الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تكتيك “القضم المتدرج” والتثبيت النقطي

قراءة في مخطط العدو الاستعماري بـ “الشرق الأوسط”

 

بقلم: د. محمد حسين يوسف سبيتي / لبنان

 

 

من الصعب فهم ما يجري في “الشرق الأوسط” منذ عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 إذا تعاملنا معه بوصفه مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة أو نتيجة لتبدّل حكومات ورحيل شخصيات. فالحرب على غزة وتداعياتها في لبنان وسورية والعراق واليمن، وصولاً إلى المواجهة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، تبدو مترابطة ضمن مسار إقليمي أوسع، تُدار ساحاته بدرجات مختلفة من التنسيق الأميركي–”الإسرائيلي”، بما يجعل قراءة كل جبهة بمعزل عن الأخرى عاجزة عن تفسير الصورة الكاملة.

ونجد أن المنظور أعلاه تؤكده متغيرات الأحداث المترابطة بشكل أو بآخر طيلة الفترة الماضية، لذا لا مناص من طرح السؤال الإشكالي المتمثل بأنه “لماذا حدثت هذه التطورات بهذه الطريقة في منطقة “الشرق الأوسط” تحديداً، وما الذي تسعى إليه هذه السياسة الصهيوأميركية الاستكبارية في نهاية المطاف؟” فحجم التحوّلات التي شهدتها المنطقة، وطبيعة إدارة المعارك وتوسّع ساحاتها، يوحيان بأن الأمر يتجاوز تحقيق أهداف عسكرية آنية إلى معركة استراتيجية تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ، وربما تغيير وجه المنطقة نفسها. ومن هذه الزاوية، يصبح فهم ما جرى منذ “طوفان الأقصى” مدخلاً لفهم المشروع الأوسع الذي تتحرك في إطاره “إسرائيل” بدعم وتنسيق أميركي.

وفق هذا المسار، ينبغي الاستنتاج بأن التعامل مع مقولة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” باعتبارها مجرد شعار سياسي للاستهلاك الإعلامي يفضي إلى قراءة سطحية لطبيعة الصراع. فما يجري اليوم يبدو أقرب إلى مشروع طويل واستراتيجي بأبعاده المختلفة، حيث تتكشف ملامحه على مراحل، ويقوم على تراكم الوقائع وتغيير موازين القوى تدريجياً، وهي مقاربة لم تكن غريبة عن التفكير الاستراتيجي الصهيوني ولا عن السياسات الأميركية في المنطقة. والتاريخ يقدم نماذج واضحة على ذلك؛ فمن سايكس-بيكو عام 1916 إلى غزو العراق عام 2003، لم تولد التحولات الكبرى دفعة واحدة، بل سبقتها سنوات من إعادة ترتيب النفوذ والخرائط والوقائع السياسية.

ومن هذا السياق، لا يصح اختزال المسار الراهن في تغير الحكومات أو تبدل الوجوه في واشنطن و”تل أبيب” -هذا ما يطرحه البعض من المنظرين لفكرة تبدل السياسيات بتغير الإدارات الحاكمة في البلدين، لأن كثيرًا من الخيارات الاستراتيجية تتجاوز عمر الإدارات والحكومات. وما يجري في سورية ولبنان وغزة، من تثبيت وقائع ميدانية ومحاولات فرض ترتيبات أمنية جديدة، يمكن قراءته في سياق عقيدة “الحرب بين الحروب” التي اعتمدتها “إسرائيل” لإضعاف خصومها وتغيير البيئة المحيطة بها من دون الانزلاق دائماً إلى حرب شاملة مستمرة. وهنا تكمن الفكرة الأساسية لهذا المقال، وهي قراءة سياسة العدو القائمة على تحويل الخطوات التكتيكية المتفرقة إلى وقائع تراكمية يصعب التراجع عنها، بما يؤدي في المحصلة إلى إعادة تشكيل جغرافيا المنطقة وموازينها؛ غير أن نجاح هذا المسار يظل رهناً بقدرته على تجاوز عامل الصمود والمقاومة، وهو العامل الذي أثبت تاريخ المنطقة مراراً أنه قادر على تعطيل أكثر المشاريع المدروسة.

من هذا المنطلق، تكتسب التحركات الميدانية والسياسية الصهيو-أميركية معناها الحقيقي حين تُقرأ ضمن هذا الخيط الاستراتيجي المتصل، فالعدو لا يعتمد بالضرورة على القفزات الكبرى ذات التأثير المباشر، بل يفضل إعادة تشكيل الإقليم عبر تكتيك “القضم المتدرج” والتثبيت النقطي. وليس أكثر دلالة على ذلك من الشواهد التاريخية لتكتيكات الاحتلال الكلاسيكية-بدءاً من سياسة السيطرة على المرتفعات الحاكمة في حرب 1967، وصولاً إلى تجربة ما سُمّي بالـ “الحزام الأمني” في الجنوب اللبناني عام 1978 ويتكرر اليوم بعد عدواني 2024 و2026 على لبنان- التي تؤكد أن التسلل الناعم والاستغلال التكتيكي للفراغ كانا دائماً الممهد الميداني للمشاريع التوسعية الكبرى.

اليوم، يتكرر المشهد بالآلية ذاتها؛ إذ تُوظف الغارات المتكررة وتحركات الاختراق الميداني والاحتلال والتوسع التدريجي في لبنان وسورية رغم الاتفاقات الموقعة، جنباً إلى جنب مع صفقات التطبيع والترتيبات الأمنية ومشاريع الممرات الاقتصادية والإقليمية، لفرض أمر واقع يحيط بقوى المقاومة ويحاصرها ببطء. وبذلك، يراهن التحالف الصهيو-أميركي على تحويل هذا التراكم الميداني، بمرور الوقت، إلى خريطة جيو-سياسية جديدة يصعب كسرها أو معالجتها إن لم تُواجه وتُحبَط في مهدها.

 

 

إسرائيل”: التوسع خطوة خطوة

وفي تفصيل أكثر وضوحاً، ينجلي السلوك العدواني “الإسرائيلي” ضمن التصور أعلاه في هذه المرحلة تحديداً بشكل أكثر وضوحاً، إذ يستعيد الكيان أدبياته العسكرية التأسيسية التي قامت منذ عام 1948 على عقيدة “الدفاع الهجومي” وتوسيع النطاق الأمني على حساب الدول المحيطة “بإسرائيل” كلما سنحت الفرصة الإقليمية أو الدبلوماسية بذلك.

واقع الحال حديثاً يقودنا إلى القول إن العمليات الراهنة في الجنوب السوري، والممتدة من درعا والقنيطرة وصولاً إلى التخوم الاستراتيجية لجبل الشيخ، لا يمكن فصلها عن النمط التاريخي ذاته الذي اعتمده الاحتلال حين استولى على هضبة الجولان عام 1967 تحت ذريعة “حماية المستوطنات”، ليحولها لاحقاً إلى منصة إنذار مبكر وقاعدة اشتباك دائم. وبذلك نستدل بأن العقل الاستراتيجي لجيش الاحتلال يتجاوز دائماً حدود القيمة الجغرافية المجردة لمرتفع (تل) بعينه أو موقع موضعياً، فهو يتعامل مع هذه المرتفعات الحاكمة بصفتها شبكة سيطرة ونيران موحّدة؛ إذ أن تضاريس الأرض المرتفعة في العقيدة “الإسرائيلية” هي بمثابة “العين الحاكمة” للتجسس الاستخباري، وموقع إطلاق متقدم للنيران التفوقية، وورقة ضغط سياسي وميداني يستغلها التحالف الصهيو-أميركي لشل قدرة المقاومة على تثبيت معادلة ردع متكافئة على الحدود.

ووفق هذا المنظور، تترجم التحركات الميدانية لجيش الاحتلال على الجبهة السورية مخططاً متكاملاً يهدف إلى رسم خرائط نفوذ جديدة تتخطى مفهوم “المنطقة العازلة” التقليدية، وهو ما تجسّده الجولة الأخيرة لرئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، في القنيطرة ودرعا وجبل الشيخ. فزيارة الأخير، إلى مواقع في الجنوب السوري جاءت في هذا السياق. وحتى لو بقيت تفاصيل الجولة بعيدة عن الإعلام، فإن ما يجري على الأرض أكثر دلالة من البيانات الرسمية.

بالتزامن، تتبلور ملامح مشروع توسعي على ما يُعرف صهيونياً بـ “خط جنوب تدمر”، الممتد من الجولان حتى جنوب تدمر والقلمون والعاصمة دمشق وصولاً إلى الحدود العراقية، بالتوازي مع استمرار استباحة الأجواء السورية واستهداف العمق الشمالي، كما حدث في القصف الأخير لمطار أبو الظهور العسكري بالقرب من الحدود التركية.

أما الانتهاكات الأوسع نطاقاً ميدانياً، تتمثل بما يقوم به الاحتلال ضمن مشروع “الحاجز الشرقي” بإنشاء بنية عسكرية دائمة في الجنوب السوري تتعدى أبعاد الترتيبات المنصوص عليها في اتفاقية الهدنة لعام 1974. ويتمثل ذلك في تجريف الأراضي، وبناء السواتر الخرسانية، وتشييد خطوط تقنية متطورة، إلى جانب إقامة نحو 14 قاعدة عسكرية ثابتة فوق التلال الحاكمة من جبل الشيخ حتى حوض اليرموك، وتزويدها بمدفعية ومنظومات صاروخية بعيدة المدى تضع شمال العاصمة دمشق تحت التهديد المباشر. وتتوازى هذه السيطرة العسكرية مع اختراق اجتماعي وأمني “ناعم” عبر إجراء مسح سكاني، وفتح قنوات اتصال مع وجهاء القرى الحدودية، وترهيب الرافضين، فضلاً عن تقديم مساعدات عينية وإنشاء مستوصفات طبية محاذية للحدود، كالمستوصف القائم قرب بلدة حضر، لاستغلال الضغوط الاقتصادية وشراء الذمم.

أمّا في السويداء، فيسعى الكيان إلى استثمار الفتن الداخلية والتسلط من قبل بعض المجموعات بحق مجموعات أخرى، وفي ظل غياب المعالجة الجدية من دمشق، لدفع أهالي المحافظة والدروز السوريين نحو القطيعة مع السلطة السورية وتعزيز موقع الشيخ حكمت الهجري. وتتقاطع هذه الخطوات مع مساعٍ أعمق لتغيير المعادلة الديموغرافية في الجولان المحتل عبر رفع عدد المستوطنين إلى 50 ألفاً، والضغط على الأهالي لقبول “الجنسية الإسرائيلية” وتفكيك الرفض التاريخي الممتد منذ انتفاضة 1981. وفي الوقت نفسه، ينشط منسق شؤون الدروز في جيش الاحتلال، غسان عليان، لتشكيل قوة محلية تحت مسمى “أمن القرى” في جبل الشيخ، في محاولة لإعادة إنتاج نموذج الحزام الأمني والميليشيات التابعة.

سياسياً، تُظهر “إسرائيل” تجاهلاً صريحاً لما يُسمّى “الوساطات” الأميركية ورسائل السلطة الانتقالية في سورية برئاسة أحمد الشرع لعقد اتفاقات أمنية، مستعيضاً عن ذلك بالاستمرار في عمليات القصف والتوسع الميداني، والاكتفاء بالحد الأدنى من التنسيق الذي أتاحته “محادثات باريس” في كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه المعطيات أن المرحلة المقبلة تحمل مخاطر مرتفعة تتجه نحو فرض واقع ميداني يستولى فيه الاحتلال على مزيد من الأراضي والموارد الطبيعية، محوّلًا الانقسامات الداخلية والفراغ السياسي إلى أدوات لتثبيت وجوده الدائم.

وليس المشهد اللبناني ببعيد عن هذا السيناريو؛ إذ يُراد للنموذج السوري أن يتكرر بذات الأبعاد والخطورة على الساحة اللبنانية عبر بوابة الرهانات الحكومية الخائبة على الوساطات والتفاهمات الأمنية. فقد أثبت الفشل المعلن لمفاوضات روما-والذي أقر به نائب رئيس الحكومة طارق متري-عقم الرهان على “اتفاق الإطار” للجم العدوان، بعدما أطاح الكيان بـ “المناطق التجريبية” التي روّجت لها السلطة كمخرج وحل، ليواصل اعتداءاته الميدانية وتفجير المنازل في قرى كانت محررة أصلًا كقرية المنصوري وزوطر الغربية وغيرهما وتجريف الأراضي الحدودية. بل إن الخطاب الصهيو-أميركي، كما تجسد في تصريحات المسؤولين الأميركيين أمثال توم حرب، بدأ يتجاوز الحزام الحدودي ليرسم خرائط استهداف جديدة نحو العمق اللبناني؛ إذ جرى التنظير لمزاعم وجود أنفاق تحت قلعة بعلبك وصولاً إلى جبيل وكسروان. يبرهن هذا الامتداد التهديدي أن العدو لا يسعى لترتيبات أمنية متوازنة، بل ينسخ أسلوبه في سورية عبر اتخاذ المفاوضات غطاءً سياسيًا لاستكمال التمدد، وفرض معادلات الاحتلال والسيطرة الميدانية على كامل جغرافيا المنطقة.

ومن هذه الزاوية وتعليقاً على ما حصل من اتفاقات بين لبنان والعدو “الإسرائيلي” ومفاعيلها، فيمكن القول إنه لا يُنظر إلى الفراغ- أقصد فترة الهدوء أو الهدن الهشة- في الحسابات الاستراتيجية “الإسرائيلية”-الأميركية باعتباره حالة مؤقتة تنتظر من يعالجها، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بما يخدم موازين جديدة للقوة والنفوذ. فالعدو يعمل على تغيير الخرائط الجيوسياسية لدول المنطقة بمخطط يبدأ بإضعاف الدولة، وتفكيك قدرتها على الردع، ثم تثبيت وقائع أمنية وسياسية جديدة على الأرض، إلى أن يصبح ما كان استثنائيًا جزءًا من الواقع الدائم.

على الضفة الأخرى من هذا المشهد، تتبدّى الجمهورية الإسلامية في إيران بصفتها العقدة الاستراتيجية والمحور الأساسي الذي تتكسر عنده الحسابات الصهيو-أميركية، إذ تدرك واشنطن و”تل أبيب” أن المكاسب الميدانية التكتيكية أو تشديد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية تظل ناقصة ما لم تنجح في كسرة إرادة طهران وحجم حضورها الإقليمي.

ينطلق العدو اليوم ضد الجبهة الإيرانية مستخدماً استراتيجية استنزاف تحاكي تكتيك «الإنهاك التدريجي» الذي اعتمدته واشنطن ضد الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، بهدف تجفيف الموارد وتفكيك حلفاء المحور بالتدريج. وفي مواجهة ذلك، تعتمد طهران مدرسة «الصبر الاستراتيجي» القائمة على إدارة المخاطر بدقة متناهية؛ فلا هي تندفع إلى مواجهة شاملة يراهن الخصم على استدراجها إليها لاستنزاف قدراتها الردعية في جولة واحدة، ولا هي تغض الطرف عن الاعتداءات كي لا تتآكل معادلات الردع التي شكلت مظلة لأمنها القومي على مدى عقود.

في المقابل، تدرك الإدارة الاميركية صعوبة الذهاب إلى انزلاق غير محسوب نحو صراع مفتوح مع الجمهورية الإسلامية في إيران، لما يحمله ذلك من تهديد مباشر لقواعدها وحلفائها في المنطقة، وهذا ما خبرته ميدانياً طيلة فترة الحرب المستمرة بأوجه مختلفة منذ شباط 2026 إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية تدميراً هائلاً في عدد من القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج، فضلاً عن تداعياتها الكارثية على أسواق الطاقة والهيكل الاقتصادي العالمي، وهو الدرس الذي استوعبته واشنطن جراء كلفة غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003. من هنا، تلتقي الرغبة الأميركية والـ “إسرائيلية” عند خيار الضغط البنيوي الممتد، حيث تُوظَّف العقوبات المطبقة، وتوسيع التحالفات الإقليمية، والضربات الموضعية المتكررة بصفتها أدوات لتراكم بطيء يُفضي إلى إنهاك الخصم وتجريده من هامش المناورة. إن هذا النمط من المواجهة يثبت أن العقل التخطيطي للتحالف الصهيو-اميركي يضع نصب عينيه النتائج الاستراتيجية المتراكمة بعد سنوات، مراهنًا على عامل الوقت لفرض واقع جديد تكون فيه المقاومة قد فقدت قدرتها على التعافي والمبادرة. إن هذا المتوالية المعقدة تفصح عن دخول المنطقة رسمياً في طور “حرب الجولات”، وهو المفهوم المطور عن استراتيجية “الحرب بين الحروب” التي أطّرت السلوك الصهيوني طوال العقود الماضية.

إذًا، إننا أمام نمط مركب يُزاوج بين الضربات الموضعية، الى التهدئة التكتيكية، والضغط الاقتصادي والدبلوماسي؛ حيث يبدو المشهد كأنه أحداث متفرقة، بينما هو في واقع الأمر خطة متصلة الحلقات. تعتمد “اسرائيل” في هذا المسار على هندسة التدرج لتقليل كلفة المواجهة الشاملة، متحرّكاً بأسلوب الاختبار والمراقبة وتثبيت المكاسب النقطية، تحضيراً لفرض أمر واقع غير قابل للتراجع، في محاكاة صريحة لأسلوب “الاستنزاف والتثبيت” الذي اعتمده في حروب متعددة لاستبدال التوازن العسكري القائم بحقائق أمنية جديدة.

من هنا، يصبح من الضروري تجاوز السؤال التقليدي عن “حصيلة الجولة الحالية “إلى سؤال أكثر عمقاً” من يملك القدرة على خوض الجولات المتتالية، ومن يستطيع الحفاظ على قوته حتى الجولات النهائية؟” فالصراعات التي تتصل بمشروعات استراتيجية ممتدة لا تُحسم بالضربة القاضية، بل باختبار القدرة على الصمود، وامتصاص الضربات، وإعادة بناء القوة، والحفاظ على عناصر الردع عبر الزمن.

فالطرف “الإسرائيلي”-الأميركي يراهن على التفوق العسكري والتقني، والضغط الاقتصادي، واستثمار الانقسامات الداخلية لإضعاف بيئات المواجهة، بينما تراهن الجمهورية الإسلامية في إيران وقوى المقاومة على استنزاف قدرة الخصم على مواصلة الحرب، وتعدد ساحات وأدوات الاشتباك، والإبقاء على القدرة على الرد حتى لا تتحول جولة واحدة إلى حسم نهائي للصراع. ففي هذا النوع من الحروب، لا ينبغي القول أن الحسم لمن يحقق مكسباً أسرع، بل لمن يملك القدرة على الصمود حين تتراكم كلفة المواجهة، ويبدأ عامل الزمن في اختبار قدرة كل طرف على الاستمرار.

 

خلاصة القول، إن ما يجري هو صراع مفتوح على الهوية الجيو-سياسية للمنطقة برمتها خلال السنوات المقبلة. وتظل التجربة الممتدة في سورية بمثابة جرس إنذار مبكر يكشف طبيعة العقل “الإسرائيلي” الذي ينشط في مناخات الفوضى والهشاشة لبناء مشروعه جداراً بعد جدار، وتلة بعد تلة. فكل قاعدة مستحدثة، وكل تواصل محلي مشبوه، وكل التفاف تفاوضي من موقع الضعف، ليس إلا تعزيزاً لخريطة الهيمنة القادمة. وعلينا التذكر دائماً أن الهدن التي تشهدها المنطقة لا تعني، بالضرورة، نهاية المعركة، بقدر ما قد تكون فواصل مؤقتة لإعادة ترتيب الصفوف، واستعادة القدرة، وإعادة حساب الخيارات. ففي هذا النوع من الصراعات الممتدة، تُقاس النتائج بمخرجات تراكم الجولات وتأثيرها على قدرة الأطراف على الاستمرار لا بما تحققه كل جولة منفردة وهذا ما تعوّل عليه قوى المقاومة للعدوان. إنها، في جوهرها، حرب صبر واستنزاف، يصبح فيها الزمن عاملاً حاسماً؛ لأن الطرف القادر على الحفاظ على تماسكه وقوته وأوراقه إلى أبعد مدى، هو الأقدر على التأثير في مسار الجولات التالية ونتائجها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى