الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تشابكات الواقع السوري في الحسابات الجيوسياسية الصينية للاستثمار في سوريا

بقلم: د. ساعود جمال ساعود

جامعة دمشق / كلية العلوم السياسية

 

مثّل سقوط النظام السابق حسماً للمعارك الداخلية وسيطرة الفصائل الثورة على الجغرافيا لسورية بعد تصفية المعارضين في الساحل السوري والسويداء وضرب أكراد المنطقة الشرقية واستعادة أبار النفط والغاز بدعم اقليمي ودولي، ولكن من منظور عالم الاستثمارات فقد ترافق السقوط مع مرحلة جديدة اتسمت ببقاء الروس بالغرب السوري، وبنية تحتية منهكة تحتاج لإعادة تأهيل، وإصلاحات اقتصادية ومصرفية، وقوانين ومراسيم واتفاقيات تجارية جديدة، وحسم عامل الاستقرار لجذب الاستثمارات والتماس آثار رفع العقوبات وتخفيفها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وتخفيفها، وان مستوى الاستقرار الأمني العامل الذي يحتل المرتبة الأولى دون تحييد تأثير بقية العوامل، ورغم الانفتاح وحركة الشروع بالاستثمار إلا أن المستثمرين يقيّمون السوق السورية بناءاً على معادلة تتألف من ثلاثة عناصر: الأمن الداخلي واستقرار المؤسسات والضمانات القانونية.

 

 

توصيف واقع الأمن والاستقرار في سوريا بعد 8 ايلول 2024

لقد ارتسمت معالم الواضع الأمني بعد وضع الإعلان الدستوري المؤقت وإسكات المعارضين وبدء حركة الانفتاح الدولي والقضاء على أغلب التهديدات الداخلية وفق ما يلي:

 

المؤشر

التقدير

التفسير

الأمن في المدن الرئيسية (دمشق، حلب، حمص، اللاذقية)

تحسن ملحوظ

شهدت هذه المدن انخفاضاً كبيراً في العمليات العسكرية والاشتباكات، عودة النشاط التجاري وارتفاع حركة الأسواق وافتتاح العديد من المنشآت العامة والخاصة، ولكن الأجهزة الأمنية ما تزال تتعامل مع تهديدات محدودة مثل الجرائم المنظمة.

نشاط تنظيم د1عش

منخفض

ما يزال يحتفظ بخلايا صغيرة تنفذ عمليات خاطفة، خصوصاً في مناطق المحافظات الشرقية، وهذا يشكّل خطراً أمنياً وجودياً للدولة، لكنها تؤثّر سلباً في تقييم المستثمرين للمخاطر.

الصدامات المحلية

متوسطة

نزاعات العشائرية، احتكاكات ذات الطابع الأمني أو المجتمعي، مظاهرات بمطالب اقتصادية بمناطق نشوء الثورة، تكشف أن عملية ترسيخ الاستقرار الداخلي لم تكتمل بعد في جميع المناطق.

سيطرة الحكومة

مرتفعة

تمكنت الحكومة الجديدة من بسط نفوذها الإداري والأمني على معظم المناطق ذات الكثافة السكانية والاقتصادية، وهو ما وفر بيئة أكثر استقراراً لإدارة الخدمات العامة وتشغيل المرافق الحيوية، بينما بقيت بعض المناطق الرافضة شعبياً لعمليات الجرائم الممنهجة والانتهاكات الإنسانية تتطلب ترتيبات أمنية خاصة.

بالنتيجة، سوريا لم تعد ساحة حرب شاملة لكنها أيضاً لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الأمني والمؤسسي الذي يسمح باعتبارها بيئة منخفضة المخاطر للاستثمار طويل الأجل، كما أن المخاطر على المستثمرين لا تتمثل فقط بالوضع الأمني بل تشمل عدم استقرار البيئة القانونية وصعوبة التمويل وارتفاع تكاليف التأمين، واستمرار بعض القيود على التحويلات المالية، وهو ما يجعل المستثمر يطلب عائداً أعلى لتعويض مستوى المخاطرة.

 

 

الواقع الأمني والاستثمار

أولاً: المؤشرات الإيجابية

  1. تتمثل المؤشرات الإيجابية للاستقرار الأمني في سوريا بإنتهاء حقبة المعارك العسكرية الكبرى والمناطق الخارجة عن السيطرة كاملة، وتحولت التهديدات إلى معارك صغيرة مؤقتة ضد خلايا د1عش واشتباكات عشائرية محلية وعمليات أمنية ضد مجموعات موصوفة بالخروج عن القانون، وهذا من منظور المستثمرين مؤشر إيجابي لأن الحروب المفتوحة لا تنتشر واحتمال اندلاعها ضعيف بسبب المساندة الإقليمية والدولية للحكومة الانتقالية الجديدة.

  2. تمكن قوات ومؤسسات الحكومة السورية الجديدة خلال عامي 2025 و2026 من إعادة تشغيل المؤسسات الأمنية ودمج الفصائل المسلحة ضمن الهيكلية العامة للجيش الجديد، وتوسيع الانتشار الأمني، وإعادة افتتاح المعابر الداخلية، وإعادة تشغيل المطارات والموانئ بصورة منتظمة، ولكن ذلك لم يؤدي إلى انخفاض جرائم السلب وقطع الطرق والقتل في معظم المحافظات الخاضعة للحكومة.

  3. تحسن الأداء الاقتصادي بدلالة المؤشرات التي يراقبها المستثمرون انتظام حركة النقل وانخفاض إغلاق الطرق وزيادة حركة الشحن وعودة التجارة البرية مع الأردن والعراق وتركيا وإعادة تشغيل مرفأ طرطوس ومرفأ اللاذقية، كما أن روسيا أعلنت في تموز 2026 إنشاء مركز لوجستي تجاري في ميناء طرطوس بطاقة تصل إلى 250 ألف طن من البضائع شهرياً، ما يعكس ثقة نسبية بإمكانية استمرار النشاط التجاري رغم التحديات الأمنية.

 

ثانياً: المؤشرات السلبية

  1. استمرار نشاط تنظيم د1عش خلال عام 2026، حيث تؤثر هذه العمليات بصورة مباشرة على تصنيف المخاطر وأقساط التأمين وقرارات الشركات الغربية.

  2. تعتبر التوترات المحلية أحد المؤشرات على انتهاك السيادة وتشير التقارير أنه لا تزال بعض المناطق تشهد احتكاكات طائفية محدودة واضطرابات في الجنوب وجيوب أمنية في البادية، وهذه المناطق لا تمثل غالبية الاقتصاد السوري، لكنها ترفع مؤشر المخاطر السيادية.

  3. ضعف المؤسسات الأمنية حيث لا تزال الأجهزة الأمنية تمر في طور إعادة البناء وهذا ما يظهر في بطء بعض التحقيقات واختلاف أداء الأجهزة بين المحافظات واستمرار الحاجة لإعادة الهيكلة.

مجمل تقييم الواقع الأمني في سوريا من منظور المستثمرين اليوم بناء على معيار المؤشرات الإيجابية والسلبية تعكس انتقال سوريا من دولة نزاع شامل إلى دولة ذات مخاطر أمنية متوسطة تجعل من الإقدام على الاستثمار في منطقة وسطى وسط ترقب وحذر الانخراط في مغامرات غير مضمونة اقتصادياً، لأن الحلفاء الخليجية ممن وقعوا عقود استثمارات منهم من انسحب ومنهم من لم يبدأ بعد.

 

 

المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية الأساسية بعد عام 2024

المؤشر

أحدث بيانات رسمية متاحة حتى 15 تموز 2026

الدلالة في الدراسة

المصدر

التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار

(216 مليار دولار ( أفضل تقدير محافظ

يوضح ضخامة الفرص الاستثمارية وحجم التمويل المطلوب

البنك الدولي (World Bank)

نطاق تكلفة إعادة الإعمار

140–345 مليار دولار

يبين اختلاف السيناريوهات وفق سرعة التعافي

البنك الدولي (AP News)

تكلفة إعادة بناء البنية التحتية

82  مليار دولار

يبرر تركيز المستثمرين على قطاعات النقل والطاقة

البنك الدولي (AP News)

إعادة إعمار الأبنية السكنية

75  مليار دولار

يوضح حجم الطلب المتوقع على الاستثمار العقاري

البنك الدولي (QNA)

إعادة إعمار المنشآت غير السكنية

59  مليار دولار

يبرز فرص الاستثمار الصناعي والخدمي

البنك الدولي (QNA)

نسبة تكلفة الإعمار إلى الناتج المحلي لعام 2024

تقارب 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي

مؤشر على محدودية قدرة التمويل المحلي

البنك الدولي (World Bank)

نسبة السكان تحت خط الفقر

أكثر من 90%

يفسر ضعف الطلب المحلي واعتماد التعافي على الاستثمار الخارجي

صندوق النقد الدولي وتقارير الأمم المتحدة (AP News)

آخر وضع للعلاقة مع صندوق النقد

أول بعثة فنية منذ عام 2009، مع برنامج لدعم الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية

مؤشر على إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي الدولي

صندوق النقد الدولي (AP News)

وضع البنك الدولي

استئناف التعاون وإعادة تأهيل سوريا للحصول على التمويل الدولي بعد معالجة المتأخرات

يعزز الثقة المؤسسية لدى المستثمرين

البنك الدولي (World Bank)

مشروع المركز اللوجستي في ميناء طرطوس

(250 ألف طن شهرياً (الطاقة المستهدفة

مؤشر على عودة النشاط اللوجستي والتجاري

رويترز (Reuters)

 

 

التحسن الجزئي للحالة الأمنية وعلاقة بتدفق الاستثمارات

قيمت الدول الداعمة للثورة السورية الأمن من منظور سقوط النظام السابق وإغلاق ملف الحرب بين شرائح الشعب وضد “إسرائيل” وقطع العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران وحzب الله وفتح علاقات جديدة مع الطرفين الأمريكي والأوربي، وترجمت عمليات إحلال الأمن الداخلي واستتباب الأمن للقيادة الحالية والقضاء على التهديدات على أنها ثانوية مقارنة بالعمليات العسكرية الكبرى قبل سقوط النظام، وعلى هذا الأساس أقدمت على الخطوات النظرية والقانونية التي لم تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي، وبالاستعراض يمكن ذكر البيانات الأتية:

  1. الاستثمارات الأوروبية: يبدو أن الموقف الأوروبي أكثر حذراً، ورغم رفع الاتحاد الأوروبي معظم العقوبات الاقتصادية، فإن الشركات الأوروبية تشترط استقراراً أمنياً دائماً واستقلال القضاء وضمانات الملكية وشفافية مالية، الزيارة الأخير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته إلى دمشق، رافقه وفد من رجال الأعمال والمستثمرين الفرنسيين، في إشارة إلى اهتمام اقتصادي متزايد لكنه مشروط باستمرار الاستقرار.

  2. الاستثمارات الأمريكية: بعد رفع واشنطن معظم العقوبات الاقتصادية بدأت في تموز 2026 إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهـ ــاب، وهو ما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه خطوة لفتح الباب أمام التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، إلا أن الشركات الأمريكية الكبرى لا تزال تنتظر استقراراً أمنياً أطول وانخفاض مخاطر الإرهاب ووضوح البيئة القانونية.

  3. الاستثمارات العربية: تشير التقارير أن السعودية وقّعت خلال 2025 عشرات الاتفاقيات الاستثمارية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، كما أعلنت دول خليجية عن خطط استثمارية إضافية في إطار إعادة الإعمار، وتظهر هذه الدول الرغبة أكثر من غيرها في الاستثمار بسوريا.

 

 

خطر الانجرار إلى الاستثمار في سوريا من قبل الدول الكبرى اقتصادياً

تنظر الولايات المتحدة والدول الأوربية للاستثمار من منظور جيوسياسي يتضمن حجز مقعد وسيطرة على الحيز الجغرافي التحكم بالقرار إل حد التأثير بالقرار السياسي في سوريا بما فيه التوجه وشبكة العلاقات، لذا تختلف رؤيتهم عن رؤية الصين ذات المشاريع الاقتصادية الكبرى عالمياً، والسبب الكامن وراء التحذير من خطورة الانجرار خلف مشاريع استثمار كبرى يكمن بالواقع الاتي:

لغاية اليوم ومن باب التوصيف الواقعي، لا يمكن وصف سوريا أنّها دولة آمنة بالمعنى الذي يستخدمه المستثمرون الدوليون، لكن بالمقابل يمكن وصفها بأنها دولة أكثر استقراراً أمنياً من أي وقت منذ عام 2011، ولكن هذا لا يشجع الدولة ذات الاستثمارات الضخمة 100%، هنا يحضر المنطق الاستثماري القائل: في علم تقييم مخاطر الاستثمار لا يُسأل المستثمر هل توقفت الحرب؟ بل يسأل: هل يمكنني استثمار مليار دولار مع ضمان استرداد رأسمالي خلال 15 أو 20 عاماً؟ وهنا تختلف المعايير جذرياً.

لا يمكن اعتبار سوريا دولة آمنة بالكامل تبعاً لأسباب رئيسية منها أن الأمن ما يزال غير متجانس جغرافياً، ولأن المستثمر يقيس المخاطر المتوقعة وليس “عدد التفجيرات” على سبيل المثال قد تقع عملية إرهــ ـــابية واحدة فقط في السنة، لكنها تكفي لرفع أقساط التأمين وتكلفة التمويل وتكلفة الحماية الأمنية وتكلفة الشحن، أي أن العملية الأمنية قد تكون صغيرة عسكرياً لكنها كبيرة اقتصادياً.

 

الأمن السياسي لم يترسخ بالكامل والمستثمر يريد أن يعرف: هل ستبقى الحكومة الحالية مستقرة بعد خمس سنوات؟ هل ستتغير القوانين؟ هل العقود ستُحترم إذا تغيرت موازين القوى؟ هذه الأسئلة ما تزال مطروحة في دولة خارجة حديثاً من نزاع طويل.

 

الاستثمارات الكبرى وأسئلة الواقع السوري الأمني: يعتبر أحد أهم هذه الأسئلة السؤال القائل في أذهان المستثمرين المراقبين من الخارج وهو: إذا كان الكلام عن تحسن الأمن صحيح لماذا لم تبدأ الاستثمارات الكبيرة؟ الإجابة أن الأمن ليس سوى أحد شروط الاستثمار، وليس الشرط الوحيد، والاستثمارات التي أُعلن عنها لم تنفذ، وهناك فرق بين مذكرة تفاهم، وإعلان نوايا واتفاقية إطار، وقرار استثماري نهائي، وكثير مما أُعلن عنه منذ 2025 ما يزال في المرحلتين الأولى والثانية، وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة TotalEnergies أنّها تبحث عقداً للاستكشاف البحري، لكن رئيسها التنفيذي أوضح أن العودة إلى الاستثمار في الحقول البرية ليست ممكناً حالياً بسبب استمرار المخاطر الأمنية، وأن التنفيذ يحتاج إلى وقت واستقرار إضافي.  من جانب أخر، أن الإطار القانوني يمنح الدولة دوراً واسعاً في الوصول إلى السوق، وهو ما يدفع المستثمرين إلى التريث حتى تتضح آليات التنفيذ، رغم إعلان الحكومة السورية الجديدة عن إصلاح النظام المصرفي وتحديث قوانين الاستثمار وإعادة ربط القطاع المالي وتعديل التشريعات الاقتصادية.

إضافة لما سبق، القطاع المصرفي في طور التعافي ولم يتعافي من الخلل الهيكلي بعد، ورغم رفع معظم العقوبات، تحتاج البنوك الدولية إلى إعادة تقييم مخاطر سوريا وإعادة فتح خطوط الائتمان واستعادة علاقات المراسلة البنكية وبناء منظومة امتثال جديدة، وهذه عملية تستغرق عادة سنوات وليس أشهر فقط. البنية التحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل بسبب الحاجة إلى كهرباء مستقرة ومياه وطرق وسكك حديد وموانئ فعالة واتصالات موثوقة، حيث إن إعادة بناء هذه المنظومة تتطلب استثمارات عامة ضخمة تسبق كثيراً من الاستثمارات الخاصة، كما أن المستثمرون الكبار يتحركون تدريجياً في الدول الخارجة من الحروب كما هو معروف في حقل العلاقات الدولية، حيث تبدأ أولاً بالمساعدات ثم التجارة ثم الخدمات ثم المشاريع اللوجستية ثم الطاقة وأخيراً الاستثمارات الصناعية الضخمة، ولهذا نرى اليوم مشاريع مثل المركز اللوجستي الروسي في ميناء طرطوس ومباحثات شركات الطاقة الأوروبية وهي مؤشرات على دخول رأس المال بصورة تدريجية لا دفعة واحدة.

الملاحظة الهامة والدقيقة يجب التمييز بين الاستثمارات التشغيلية والمشاريع العملاقة، حيث تشير التقارير الاقتصادية المعلنة أن هناك مؤشرات فعلية تشمل توسع تسجيل الشركات المحلية والأجنبية ومشاريع في الموانئ والخدمات اللوجستية واهتمام خليجي بقطاعات السياحة والاتصالات والصحة ومباحثات متقدمة في قطاع الطاقة، بالمقابل ما زالت مشاريع الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات والتصنيع واسع النطاق محدودة لأنّها تتطلب يقيناً سياسياً وأمنياً أطول أمداً، وهنا ندقق أن بطء تدفق الاستثمارات الكبرى يعكس أن الاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى تراكم الثقة بمرور الوقت، كما في تجارب المقارنة مثل البوسنة ورواندا ولبنان بعد الحرب الأهلية، استغرق انتقال الاستثمارات من مرحلة الاهتمام إلى مرحلة التنفيذ الفعلي عدة سنوات رغم توقف القتال، لأن رأس المال الدولي يفضل الاستقرار المستدام على التحسن السريع.

 

 

الصين واختبارات الاستثمار في سوريا بعد عام 2024

كانت سوريا بموقعها الجغرافي وأهميتها الحضارية من منظور النظريات الجيبوليتيكية جزء محوري من مبادرة الحزام والطريق ولا تزال، ولقد سبق لها في سبيل مشروعها الجيوسياسي بأدواته الاقتصادية أن طرحت في سوريا مشاريع معلنة مثل تطوير المناطق الصناعية وإعادة تأهيل السكك الحديدية والاستثمار في الموانئ وإعادة إعمار البنية التحتية وتوسيع استثمارات شركات النفط الصينية مثل CNPC) –(Sinopec  في الحقول السورية، ولكن الحرب والعقوبات حالت دون تنفيذ معظم هذه الخطط، كما توقفت عمليات شركات النفط الصينية تدريجياً مع تدهور الوضع الأمني منذ 2011 مروراً بسقوط النظام لغاية استلام الحكومة الإنتقالية للحكم في سوريا، الحدث المحوري الذي جعل الصين تتبع حالياً سياسة يمكن وصفها بـالانتظار الاستراتيجي مع الحضور الاقتصادي المحدود. اتبعت بكين بعد سقوط النظام استراتيجية كما نلاحظ كمراقبين سوريين تقوم على ثلاثة مبادئ:

 

  1. الاعتراف بالحكومة الجديدة والتعامل معها دبلوماسياً.

  2. عدم تقديم قروض أو استثمارات سيادية ضخمة في المرحلة الحالية.

  3. تشجيع الشركات الخاصة على اختبار السوق تدريجياً دون التزام حكومي واسع.

 

 بالمقابل حدثت لقاءات سياسية رفيعة بين دمشق وبكين ترافقت مع تأكيد سوريا على التزامها بسياسة “الصين الواحدة” دون إعلان عن برنامج إعادة إعمار صيني شامل. وعلى الرغم من أن الاستثمارات الصينية في سوريا موجودة إلا ظانها في طبيعتها عن الصورة المتداولة، وفقاً  لتحليل اقتصادي حديث، فإن النشاط الصيني في 2025 شهد زيادة في الصادرات الصينية إلى سوريا، وارتفاعاً في الشحن البحري المباشر إلى الموانئ السورية، دخول شركات صينية خاصة إلى السوق في مجالات المعدات والإنشاءات والخدمات، وتوقيع بعض مذكرات التفاهم، مثل مذكرة مع شركة Fidi Contracting في قطاع الموانئ، ولكن جميع هذه المؤشرات عن التحركات الصينية لا ترقى إلى استثمارات حكومية ضخمة أو برنامج إعادة إعمار تقوده الدولة الصينية.

وبالنسبة للاستثمار في سوريا في موازين الحسابات الصينية الاستراتيجية فإن التصريحات الصينية والتقارير الغربية تُظهر أن الصين لغاية الوقت الراهن لم تطلق استثماراتها الكبرى وهذا ما يمكن ردّه وفق العقلية والعقيدة الصينية سياسياً وأمنياً واقتصادياً إلى عوامل متعددة:

 

  1. الحسابات الاقتصادية: تستثمر الصين بالحالة الطبيعية عندما تتوافر قدرة الدولة على السداد ووجود سوق قادرة على توليد عائد واستقرار طويل الأمد، وهنا جوهر المشكلة، فسوريا ما زالت تعاني من ضعف المالية العامة وانخفاض القوة الشرائية وحاجة كبيرة لإعادة الإعمار قبل تحقيق عوائد اقتصادية مجزية.

  2. الأمن: ترى بكين أن المخاطر الأمنية لم تختفِ بالكامل خاصة في بعض المناطق خارج المراكز الحضرية، كما تضع الصين أولوية لمسألة الجماعات الإيغورية المسلحة، وتربط توسيع التعاون الاقتصادي بضمانات أمنية في هذا الملف.

  3. المنافسة الإقليمية: دخلت دول الخليج بقوة إلى السوق السورية، وأعلنت السعودية وقطر والإمارات عن مشاريع بمليارات الدولارات في الطاقة والمطارات والاتصالات، وهو ما جعل الصين تراقب السوق بدلاً من الانخراط في عمليات التنافس السريع.

  4. السياسة المالية الصينية: أصبحت بكين في السنوات الأخيرة أكثر حذراً في تمويل مشاريع البنية التحتية الخارجية، وتركز على استثمارات تحقق عائداً واضحاً بدلاً من تقديم قروض ضخمة كما كان الحال في العقد الماضي.

  5. الضغوط الأمريكية: ضغطت واشنطن على الحكومة السورية الجديدة لتقليل الاعتماد على تقنيات الاتصالات الصينية في إطار تنافسها مع بكين في قطاع التكنولوجيا، وهذا أحد المؤشرات التي تعكس أن الملف الاقتصادي السوري أصبح أيضاً ساحة تنافس جيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.

 

 

توصيات للشركات الصينية المهتمة بالاستثمار

بإيجاز شديد، لا يمكن القول إن الصين انسحبت من سوريا ولكنها غيّرت استراتيجيتها، فبدلاً من ضخ مليارات الدولارات فوراً، تعتمد اليوم على التوسع التجاري ودخول الشركات الخاصة وبناء العلاقات مع الحكومة الجديدة وانتظار تحسن البيئة الاقتصادية والأمنية قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة، هذا المنطق يقر بأن الصين في حال الاستقرار الأمني والسياسي التام خلال الأعوام القليلة المقبلة بالترافق مع استقرار البيئة القانونية والمالية، فإن الصين ستعود بقوة إلى قطاعات تتمتع فيها بميزة تنافسية، مثل الطاقة، والموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والاتصالات، وهي القطاعات التي تنسجم مع استراتيجيتها الأوسع في مبادرة الحزام والطريق.

 

التوصيات للمستثمر الصيني

بناءاً على توصيف ودراسة الواقع يجب أن تركز على كيفية صيانة النفوذ الصيني بأقل الخسائر:

  1. فتح قنوات اتصال غير رسمية مع قوى المعارضة والنخب التكنوقراطية الصاعدة، والقوى الإقليمية المؤثرة في المشهد السوري الجديد مثل تركيا والدول الخليجية، لضمان الاعتراف بالعقود والاتفاقيات الاقتصادية المبرمة سابقاً تحت بند (استمرارية الدولة) وليس (شرعية النظام).

  2. تسويق المشاريع الصينية كـحاجة إنسانية وتنموية ملحة للشعب السوري لتقليل الفيتو السياسي ضدها من السلطات الجديدة بما أنهم رضخوا للتحزب الأيديولوجي والإملاءات الأمريكية، من منطلق أن الصين تمتلك ميزة لا تمتلكها قوى كثيرة، وهي القدرة على إعادة الإعمار السريع وتقديم حلول تكنولوجية في الاتصالات والطاقة المتجددة بأسعار منخفضة وبدون شروط سياسية.

  3. الابتعاد عن الاستثمارات الضخمة الثابتة في سوريا والتي يسهل استهدافها أو مصادرتها، والتركيز بدلاً من ذلك على قطاعات الخدمات والتوريدات والاستشارات التكنولوجية وشراكات الامتياز التي يمكن تجميدها أو سحبها بسرعة في حال تدهور الوضع الأمني.

  4. عدم الدخول في أي مشروع استثماري في الحقبة الانتقالية دون غطاء تأميني كامل ضد المخاطر السياسية من مؤسسات دولية أو صينية متخصصة مثل لضمان تعويض الخسائر في حال حدوث اضطرابات سياسية مفاجئة.

  5. التركيز على المناطق الآمنة حصراً عبر التدرج بإنشاء منطقة استثمارية تجريبية صينية عن طريق الشروع باختراق دبلوماسي عالي المستوى تمهيداً لإقامة علاقات اقتصادية تتمثل بمشاريع استثمارية في منطقة الساحل السوري من قبيل الاستثمار في منشآت تحقق تدفقات نقدية مباشرة مثل محطات الطاقة الشمسية والمراكز اللوجستية والمستودعات الجمركية والمناطق الصناعية الجاهزة ومراكز صيانة المعدات بالشكل الذي يقلل فترة استرداد رأس المال ويخفض المخاطر، بالاستفادة من كون منطقة الساحل منطقة نفوذ روسي حليفة الصين وتقل ميزة التصادم ويرتفع معدل التنسيق بما يكفل لها الانتقال من مناطق محدودة ثم الانتقال إلى استثمارات أوسع.

  6. تأسيس صندوق صيني- سوري، لضمان معالجة ارتفاع تكلفة التأمين المخاطر بوصفه أحد أكبر عوائق الاستثمار، ويمكن للصين إنشاء صندوق مشترك يساهم في تغطية جزء من المخاطر السياسية وضمان تعويض المستثمرين في حالات الاضطراب وتشجيع الشركات الخاصة الصينية على دخول السوق مثل هذا الصندوق سيكون أكثر تأثيراً من تقديم قروض إضافية.

  7. ربط سوريا بسلاسل التوريد الصينية الإقليمية: بمعنى استخدامها كمنصة إنتاج وتصدير نحو العراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط بدلاً من النظر إلى سوريا كسوق استهلاكية فقط، وهذا يمنح الاستثمار بعداً إقليمياً يتجاوز حجم السوق السورية وحدها.

  8. إنشاء منظومة استخبارية اقتصادية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية وبيانات النقل البحري والبري والبيانات المالية وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي ومؤشرات الأمن المحلية، ثم تُربط هذه البيانات بلوحة تحكم (Dashboard)، التي تُحدّث يومياً بحيث تُعدَّل قرارات الاستثمار تلقائياً وفق مستوى المخاطر في كل قطاع وكل منطقة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى