الاكثر قراءةدراساتغير مصنف

الاستراتيجية العامة للتسليح والموازنات المالية للقوات المسلحة العراقية بعد حربي 12 و 40 يوماً – ج 2

الجزء الثاني

بقلم: الفريق الركن حسن سلمان البيضاني

 هيئة الحشد الشعبي

 

 

الموازنة المالية كأداءه لإنجاح او فشل استراتيجيات التسليح والتجهيز

بلا شك ان قطاع الدفاع والامن يمثل واحداً من القطاعات التي غالباً ما تستحوذ على نسبة ليست قلية من الموازنة المالية لأي دولة  فكيف الحال في بلد جرى تجريده من كل مقومات القوة بقرار من الإدارة الامريكية وتحت غطاء اممي، ليعاد مجدداً بناء جيش وقوى امنية قادرة على مواجهة تحديات امنية غير مألوفة سابقاً في مقدمتها الانفلات الأمني وتفشي الجريمة المنظمة وتصاعد حاد في وتيرة الإرهـ ـــــاب، يقابل كل ذلك انهيار تام في المنظومة الاقتصادية وعجز يفوق التصور في ميزان المدفوعات ناجم عن حصار استمر لثلاثة عشر عاماً سبقته حربين مدمرتين واعقبته حرب اكثر دماراً.

امام هذا كله لابد من إيجاد وسائل كفيلة بإعادة بناء الجيش وبأي صورة كانت لاسيما وان جيش المحتل الأمريكي كان عاجزاً حينها عاجزاً تماماً عن تأمين القدر الكافي من الامن والسلام المجتمعي بعدما فشله في التعامل مع العراقيين وهيمنة فكرة قوة الاحتلال على قادته والكيل بمكيالين في التعامل مع مكونات الشعب العراقي، مما دفع بفصــائل المقـ ـاومة الوطنية للتعامل معه كعدو ناهيك عن ما ساهم هو بخلقه من بؤر توتر في مقدمتها الخطر الشديد ايقاعاً والمتمثل بالإرهــ ــاب الوافد من أواسط اسيا حيث أفغانستان لتجد مجاميعه الإرهـ ـــــابية التي حرص على تنشئتها الفرصة المواتية  لقلب المجون وتصعيد العمليات الإرهــــ ـــابية الى اقصاها.

ان قراءة في مدخلات الموازنة السنوية للعراق على مدى عشرين عاماً للتوصل الى مخرجات ذات بعد عسكري وأمني لا يمكن ان تدرك او تفهم دون ان يكون هنالك تصور واضح لطبيعة التطورات الميدانية حاصلة من اللحظة التي اجتمع بها مجلس الحكم لمناقشة اول موازنة مالية عراقية بعد التغيير وحتى الانتهاء من الموازنة الثلاثية التي اقرت خيراً والتي تأخرت في الإقرار والظهور الى الربع الأخير من عام 2023 حاملة معها جملة من التساؤلات في قدرتها على الإيفاء بما ورد فيها من تفاصيل على مدى الأعوام الثلاثة القادمة.

 

التخصيصات المالية وقدرتها على احداث التغيير المطلوب في موازين القوى

تبنى القدرات العسكرية والأمنية لأي بلد على أساس قدرة قطعاته وتشكيلاته الأمنية والعسكرية في مناغاة عقيدته العسكرية وتطبيق مضامينها والمستمدة بالدرجة الأساس من العقيدة السياسية التي رسم ملامحها العامة الدستور وهذه العقيدة العسكرية تترجم على ارض الواقع من خلال مجموعة عقائد قتالية لكل سلاح او قوة قتالية ذات طبيعة مستقلة وكما هو معروف فإن العقيدة القتالية تتأثر من حيث إمكانية تطبيقها بجملة من العامل التي تتمثل بما يلي:([1])

 

  1. العوامل الاقتصادية وفي مقدمتها نسب التخصيصات المالية من الموازنة العامة للدولة.

  2. العقيدة الدينية والأيديولوجية.

  3. العوامل السياسية والتحالفات والمعاهدات مع دول الجوار او دول أخرى.

  4. العوامل الجغرافية من تنوع التضاريس في طبيعتها وما يناسبها من معدات كذلك شكل الحدود وعمق البلد ومقع العاصمة ومراكز الثقل السوقي والموانع الطبيعية والاصطناعية.

  5. العوامل العسكرية وتشمل:

  • حجم وشكل تهديد المحتل من قبل دول الجوار.

  • حجم القوات المسلحة مقارنة مع دول الجوار.

  • القاعدة الصناعية العسكرية والتي تستمد قدراتها بالدرجة الأساس من الإمكانيات الاقتصادية المتاحة ونسبة التخصيصات المالية السنوية لتطوير قطاع التصنيع العسكري.

 

هذه العوامل نجد ان من يقف في مقدمتها ويتحكم بمقاييس القوة هو الجانب الاقتصادي والمتمثل بالقدرات الاقتصادية والمالية للدولة وقدرتها على تخصيص نسب عالية من موازنها لرفع مستوى الأداء القتالي لقوتها وكذلك رفع درجة استعدادها القتالي لمواجهة الاخطار المحتملة، وكما هو متعارف عليه عسكرياً وامنياً فإن هنالك أربعة محاور لابد ان تساير بعضها البعض صعوداً بغية الوصول بالقطعات والتشكيلات الى المستوى المطلوب من حيث الجاهزية القتالية وبقدر تعلق الامر بالتخصيصات المالية في الموازنة لاسيما الموازنة العراقية سواء للأعوام السابقة او للأعوام الثلاثة (2023 و2024 و 2025) نجد ان المحاور تتمثل بما يأتي:

 

 

أولاً: التسليح 

منذ عام 2003 وحتى الان يعاني ملف التسليح لعمو القوات المسلحة العراقية من جملة معاضل مستعصية أدت الى نكوص كبير في تكامل ببناء هذا المحور وهذه المعاضل تتمثل بما يأتي:

  1. قلة التخصيصات المالية الى الحد الذي جعل الغالبية العظمى من العقود التسليحية المتعاقد عليها بين العراق والدول المنتجة والمصدرة للسلاح عقود غير مكتملة وبالتالي فإن منظومات تكامل الأسلحة لم تصل الى مستوى الأداء المطلوب منها.

  2. شبهات الفساد المالي والإداري التي القت بظلالها على الغالبية العظمى من تلك العقود مما أدى الى الغاء العديد منها وقد تسبب ذلك في خسائر مالية مضاعفة للعراق بسبب التنصل عن اكمال العقود مما تسبب في مطالبة الشركات والدول بتعويضات مالية وفق شروط العقود المبرمة.

  3. الانتقائية في العقود ابتعدت عن التخصص والحرفية بل ان الغالبية من عقود التسليح جرت وفق اهواء الأشخاص القائمين على الاعداد لها او ابرامها مما أدى الى ورود أسلحة ليست بالمستوى الذي تتطلبها الحاجة الفعلية للقوات المسلحة العراقية.

  4. دخول الإدارة الامريكية كطرف مهيمن في تحديد اتجاهات التسليح العراقي وفقاً لرؤية مصالحها ومصالح حلفائها مما جعل العراق مجبراً على قبول تلك العقود لاسيما في الفترة التي كانت القوات الامريكية هي المتحكمة بتلك العقود.

  5. الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار في البنية السياسية العراقية وبقاء حالة التوجس والخوف من المستقبل لدى البعض من المكونات العرقية والطائفية فيما لو امتلك القوات المسلحة العراقية كل مقومات القومات القوة مما دفع ممثلي هؤلاء في مراكز اتخاذ القرار للعمل بكل الوسائل من اجل منع العديد من عقود التسليح تحت ذريعة التخصيصات المالية او عدم الحاجة.

 

ثانياً: التجهيز

يلعب التجهيز دوراً حيوياً في بناء القوات المسلحة فغالباً ما يكون مرادف ومكمل في نفس الوقت للتسليح فالتجهيزات تمنح المقاتل في ميادين القتال قدرات اكبر وفسحة أوسع لمواجهة التهديدات المحتملة كما انها تساهم بشكل او بآخر في تعزيز قدرته على البقاء في ظروف من الصعوبة بمكان العيش فيها دون توفر تلك التجهيزات وبقد تعلق الامر بالموازنات المالية والتخصيصات المالية الشؤون العسكرية في القوات المسلحة العراقية نجد ان هذا الجانب مهمل عن قصد او عن غير قصد فلاتزال تجهيزات الحماية الشخصية للمقاتل دون ادنى مستوى مطلوب كما ان باقي التجهيزات المكملة للعمل الميداني او القتالي هي في الغالب غير مكتملة مما تتسبب في ضعف كبير في الأداء القتالي والمعضلة الأكبر هي ان مفردات التجهيز تزداد يوماً بعد يوم كما انها في حالة تطور دائم مما يتطلب موارد مالية كبيرة لغرض تأمين متطلباتها بالكامل. وعليه فإن اهم التحديات التي تواجه التسليح في الجانب المادي والتخصيصات المالية:

  1. طبيعة التجهيزات وتنوعها تختلف من صنف الى آخر ومن قوات الى أخرى في الكثير من مفرداتها مما يجعل من الصعوبة بمكان توفيرها بشكل كامل ووفق المواصفات المطلوبة.

  2. سوء الاستخدام وضعف الإجراءات القانونية أدت الى ان تتلف او تنتهي صلاحية تلك التجهيزات قبل وصولها للعمر الافتراضي لها والذي في الغالب ما يحدد من قبل الجهة المصنعة وتدخل تدل التفاصيل ضمن العقود المبرمة.

  3. الصفات والعقود المبرمة والتي انتابتها حالات من الفساد المالي حيث لم تكن المواصفات لتلك التجهيزات وفق المقاييس المطلوبة مما تسبب في ضرر بالمال العام.

 

ثالثاً: التنظيم

التنظيم في القوات المسلحة يبنى على أربعة مبادئ أساسية تتمثل بما يلي:([2])

  1. انجاز الواجب.

  2. تحديد المسؤوليات.

  3. توثيق العلاقات.

  4. ضمان التنسيق.

  5. ضمان السيطرة.

عليه فإن استحداث أي تنظيم جديد لا يلتزم بهذه المبادئ يعتبر خارج عن المحددات المطلوبة في القوات المسلحة وهنا تكمن واحدة من اكثر المعاضل التي عانت منها عموم القوات المسلحة العراقية بعد عام 2003 وحل الجيش السابق والمباشرة ببناء جيش جديد كان للمحتل الدور الأكبر في بناء هياكله التنظيمية التي اثبتت ولمرات عديدة انها غير متناسبة مع طبيعة المهام الملقاة على عاتق هذا الجيش وهذا الامر ينسحب على باقي مكونات القوات المسلحة الا انه اكثر ظهور وتأثير في الجيش العراقي وتشكيلات وزارة الدفاع فقد شكلت العديد من المديريات والهيئات وقيادات العمليات لأغراض لا تمت بصلة الى مبادئ التنظيم بل كانت اما برغبة المحتل كما اسلفنا او تماشياً مع نزعة المحاصصة التي بليت بها القوات المسلحة عموما او لتحقيق رغبة شخص او اشخاص او حزب او كتلة سياسية لذلك نجد الكثير من التشكيلات والمديريات التي اثقلت كاهل المؤسسة العسكرية رغم وجود مثيلاتها في نفس الوزارة منها ما يتعلق بالمؤسسات الاستخبارية وكذلك الجوانب الفنية والاتصالات وكذلك في مجال الإدارة وادارة الافراد والتفتيش بشقيه العسكري والعام في حين جرى ربط بعض التشكيلات بوزارات هي ليست من واجباتها كما هو الحال للشرطة الاتحادية والرد السريع التي ربطت بوزارة الداخلية لأغراض المحاصصة والتوازن الطائفي.

كل ذلك وامور أخرى كثيرة لسنا هنا بصدد البحث فيها اثقلت بشكل او باخر موازنة الدولة وزادت من متطلبات الانفاق العسكري وحتى الان لا تمتلك الإدارات الحكومية المتعاقبة الجراءة من اجل احداث تغيير او القيام بترشيق المؤسسات العسكرية بما يضمن تخفيف الكاهل عن الموازنة وتعديل أوجه الصرف بالاتجاهات ذات الأهمية الأكبر والأكثر الحاحاً.

 

 

رابعاً: التدريب

كان التدريب ولايزال المحور الأكثر أهمية في بناء الجيوش ورغم انه ووفق التطورات الحديثة يتألف من سلسلة مترابطة من الإجراءات والفعاليات التي تنفذ عند توفر المتطلبات الا ان الأهم من ذلك كله هو وجود قاعدة مادية للتدريب التي هي الأخرى تتشكل من مجموعة عناصر تبدأ من ساحات التدريب داخل الوحدات الفرعية وتنتهي في ميادين التدريب العملياتية مصحوبة بمدارس صنوف ومعاهد التدريب العسكري والأمني وكليات لأعداد الضباط والامرين حتى يصل الامر الى مستوى الدراسات العليا في اختصاصاتها العسكرية، كل تلك العناصر تشكل نسيج مترابط اذا ما اهمل جزء منها فان اعداد الدولة  للحرب او لحالات الطواري او لدرء الأخطار القائمة او المحتملة او الاستعراض بالقوة او لإدارة الازمات ذات المنحى العسكري والأمني امر في غاية الصعوبة.

في ذات الوقت فأن كلفة التدريب في الغالب تكون باهظة ومكلفة ولا تظهر نتائجها بالسرعة المطلوبة مما يجعلها في مؤخرة قائمة المتطلبات العسكرية والأمنية رغم ادراك جميع القائمين على التخطيط لبناء القوة بإن كل ما يجري تخصيصه للتسليح او التجهيز او التنظيم من صفقات سوف لن يكون لها الفعل الميداني في ساحة المواجهة مع العدو دون ان يكون للتدريب الدور الأكبر في اتقان كل مفاصل استخدام الأسلحة والتجهيزات وانجاح الهياكل التنظيمية للوحدات والتشكيلات والقيادات، الا انهُ ومن خلال متابعة ما يجري رصده من تخصيصات مالية ضمن اطار الانفاق العسكري في القوات المسلحة العراقية فإنه دون ادنى حد مقبول، والامر يعود بالدرجة الأساس الى ضعف قدرات القائمين على التخطيط لبناء القوة في مجال قياس القدرات القتالية للتشكيلات والقيادات حيث يجري الاعتماد على عديد القوات وما تمتلكه من أسلحة وتجهيزات الا ان اتقان الاستخدام والقدرات الخلاقة للمقاتلين في الميدان غالبا ما تهمل كحسابات.

ان قياسات القدرة القتالية وفق متطلبات الحرب الحديثة قد تجاوزت مبدأ حساب “عدد البساطيل على الأرض” حيث باتت التقنيات هي المتحكمة في الكثير من جوانب الحرب رغم ان الحاجة لاتزال قائمة في بعض جوانب الحرب للأساليب الكلاسيكية التقليدية  ومن هنا فإن التدريب لبناء القوة لابد ان يتصاعد بخطين متوازيين الأول هو بناء الانسان وقدرته في مواجهة التحديات في ميدان القتال وهذا الامر يتطلب ميادين تدريب متبوعة تكون هي الأساس في بناء القاعدة المادية للتدريب بمستوى الفردي والبعض من ما يتطلبه المستوى الجماعي أي ما يطلق عليه التدريب الإجمالي اما الخط الثاني فيتعلق بالدرجة الأساس بالتقنيات الواجب توافرها للوحدات والتشكيلات وقيادات الأسلحة وأيضاً بشكل تصاعدي بحيث تكون موازية هي الأخرى للتدريب الفردي بكل تفاصيله وكلا الخطين بحاجة ماسة الى تخصيصات مالية يفترض بها ان تخصص وفق دراسات علمية مقرونة باختبارات لقياس درجة الاستعداد القتالي للوحدات والتشكيلات.

 

الانفاق العسكري العراقي والتحديات القائمة

هنالك جملة من التحديات والإشكاليات التي تتعلق بشكل مباشر وحيوي بكيفية الانفاق على الأجهزة الدفاعية والأمنية وتجهيزها بما يلزم من المعدات والاسلحة وقواعد مادية للتدريب فضلاً عن التخصيصات المالية المتعلقة بتطوير الأنظمة الدفاعية. فالأنفاق العسكري بطبيعته يتضمن بنود وابواب صرف متعددة فضلاً عن الأمور الجوهرية المطلوبة لديمومة المؤسسات العسكرية والأمنية كرواتب أفراد تلك المؤسسات وما يتم تجهيزهم به من معدات وأسلحة مختلفة تستلزمها طبيعة نشاطاتهم وما يحتاجونه من جوانب أخرى بضمنها الضمان الصحي والمعالجة وغيرها وتقع كلها ضمن ما يتم تخصيصه من موارد مالية ضمن فقرات الموازنة العامة السنوية للدولة. بصورة عامة تلعب كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية دوراً مشتركاً في عملية بناء وتحديد ومن ثم إقرار الموازنة الدفاعية وتختلف أساليب التنسيق فيما الطرفين باختلاف النظم الدستورية، وبشكل عام في مرحلة الإعداد يتولى البرلمان إصدار تقارير وتوصيات عامة بناء على ما افرزته الموازنات السابقة مع إجراء مباحثات مع الكتل السياسية بشأن مستويات الانفاق الدفاعي، وفي الإقرار يتولى البرلمان مراجعة مقترح الموازنة الذي تقدمة السلطة التنفيذية، وقد تمتلك بعض البرلمانات الصلاحيات في تعديل المقترح، ومع ذلك تبقى للسلطة التشريعية صلاحيات واسعة فيما يتعلق بهذا الموضوع وهذا ما يجري العمل فيه في العراق، إذ تتسع صلاحياتها لتشمل جوانب عديدة، منها التصديق على النسخة الأولى من  الموازنة الاتحادية وعلى حجم القوات المسلحة وتنظيمها فضلاً عن انها اكثر معرفة بطبيعة التهديدات القائمة من خلال وزرائها التنفيذيين لذلك هي من تحدد النسبة المطلوبة من الموازنة العامة لأغراض الدفاع والامن. وفي بعض الأحيان تثير مسألة الإنفاق العسكري في الدولة الفيدرالية ذات التوجه الديمقراطي كما هو الحال في العراق إشكاليات معينة قد يتعلق البعض منها بتحكم القيادة العليا للقوات المسلحة في زيادة هذا الإنفاق بنسب تتجاوز الحد المفترض تخصيصه وأقرب مثال على ذلك هو ما قامت به الحكومة العراقية بالمطالبة بزيادة نسبة التخصيصات المالية على إثر التمدد الحاصل للمجاميع الإرهـــ ـابية في صيف عام 2014 ابان سقوط الموصل وفقدان الجيش العراقي وتشكيلات وزارة الداخلية لنسبة عالية من اسلحتها ومعداتها وتجهيزاتها.

دستورياً فإن ما يجري تطبيقه في العراق بعد عام 2014 يبدأ بما نص عليه دستور العراق لسنة 2005 حيث حدد اختصاص مجلس الوزراء بتقديم مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النواب لإقراره، ولمجلس النواب إجراء المناقلة بين ابواب الموازنة العامة وفصولها وتخفيض مجمل مبالغها وله عند الضرورة أن يقترح على مجلس الوزراء زيادة اجمالي مبالغ النفقات، ([3]) ..

 

ولم يتطرق الدستور العراقي فيما عدا ذلك إلى مسألة تخص تنظيم النفقات والميزانية الدفاعية وكيفية تنظيمها. ولعل أمر الميزانية الدفاعية في العراق يختلف كثيراً عن مسار تنظيم الميزانية المتعلقة بالجوانب الدفاعية والأمنية في دول أخرى معاصرة، ذلك أن مسألة الإنفاق على الاجهزة الامنية والعسكرية أخذت بعداً واسعاً وعميقاً منذ بدايات تأسيس الجمهورية العراقية في عام 1958، وزاد الانفاق بالتدريج إلى أن وصل الذروة أبان سنوات السبعينيات والثمانينيات لاسيما اثناء الحرب العراقية الإيرانية حيث استحوذ فيها حجم الانفاق العسكري على معظم ميزانية الدولة.

 

أما بعد تأسيس النظام الفيدرالي بعد عام 2003، فيلاحظ أن هذا النمط المتوارث في ضخامة الانفاق العسكري بقي على حاله كأرقام فقط دونما ان يكون هنالك متغير واضح في القدرات القتالية للقوات المسلحة او حصول تطورات تقنية تجعلها مميزة بين اقرانها في دول الجوار، إذ تشير المصادر إلى أن الانفاق العسكري يحتل الصدارة في جميع موازنات العراق بعد عام 2003 الا انه لا يعادل ما يجري انفاقه من قبل دول الجوار الإقليمي في هذا المجال، و كان معظم الانفاق يتم بعيداً عن الرقابة المالية وهو ما نتج عنه عقد الكثير من الصفقات التي تحمل فساداً مالياً هائلاً، ولعل هذا الفساد كان من شأنه أن يلعب دوراً كبيراً في ظهور تنظيم د1عش ليستغل ضعف قدرات الاجهزة الامنية والعسكرية في المناطق التي ظهر فيها التنظيم.

طوال السنوات الماضية وتحديداً منذ عام 2003 فإن مقدار ما يُخصص من مبالغ مالية طائلة للإنفاق على المؤسسات الدفاعية والامنية العراقية بشكل لا يتناسب مطلقاً مع مستوى ما تؤديه تلك المؤسسات في الحفاظ على الامن الداخلي وعلى سيادة الدولة العراقية، ومن المعلوم أن الزيادة في الإنفاق العسكري يرى فيها الخبراء والمختصون تأثير سلبي في المستقبل تحديداً في البلدان النامية غير القادرة على إنتاج الأسلحة حيث ستضطر هذه البلدان إلى استيراد الأسلحة من الخارج، وهذا ما يؤدي الى إحداث عجز في ميزان المدفوعات ويؤثر أيضاً على مستوى ما يتم تقديمه من خدمات أساسية للمجتمع في القطاعات الأخرى، وعليه ما ينتج عن زيادة الانفاق في دولة مثل السعودية او الولايات المتحدة الامريكية لا يمكن تطبيق  النتائج نفسها في الواقع العراقي، وذلك لما يعانيه العراق من افتقار جميع مؤسسات الدولة بقطاعاتها المختلفة لاسيما الخدمية منها والبنية التحتية الى ضعف كبير في  توفير الموارد اللازمة لتنميتها وتطويرها.

من جانب آخر، تشير بعض الدراسات إلى أن هناك ثمة اتجاه عام في الدولة العراقية لزيادة الاهتمام بالإنفاق على جوانب الامن الداخلي وجعلها من ضمن أولوياتها، فأصبحت نفقات الدولة تنصرف بشكل ملحوظ لتطوير أجهزة وزارة الداخلية وجهاز مكافحة الإرهـــ ـاب باعتبارها أداة الحكومة البارزة في حفظ الأمن والاستقرار فيما سعت الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 كانت النوايا تتجه إلى تنظيم تلك القوات وفق اسس علمية حديثة وتطوير قدراتها الفنية وزيادة تشكيلاتها وتزويدها بأحدث أنواع الاسلحة و المستلزمات المادية ولاسيما بعد تردي الأوضاع الامنية والخروقات الامنية المتعددة التي شهدها العراق في السنوات المنصرمة كنتيجة حتمية لتصاعد وتيرة الإرهـ ـاب. وعلى الرغم من ضخامة الإنفاق على الأجهزة الدفاعية والأمنية في الدولة العراقية، إلا إن هذه الأجهزة ما نزال تعاني من الافتقار إلى ما يدعم تطويرها وتنميتها وفق النماذج المعاصرة في دول الجوار الإقليمي، عموماً يتباين مستوى إنفاق الدولة العراقية على الجوانب الدفاعية والأمنية من سنة إلى أخرى، ويلاحظ الزيادة التدريجية في مستوى الإنفاق إلى أن يصل إلى الذروة في عام 2015 الذي شهد تسليحاً وتدريباً مكثفاً بسبب المواجهات القتالية للقضاء على تنظيم د1عش ثم عاود الانخفاض ليرتفع مجدداً عام 2023. بعد استعادة المناطق العراقية من سيطرة تنظيم د1عش، اتضح إنه خلال تلك المدة ووصولاً إلى عام 2015، قد تضخم حجم الإنفاق العسكري بشكل كبير ليصل إلى 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كان عام 2011 يُقارب 4,9  من الناتج، علماً أن مساهمة الإنفاق العسكري في النفط الخام تراوحت بين  6,6%  و 7,38% خلال تلك المدة وهذا يدل على استنزاف إيراد النفط الخام ليصل إلى نحو خمسه بسبب الحرب والنزاعات، إضافة إلى إن الهجمات الإرهــــ ـابية لتنظيم د1عش أدت إلى ارتفاع مساهمة الإنفاق العسكري في الاحتياطيات الأجنبية “العملة الصعبة” لتتراوح بين 14,6% و 37.5% وهي نسبة عالية و تعني بشكل أو بآخر استنزاف معظم الاحتياط الأجنبي لأجل الحرب والصراعات المسلحة المختلفة.

 

الإنفاق العسكري ودوره في تعزيز الامن الوطني والتنمية الأمنية

إن أهم الدوافع الاقتصادية التي تسهم برفع درجة التسلح وزيادة الإنفاق العسكري هي:

  1. حماية الاقتصاد الوطني بشكل عام وما تتمتع به الدولة من ثروات طبيعية ذات صبغه إستراتيجية.

  2. حماية البنية التحتية والهياكل الارتكازية الصناعية على وجه التحديد لأنها تمثل الحلقة التقنية المتقدمة التي تعد من الحلقات المهمة لتنفيذ الخطط والبرامج التنموية.

  3. مواجهة الضغوط الاقتصادية التي قد تتعرض لها من قبل دولة أو عدة دول ليتم عندها التلويح بإستخدام القوة المسلحة لمواجهة تلك الضغوط.

  4. تقليل الضغط السياسي الناجم عن العوائق الاقتصادية التي تواجهها الدولة إذ تجد اللجوء للتسلح إشعاراً بالرد على ذلك فطالما استعملت وسيلة المعونات العسكرية في بعض الحالات أداة للضغط السياسي فضلاً عن القروض الممنوحة ولاسيما للدول النامية لتجعلها ضمن دائرة التبعية الاقتصادية وفي اغلب الأحيان للتبعية السياسية.

  5. الرغبة في التفوق والتأثير الاقتصادي الذي يعضد بزيادة نسبة التسلح كضرورة دفاعية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى