الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الشرق المتوسط ومعضلة الأمن

كيف يتحول السعي إلى الأمن إلى مصدر لعدم الاستقرار؟
بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
يشهد “شرق المتوسط” خلال الفترة الأخيرة تحولات متسارعة في بيئته الأمنية، تتداخل فيها اعتبارات القوة العسكرية مع التنافس على المجال البحري والطاقة والبنية التحتية والتحالفات الإقليمية. وقد كشفت التطورات الممتدة من أواخر آب/ 2026 عن تصاعد في أنماط التنافس وإعادة التموضع، بما يعكس انتقال المنطقة من مجرد إدارة نزاعات متفرقة إلى إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الأمن والقوة.
وتنبع أهمية هذه التحولات من مفارقة جوهرية تتمثل في أن الإجراءات التي تتخذها الدول لتعزيز أمنها قد تؤدي، في بيئة يسودها انعدام اليقين بشأن نوايا الآخرين، إلى زيادة إدراكات التهديد ودفع الأطراف المقابلة إلى اتخاذ تدابير أمنية مضادة. ومن ثم، لا يصبح عدم الاستقرار نتيجة مباشرة لوجود تهديدات قائمة فحسب، وإنما حصيلة لتفاعل متبادل بين السلوك الأمني وإدراكاته وانعكاساته على توزيع القوة. ويُقصد بـ”شرق المتوسط” في هذا التحليل المجال الجغرافي–الاستراتيجي الممتد حول الحوض الشرقي للبحر المتوسط، ولا سيما المساحات المتصلة باليونان وقبرص وتركيا وبلاد الشام ومصر و”إسرائيل” وعليه، يسعى المقال إلى تفسير الكيفية التي يمكن أن يتحول بها السعي المشروع إلى الأمن من أداة للحد من التهديد إلى عامل يعيد إنتاجه، من خلال سلسلة من التفاعلات التي تجعل تحسين الموقع الأمني لطرف ما عاملاً محتملاً في تقليص الشعور بالأمن لدى الأطراف الأخرى. وعلى النحو الاتي:
أولاً: إعادة تشكيل البيئة الأمنية في “شرق المتوسط”
لم تعد البيئة الأمنية في شرق المتوسط تُدار من خلال توازنات عسكرية تقليدية بين دول متجاورة فحسب، وإنما باتت تتشكل عبر تداخل متزايد بين القدرة العسكرية، والتموضع الجغرافي، والشراكات الأمنية، والبنية التحتية الاستراتيجية. وتكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة تتحرك من نمط التنافس على مناطق النفوذ إلى نمط أكثر تركيباً، تسعى فيه الدول إلى تحسين موقعها الاستراتيجي عبر بناء قدرات وشبكات يصعب فصل أبعادها الاقتصادية عن آثارها الأمنية.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح في 31 آب 2026 مع توقيع اليونان و”إسرائيل” اتفاقاً دفاعياً تبلغ قيمته نحو 3 مليارات يورو، لإنشاء منظومة يونانية متكاملة ومتعددة الطبقات للدفاع الجوي والصاروخي والطائرات المسيّرة، تضم منظومات «مقلاع داود» و«سبايدر» و«باراك إم إكس» ورادارات متعددة المهام ونظام قيادة وسيطرة وطني. ولا تقتصر أهمية الاتفاق على قيمة الصفقة أو نوعية الأسلحة، بل تكمن في كونه جزءاً من برنامج يوناني أوسع لتحديث القدرات الدفاعية يمتد حتى عام 2036، مع إنفاق دفاعي كبير واقتناء مقاتلات وسفن حربية إضافية من منظور توازن القوى، لا تمثل هذه الخطوة مجرد زيادة كمية في القدرات اليونانية، بل تحمل أثراً نوعياً لأنها تعيد تنظيم القدرة الدفاعية في صورة شبكة متكاملة للإنذار والاعتراض والقيادة والسيطرة. وهذا فارق مهم استراتيجياً؛ فالقوة لا تتحدد فقط بحجم الأسلحة التي تمتلكها الدولة، وإنما بقدرتها على دمجها في بنية عملياتية ترفع كفاءة الردع وتقلل هشاشة البنية الدفاعية أمام الهجمات المركبة. وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة: كلما أصبح الدفاع أكثر تكاملاً، ازدادت قدرته على تغيير حسابات الخصوم، حتى عندما يُقدَّم رسمياً باعتباره دفاعاً محضاً. ولذلك فإن قراءة التطور اليوناني–”الإسرائيلي” من زاوية «صفقة أسلحة» فقط تفوّت دلالته الحقيقية؛ فالصفقة تسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين القدرات الدفاعية والردع في شرق المتوسط. وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى أن الاتفاق يترافق مع نقل المعرفة والتكنولوجيا وتعميق التعاون الصناعي الدفاعي بين “إسرائيل” واليونان. وبذلك لا تنشأ علاقة مؤقتة بين مشترٍ ومورّد، وإنما تتطور قابلية للتكامل المؤسسي والتكنولوجي بين منظومتين دفاعيتين. وهذه النقطة تجعل أثر الاتفاق أكثر استدامة من مجرد دخول أنظمة سلاح جديدة إلى الخدمة. لكن التحول الأعمق لا يكمن في المجال العسكري وحده. فقد أصبح الربط بين الطاقة والبنية التحتية والأمن أحد المكونات الجديدة في هندسة شرق المتوسط. ففي حزيران 2026 أنشأت الولايات المتحدة وقبرص واليونان و”إسرائيل” مركزاً للطاقة في شرق المتوسط بهدف تعميق التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والتطوير، فيما استمر الدفع نحو مشروعات الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص و”إسرائيل”.
وهنا يمكن ملاحظة انتقال مهم في طبيعة القوة الإقليمية: فالبنية التحتية العابرة للحدود لم تعد محايدة تماماً من منظور الجغرافيا السياسية. فعندما تربط مشروعات الطاقة والكهرباء دولاً تجمعها شراكات استراتيجية، فإنها لا تنتج منفعة اقتصادية فحسب، وإنما تخلق اعتماداً متبادلاً موجهاً جغرافياً، ويمكن أن يتحول هذا الاعتماد إلى مورد للقوة السياسية أو إلى مصدر للضغط في أوقات الأزمات. وبذلك بدأ شرق المتوسط يشهد ما يمكن تسميته «أمننة البنية التحتية»؛ أي انتقال بعض المشروعات الاقتصادية من المجال الاقتصادي البحت إلى مجال الحسابات الأمنية والاستراتيجية. ولا يعني ذلك أن كل مشروع طاقة يمثل تحالفاً أمنياً، وإنما أن موقعه داخل شبكة الاصطفافات الإقليمية يمكن أن يمنحه قيمة استراتيجية تتجاوز وظيفته الاقتصادية المباشرة.
وتتضح خطورة هذا التحول عندما نضعه إلى جانب الانقسام المستمر حول قبرص والمجال البحري. فجزيرة قبرص لا تؤدي وظيفة جغرافية فحسب، بل تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات من التنافس: السيادة الإقليمية، والمجال البحري، وشبكات الطاقة والاتصال. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الانقسام القبرصي لا يزال جزءاً من البنية الأمنية الأوسع لشرق المتوسط، وليس نزاعاً منفصلاً يمكن عزله عن إعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية. ويضاف إلى ذلك أن البيئة الأمنية للمنطقة لم تعد محصورة في المجال البحري نفسه. فالتنافس التركي–”الإسرائيلي” امتد إلى المجال السوري، الأمر الذي يوسع جغرافية التنافس الاستراتيجي ويجعل التطورات في بلاد الشام ذات تأثير مباشر في حسابات القوى الفاعلة في شرق المتوسط. وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن الحدود الجغرافية للمسرح الأمني لا تتطابق بالضرورة مع الحدود الجغرافية للمنطقة: فالمجال الأمني يتسع بقدر اتساع المصالح والقدرات القادرة على التأثير فيه.
ومن ثم، فإن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول في بنية القوة الإقليمية أكثر مما تكشف عن مجرد ارتفاع في مستوى التوتر. فاليونان لا تعزز قدراتها العسكرية بمعزل عن شراكاتها؛ و”إسرائيل” لا تنظر إلى تعاونها مع اليونان باعتباره تجارة دفاعية فقط؛ ومشروعات الطاقة والربط لا تتحرك خارج اعتبارات الجغرافيا السياسية؛ وتركيا بدورها لا تنظر إلى هذه التحولات باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما باعتبارها تغيراً في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. هذا يقود إلى نتيجة أولية مهمة: شرق المتوسط يتحول تدريجياً من نظام تتنافس فيه الدول على الموارد والمجالات إلى نظام تتنافس فيه أيضاً على القدرة على تشكيل البيئة التي تتحرك داخلها الدول الأخرى. فامتلاك القدرة على بناء شبكة دفاعية، أو التحكم في مسار بنية تحتية، أو الانخراط في ترتيبات طاقة واتصال، بات يحمل قيمة تتجاوز الاستخدام المباشر لهذه الأدوات إلى التأثير في الخيارات الاستراتيجية للآخرين. وهنا تحديداً تبدأ المعضلة الأمنية في اكتساب صورتها الأكثر تعقيداً؛ ليس لأن الدول أصبحت أكثر عدوانية بالضرورة، وإنما لأن هامش الفصل بين السلوك الدفاعي والسلوك الذي يغير ميزان القوة أصبح أضيق. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينتقل إليها المحور التالي: ليس ماذا فعلت الدول، وإنما كيف يمكن أن تفسر دولةٌ إجراءاتَ دولةٍ أخرى، ولماذا قد تتحول إجراءات الردع التي تراها جهةٌ ضرورية لأمنها إلى محفز لإعادة التسلح والاحتواء لدى الطرف المقابل؟
ثانياً: المعضلة الأمنية وتبدّل إدراكات التهديد
لا تكمن المعضلة الأمنية في شرق المتوسط في وجود تعارض مباشر بين مصالح الدول فحسب، وإنما في الفجوة بين النوايا التي تعلنها الدول والتفسيرات التي تنتجها الدول الأخرى لسلوكها. ففي البيئة الدولية الفوضوية، لا تستطيع الدولة أن تتحقق بصورة كاملة من أن الإجراءات التي يتخذها الآخرون لتعزيز أمنهم ذات طبيعة دفاعية خالصة، الأمر الذي يجعل زيادة القدرة على الحماية قابلة لأن تُفسَّر بوصفها زيادة في القدرة على الإكراه أو تغييراً في ميزان القوة. وتظهر هذه الآلية بوضوح في التفاعلات التركية–اليونانية. فالإجراءات التي تنظر إليها اليونان باعتبارها ضرورية لحماية مجالها الأمني ومصالحها البحرية قد تُقرأ في أنقرة ضمن سياق مختلف، ولا سيما عندما تتقاطع مع ملفات الجزر والمجالات البحرية والبنية التحتية الإقليمية. وفي المقابل، تنظر أثينا إلى بعض التحركات التركية باعتبارها مؤشراً على محاولة تغيير قواعد التنافس القائمة، وهو ما يدفعها إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدفاعية. وبذلك، لا يعود السلوك الأمني لكل طرف منفصلاً عن سلوك الآخر، بل يصبح رداً على إدراك التهديد الذي أنتجه السلوك المقابل. وقد عادت هذه التوترات إلى الواجهة في أواخر آب 2026 مع تصاعد الخلافات حول المناطق البحرية والمشروعات المرتبطة بها.
أما التفاعل التركي–”الإسرائيلي” فيكشف بعداً أكثر تعقيداً للمعضلة الأمنية، لأن إدراك التهديد لا يتشكل فقط داخل المجال الجغرافي المباشر للدولتين. فقد تعاملت “إسرائيل” مع الوجود العسكري التركي المتنامي في سوريا باعتباره تطوراً يمكن أن يغيّر البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، في حين أكدت أنقرة أن وجودها وتحركاتها في سوريا تقع ضمن إطار التعاون المشروع مع دمشق. ومع الضربة “الإسرائيلية” لقاعدة أبو الظهور الجوية في آب، ظهر بوضوح كيف يمكن لاختلاف تفسير النوايا أن يحول إجراءً يراه طرف ضرورياً لمنع تهديد محتمل إلى فعل عدائي في نظر الطرف الآخر، بما يستدعي إجراءات مقابلة. وتتعمق المعضلة عندما تدخل المكاسب النسبية في حسابات الأطراف. فالدولة لا تنظر فقط إلى مقدار ما تكسبه من إجراء أمني معين، وإنما إلى ما إذا كان هذا الإجراء يمنح خصماً محتملاً قدرة أكبر على التأثير. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول الشراكات الدفاعية أو مشروعات الاتصال والطاقة من أدوات لتعزيز الأمن الجماعي إلى مصادر للقلق إذا اعتقد أحد الأطراف أنها تعيد توزيع القوة بصورة غير مواتية له. وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي ليس: هل هذا الإجراء دفاعي أم هجومي؟ وإنما: كيف سيؤثر هذا الإجراء في الموقع النسبي للدول الأخرى، وكيف ستستجيب لذلك التأثير؟
وتشير هذه الدينامية إلى أن المشكلة الأساسية في شرق المتوسط ليست بالضرورة غياب الردع، بل احتمال أن يؤدي الردع غير المتوازن إلى إنتاج سباق مستمر لإعادة التموضع. فعندما يعتقد طرف أن تعزيز أمنه سيمنع الآخرين من استغلال نقاط ضعفه، بينما يرى الطرف المقابل في ذلك التعزيز تمهيداً لاكتساب قدرة هجومية مستقبلية، تتقلص مساحة الثقة وتتسع مساحة التحوط. وفي هذه الحالة، يصبح كل طرف مضطراً إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، حتى في غياب دليل قاطع على نية الطرف الآخر في استخدام القوة. ومن منظور الواقعية البنيوية، لا تمثل هذه الحالة انحرافاً مؤقتاً في سلوك الدول، بل نتيجة منطقية لبيئة يظل فيها الاعتماد على الذات هو الضمان النهائي للأمن. ولذلك فإن الاستقرار لا يتحقق بمجرد زيادة القدرات، لأن الزيادة المنفردة في القدرة قد تغيّر حسابات الآخرين وتدفعهم إلى الاستجابة. وتصبح المعضلة أكثر خطورة عندما تتداخل الأزمات؛ إذ يمكن لحادث بحري محدود، أو خلاف حول مجال جغرافي، أو توتر في سوريا، أن ينتقل إلى مستوى التحالفات والردع والتسلح، فتتحول أزمة محدودة إلى اختبار أوسع لتوازن القوة.
وعليه، فإن المعضلة الأمنية في شرق المتوسط لا تنتج من عداء متأصل بين الأطراف بقدر ما تنتج من التفاعل التراكمي بين عدم اليقين وإدراك التهديد والمكاسب النسبية. وكلما اتسعت الفجوة بين ما تقصده الدولة من إجراءاتها وما يعتقده الآخرون بشأنها، ازدادت احتمالات أن يصبح السلوك الدفاعي نفسه عاملاً لإعادة إنتاج عدم الاستقرار.
ثالثاً: اتساع المعضلة الأمنية إلى المجالات غير العسكرية
تتمثل خطورة التحول في شرق المتوسط في انتقال التنافس من امتلاك أدوات القوة إلى التأثير في البيئة التي تتحرك داخلها هذه القوة. فالبنية التحتية للطاقة والربط الكهربائي والممرات البحرية لم تعد مجرد مشروعات اقتصادية، بل أصبحت ذات قيمة استراتيجية لأنها تعيد تنظيم علاقات الاعتماد بين الدول، وتمنح بعض الأطراف قدرة أكبر على التأثير في حركة الموارد والاتصال داخل الإقليم. ومن هنا تبرز أهمية المكاسب النسبية؛ فقد يحقق مشروع اقتصادي منفعة مشتركة لجميع الأطراف، لكن اختلاف حجم المكاسب وموقع كل دولة داخل شبكة الاعتماد قد يجعل التعاون نفسه موضعاً للتنافس. فالدولة لا تسأل فقط عمّا ستكسبه، وإنما عمّن سيصبح أكثر قدرة على الحركة والتأثير نتيجة لهذا الترتيب. وبذلك يمكن أن يتحول الاعتماد المتبادل، الذي يفترض أن يكون عاملاً للاستقرار، إلى مصدر جديد للشك والتحوط. وتزداد خطورة هذه الحالة بسبب قابلية انتقال التنافس بين المجالات. فالخلاف البحري يمكن أن يؤثر في مشروعات الطاقة، والتنافس على الطاقة قد يعزز الاصطفافات السياسية والأمنية، فيما يمكن أن تؤدي هذه الاصطفافات إلى زيادة الحضور العسكري. وبهذا تتشكل معضلة أمنية متعددة المجالات، لا تتحرك فيها الأزمات بصورة منفصلة، وإنما يمكن أن ينتقل أثرها من المجال الاقتصادي والجغرافي إلى المجال الأمني والعسكري.
وعليه، فإن خصوصية شرق المتوسط لا تكمن في تعدد مصادر التنافس فحسب، بل في تداخلها بطريقة تجعل كل إعادة توزيع للمكاسب قابلة لإعادة تفسيرها بوصفها تغييراً في ميزان القوة. وهذا ما يجعل إدارة الاستقرار أكثر تعقيداً؛ لأن مصادر القوة والتهديد لم تعد محصورة في القدرات العسكرية، وإنما أصبحت موزعة أيضاً في الجغرافيا والاقتصاد وشبكات الاعتماد الإقليمي.
رابعاً: الاستشراف الاستراتيجي ــ إلى أين يتجه شرق المتوسط؟
يمكن تصور مستقبل الأمن في شرق المتوسط عبر ثلاثة مسارات رئيسة:
المسار الأول: احتواء تنافسي
يستمر تعزيز القدرات والتحالفات، مع بقاء الأطراف حريصة على تجنب الحرب المباشرة. ويُعد هذا المسار الأكثر قابلية للاستمرار إذا بقيت قنوات الاتصال وإدارة الأزمات قائمة، لكنه يعني بقاء المعضلة الأمنية دون حل جذري.
المسار الثاني: تعاون انتقائي
قد تدفع مخاطر التصعيد وتداخل المصالح الاقتصادية الأطراف إلى الفصل بين ملفات التنافس وملفات التعاون، خصوصاً في الطاقة والربط والبنية التحتية، بالتوازي مع آليات لخفض سوء التقدير. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الأطراف على تحويل بعض مجالات التنافس إلى ترتيبات مشتركة.
المسار الثالث: حلقة تصعيد متعددة المجالات
وهو السيناريو الأخطر، وينشأ إذا تزامن حادث بحري أو أزمة في سوريا مع تصعيد في ملف الطاقة أو البنية التحتية، ثم انتقل إلى مستوى التحالفات. عندها يمكن أن تتفاعل الأزمات بصورة تراكمية، بحيث يؤدي إجراء أمني في مجال إلى رد في مجال آخر، فتتسع دائرة التصعيد بصورة يصعب ضبطها. وتشير المقارنة بين هذه المسارات إلى أن مستقبل المنطقة لن تحدده زيادة القوة وحدها، بل قدرة الدول على إدارة إدراكات التهديد ومنع انتقال التنافس من مجال إلى آخر. ولذلك فإن المؤشر الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة سيكون مدى نجاح الأطراف في إنشاء آليات تمنع سوء التقدير وتعزيز الثقة، أكثر من مجرد حجم ما تضيفه إلى ترساناتها العسكرية.
خاتمة
تكشف حالة شرق المتوسط أن الأمن لا يُنتج بالضرورة الاستقرار؛ فقد تؤدي محاولة كل دولة إلى تحسين موقعها الأمني إلى تغيير حسابات الآخرين، فتدفعهم إلى إجراءات مقابلة تعيد إنتاج حالة عدم اليقين. وهذه هي جوهر المعضلة الأمنية في بيئة إقليمية تتسم بتنافس القوة وتضارب المصالح. والتحول الأهم أن هذه المعضلة لم تعد عسكرية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت شبكية ومتعددة المجالات، تتفاعل فيها القوة العسكرية مع الجغرافيا والطاقة والبنية التحتية والتحالفات. ومن ثم، فإن الخطر لا يكمن في امتلاك الدول أدوات أمنية أكبر فحسب، وإنما في أن يؤدي تراكم هذه الأدوات إلى تغيير توازنات القوة بصورة تدفع الخصوم إلى التحوط والتصعيد. وبذلك، فإن استقرار شرق المتوسط لا يتطلب إنهاء التنافس، وهو أمر غير واقعي، بقدر ما يتطلب إدارة التنافس ومنع تحوله إلى حلقة ذاتية التعزيز. فحين تصبح كل خطوة لتعزيز الأمن سبباً لخطوة مضادة، يتحول الأمن من غاية إلى عملية مستمرة لإنتاج عدم الأمن؛ أما عندما تُدار المكاسب النسبية ضمن قواعد واضحة وآليات للاتصال وخفض سوء التقدير، فيمكن تحويل التنافس من مصدر للتصعيد إلى عنصر من عناصر الاستقرار المنضبط.



