الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

إغلاق مضيق هرمز.. انعكاسات متعددة على العراق

بقلم: الباحثة فاطمة حازم محمد

 

 

يمثل مضيق هرمز أهمية استراتيجية بالغة للعراق في كونه منفذاً بحرياً حيوياً لصادرته النفطية وليس مجرد ممر بحري دولي. وتعتمد صادرات النفط العراقية بدرجة كبيرة عبر الموانئ الجنوبية في البصرة مروراً بالخليج العربي وتنتقل عبر المضيق الى الأسواق العالمية. ومن ثم، فإن أي اضطراب أو إغلاق للمضيق ينعكس بصورة مباشرة على قدرة العراق على تصدير النفط وعلى تدفق الإيرادات النفطية التي تشكل الأساس الرئيس لتمويل الاقتصاد والموازنة العامة.

 

أثر إغلاق مضيق هرمز على صادرات النفط العراقية

أدى إغلاق مضيق هرمز في أعقاب الحرب الإيرانية–الأمريكية عام 2026 إلى انخفاض حاد في صادرات النفط العراقية. فقبل اندلاع الحرب، كان معدل صادرات العراق عبر الموانئ الجنوبية يبلغ نحو 3.4 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 102 مليون برميل شهرياً. ومع اضطراب حركة الملاحة وإغلاق المضيق، تراجعت الكميات المصدرة بصورة كبيرة؛ إذ لم تتجاوز صادرات العراق عبر المضيق في نيسان 2026 نحو 10ملايين برميل خلال الشهر، بمتوسط يقارب 333 ألف برميل يومياً. ويكشف هذا التراجع عن درجة اعتماد العراق على المسار البحري الجنوبي في تصدير النفط، إذ إن محدودية البدائل التصديرية تجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق ذا تأثير مباشر على حجم الصادرات وعلى الإيرادات النفطية.

 

الانعكاسات على المالية العامة والاقتصاد العراقي

لم تقتصر آثار إغلاق مضيق هرمز على انخفاض حجم الصادرات النفطية، بل امتدت إلى المالية العامة للدولة. فقد كشف المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن انخفاض صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز تسبباً في عجز مالي يقدر بنحو9.5  مليارات دولار شهرياً، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات، من بينها اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وضبط الإنفاق العام. وتبرز هذه التطورات هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الصدمات الخارجية، نتيجة اعتماده الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة. كما أن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية لا يعوض بصورة كاملة الخسائر الناجمة عن انخفاض الكميات المصدرة، لأن الإيرادات النفطية ترتبط ليس بالسعر وحده، وإنما أيضًا بقدرة العراق على إنتاج النفط ونقله وتصديره إلى الأسواق العالمية.

 

مضيق هرمز

 

انعكاسات الأزمة على الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد

أدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز خلال عام 2026 إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما انعكس على العراق من خلال زيادة تكاليف الاستيراد والخدمات اللوجستية، فضلاً عن احتمال تراجع توافر بعض السلع والمنتجات. وتزداد حساسية العراق لهذه التداعيات بسبب اعتماده على الواردات في توفير عدد من السلع الغذائية والمدخلات الإنتاجية، الأمر الذي يجعل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين ينعكس في النهاية على أسعار السلع داخل السوق المحلية. كما أن استمرار اضطراب حركة الملاحة لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف التجارة الخارجية وإرباك سلاسل الإمداد، ولا سيما بالنسبة للسلع التي يعتمد وصولها إلى الأسواق العراقية على النقل البحري.

 

الانعكاسات على القطاع الزراعي والأمن الغذائي

يمتد تأثير أزمة مضيق هرمز إلى القطاع الزراعي، ولا سيما من خلال ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والنقل. ويكتسب هذا التأثير أهمية خاصة في ظل اعتماد الإنتاج الزراعي على مجموعة من المدخلات التي قد تتأثر باضطراب التجارة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن. وعلى الرغم من تحسن معدلات الأمطار وتوافر المياه، وهو ما ساهم في دعم الإنتاج الزراعي وتخفيف جزء من آثار ارتفاع تكاليف المدخلات، فإن استمرار اضطراب حركة الملاحة قد يؤدي خلال موسم 2026/2027 إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والنقل، ومن ثم انخفاض معدلات استخدامها من قبل المزارعين. وقد ينعكس ذلك على مستويات الإنتاج الزراعي وعلى أسعار المواد الغذائية، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الأمن الغذائي العراقي. كما أن اعتماد الإيرادات النفطية في تمويل جانب كبير من الموازنة الحكومية، بما في ذلك الرواتب وبرامج الدعم الزراعي ونظام التوزيع العام، يجعل استمرار انخفاض الصادرات النفطية عاملاً يمكن أن يحد من قدرة الحكومة على تمويل هذه البرامج، ويزيد من الضغوط على أسعار الغذاء وتوافر المدخلات الزراعية.

 

البحث عن بدائل لتصدير النفط العراقي

في مواجهة تداعيات إغلاق مضيق هرمز، يسعى العراق إلى تنويع قنوات تصدير النفط وتقليل اعتماده على الموانئ الجنوبية، إلا أن أياً من البدائل المتاحة حالياً لا يستطيع تعويض حجم الصادرات المفقودة بالكامل. ويأتي خط كركوك–جيهان عبر تركيا في مقدمة البدائل، بطاقة تقارب 250  ألف برميل يومياً، مع إمكانية إضافة إنتاج إقليم كردستان، إلا أن هذا المسار ما يزال يواجه تحديات قانونية وسياسية تتعلق بآليات إدارة الصادرات والعلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وتركيا. كما يبرز استخدام ميناء بانياس السوري كأحد الخيارات المطروحة، بطاقة محتملة تصل إلى نحو200  ألف برميل يومياً، فضلاً عن إمكانية اللجوء إلى النقل بالشاحنات عبر الأردن وسوريا بوصفه حلاً مؤقتاً لتجاوز القيود المفروضة على النقل البحري، إلا أن هذا الخيار يتسم بارتفاع تكاليف النقل ومحدودية قدرته على التعامل مع الكميات الكبيرة من الصادرات النفطية العراقية. أما مشروع خط العراق -الأردن وصولاً إلى ميناء العقبة، فيمثل خياراً استراتيجياً على المدى المتوسط، لكونه يوفر للعراق منفذاً بديلاً إلى البحر الأحمر بعيداً عن الخليج العربي ومضيق هرمز. غير أن المشروع ما يزال بحاجة إلى استكمال الجوانب الفنية والمالية والسياسية والتنفيذية اللازمة لدخوله مرحلة التشغيل الفعلي. يتضح مما سبق أن أزمة مضيق هرمز بالنسبة للعراق لا تقتصر على تراجع صادرات النفط، وإنما تمثل صدمة اقتصادية ومالية متعددة الأبعاد. فقد أدت الأزمة إلى تقليص قدرة العراق على تصدير النفط، والضغط على الإيرادات العامة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين والطاقة، فضلاً عن انعكاساتها على الزراعة وأسعار الغذاء والأمن الغذائي. كما كشفت الأزمة عن محدودية البدائل التصديرية المتاحة للعراق، إذ إن خطوط الأنابيب والمنافذ البرية والموانئ البديلة لا تزال غير قادرة على استيعاب حجم الصادرات النفطية التي تمر عبر المسار الجنوبي. ولذلك، فإن استمرار اضطراب الملاحة في المضيق يمثل تحدياً استراتيجياً للاقتصاد العراقي، ويؤكد الحاجة إلى تسريع مشاريع تنويع منافذ تصدير النفط، وتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، بما يقلل من تعرض الاقتصاد العراقي للصدمات الجيوسياسية الخارجية. وبذلك، تمثل أزمة مضيق هرمز بالنسبة للعراق صدمة في الصادرات والسيولة والتكاليف، تمتد آثارها من قطاع الطاقة والنفط إلى المالية العامة والنقل والزراعة والغذاء، الأمر الذي يجعل تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على النفط من أبرز المتطلبات الاستراتيجية لتعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الأزمات المستقبلية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى