الهزيمة. وبعد مرور خمس سنوات لا يتمثل الخطر الأكبر في احتمال عودة أفغانستان إلى التحول إلى ملاذ آمن للإرهـ ـابيين بل في خطر أكثر خطورة يتمثل في النسيان الجماعي، ففي الوقت الراهن نادراً ما تحظى أطول حرب أمريكية باهتمام يُذكر في الخطاب العام، ويقر الأمريكيون من حين إلى آخر بالتضحيات النبيلة التي قدمها آلاف الجنود الأمريكيين خلال الصراع. لكن البلاد مضت قدماً مدفوعة برغبة في نسيان تلك الأيام الأخيرة، وأخطر أشكال النسيان سيكون أن يعجز القادة الأمريكيون عن تذكر مدى خطورة قبول تكاليف باهظة وخسائر فادحة استجابةً لمخاوف اللحظة، إن تذكر ذلك سيساعدهم على تجنب معاناة مماثلة في المستقبل.

 

أنتم تستحقون الحماية

في 7 تشرين الأول 2001 غزا الرئيس جورج دبليو. بوش أفغانستان رداً على هجمات 11 أيلول التي هزّت العالم، وخلال أشهر تمكن تحالف من القوة الجوية الأمريكية وقوات العمليات الخاصة وعناصر الاستخبارات إلى جانب الميليشيا الأفغانية المعروفة باسم التحالف الشمالي من طرد تنظيم القاعدة والإطاحة بنظام طالبان بقيادة الملا عمر، وشُكّلت حكومة جديدة برئاسة الزعيم الأفغاني حامد كرزاي وعلى مدى السنوات الأربع التالية ساد الهدوء في البلاد على نحو خادع، وقد أسهم هذا النجاح الأولي في إغراء إدارة بوش بغزو العراق عام 2003 ما أفضى إلى حرب دامية استحوذت على معظم اهتمام واشنطن طوال السنوات الخمس التالية، وخلال تلك الفترة أعادت طالبان تنظيم صفوفها وبحلول عام 2006 بدأت تستعيد الأراضي وتفرض تحدياً جدياً على الحكومة الأفغانية. وخلال هذه المرحلة كانت الولايات المتحدة تعيش تحت وطأة الخوف من الإرهـ ـاب ولم تغذِّ هذا القلق أهوال هجمات 11 أيلول فحسب بل أيضاً هجمات الجمرة الخبيثة التي أعقبتها وسلسلة من التفجيرات الجهادية الدامية والمؤامرات التي أُحبطت في أوروبا خلال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكانت الحرب العالمية على الإرهـ ـاب مستعرة وكانت أفغانستان مسرحها الرئيسي، وكان التصدي للإرهـ ـاب بلا شك محور النشاط العسكري الأمريكي في البلاد وهي مهمة أكد عليها الرؤساء ووزراء الدفاع والخارجية والقادة العسكريون ورؤساء أجهزة الاستخبارات.

وكانت للولايات المتحدة طموحات أخرى في أفغانستان أيضاً من بينها مهمة لبناء الدولة هدفت إلى إقامة ديمقراطية مستدامة، وقد أعلن بوش هذا الهدف صراحة وعلى الرغم من محاولات خلفائه الابتعاد عنه فإنه ظل جزءاً ضمنياً من المشروع الأمريكي، لكن لولا التهديد الإرهـ ـابي لما اندلعت الحرب ضد طالبان ولا جرى تسليح الجيش الأفغاني وتدريبه ولا بدأت جهود بناء الدولة ولا الترويج للديمقراطية، فقد كان الإرهـ ـاب دائماً مصدر القلق المحرك لهذه الجهود.

وبالنسبة إلى كثير من الرجال والنساء الموجودين على الأرض كانت هذه المهمة تبرر جهودهم والتضحيات التي قدموها، فقد كتب روس بيركوف الملازم في الجيش الأمريكي المتمركز في قندهار عام 2003 في مذكراته “إن 11 أيلول 2001 يوم سيظل محفوراً في الذاكرة إلى الأبد وحقيقة أن أفغانستان أصبحت مكاناً جديداً لانتشار الجنود الأمريكيين مرتبطة مباشرة بذلك اليوم المشؤوم… أنا هنا للرد، نحن هنا رداً على ذلك”، وفي مذكراته التي صدرت عام 2019 لخّص كايل كاربنتر الذي قاتل في أفغانستان ضمن قوات مشاة البحرية الأمريكية وحصل على وسام الشرف مشاعره تجاه خدمته نيابةً عن الأمريكيين قائلاً “أنتم تستحقون الحماية وتستحقون أن نقاتل من أجلكم وتستحقون أن أقضي وقتاً في سرير المستشفى وأن أحمل ندوباً عميقة على جسدي”. وهذا لا يعني أن الاستراتيجية كانت واضحة أو مقنعة دائماً، فكثير من القوات الأمريكية الموجودة على الأرض لم تكن منخرطة بصورة مباشرة في مهام مكافحة الإرهـ ـاب أو عمليات القوات الخاصة، وبالنسبة إلى بعضهم بدت الاشتباكات المسلحة مع مقاتلي طالبان المحليين في الجبال والصحارى النائية والتعرض لهجمات العبوات الناسفة ومحاولات بناء الحكومة والجيش الأفغانيين المتعثرين بعيدة كل البعد عن محاربة الإرهــ ــابيين الدوليين الذين كانوا مصدراً للرعب، وقد بدأ بعضهم يشكك بعمق في جدوى الحرب، وهو شك كان يتحول إلى استياء عندما يُقتل أو يُصاب أحد زملائهم من أفراد الخدمة.

 

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى