الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

سيناريوهات العملية البرية الأميركية في إيران.. كيف يمكن أن تتطور؟

 يستبعد خبراء عسكريون احتمال شن غزو أميركي واسع النطاق لإيران، لكنهم لا يستبعدون تنفيذ عمليات برية محدودة ذات أهداف تكتيكية محددة..

 

بقلم: جون هالتيوانغر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتزايد المخاوف بشأن احتمال انتقال الصراع إلى مرحلة العمليات البرية، في ظل استمرار الضربات الجوية الأمريكية المكثفة دون أن تحقق هدفها المتمثل في كسر إرادة طهران أو دفعها إلى تغيير سلوكها العسكري، ويأتي ذلك في وقت باتت فيه السيطرة على مضيق هرمز تمثل محورًا رئيسًا للصراع بما يحمله من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية واستقرارها. وفي هذا السياق امتنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استبعاد خيار الدفع بقوات برية إلى ساحة العمليات، في حين أشارت تقارير إلى أن واشنطن عززت وجودها العسكري في المنطقة بإرسال قوات إضافية شملت عناصر من قوات العمليات الخاصة ووحدات طبية، في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق البدائل العسكرية المتاحة أمام الإدارة الأمريكية.

وخلال جلسة استماع عقدها الكونغرس هذا الأسبوع طالب عدد من المشرعين كبار المسؤولين العسكريين بتوضيح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تدرس بجدية خيار تنفيذ عملية برية داخل إيران، ولم يحسم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين هذا الاحتمال إذ تجنب الإفصاح عما إذا كان القتال البري يمثل المرحلة التالية من العمليات، مكتفيًا بالإشارة إلى أن “القوة الجوية لها حدود” ومؤكدًا في الوقت نفسه أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تعمل باستمرار على إعداد طيف واسع من الخيارات العملياتية تحسبًا لمختلف السيناريوهات. ورغم مؤشرات التصعيد يرى عدد من القادة العسكريين الأمريكيين السابقين والخبراء الاستراتيجيين أن المعطيات الحالية لا توحي بأن الولايات المتحدة تتجه نحو شن عملية برية واسعة داخل إيران، إذ إن مثل هذه العملية ستتطلب حشد قوات يفوق بكثير نحو 50 ألف جندي ينتشرون حاليًا في المنطقة، ومع ذلك فإنهم لا يستبعدون اللجوء إلى عمليات برية محدودة النطاق تشمل السيطرة على جزر ذات أهمية استراتيجية، مثل جزيرة خرج أو تنفيذ غارات تنفذها قوات العمليات الخاصة ضد أهداف عسكرية محددة.

وفي هذا الإطار أوضح الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية خلال الفترة (2016-2019)، أنه لا يرى مؤشرات على نية واشنطن الدفع بقواتها إلى عمق الأراضي الإيرانية أو إلى العاصمة طهران، كما استبعد أن تكون الإدارة الأمريكية بصدد الإعداد لعمليات برية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

ويرى فوتيل أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تنفيذ غارات برية محدودة تستهدف مواقع عسكرية ذات أهمية حيوية قد تشمل القدرات التي تعتمد عليها إيران في إدارة عملياتها العسكرية، ولا سيما المنتشرة في المناطق الساحلية أو في بعض المواقع الداخلية القريبة منها، ومن بين الأهداف المحتملة مراكز القيادة والسيطرة ومنصات إطلاق الصواريخ ومستودعات التخزين وعقد الاتصالات فضلًا عن البنية التحتية العسكرية التي تمكّن إيران من مواصلة التأثير في مسار العمليات داخل مضيق هرمز.

في المقابل يؤكد فوتيل أن أي عملية عسكرية أوسع نطاقًا كالسعي إلى السيطرة على أجزاء من الأراضي الإيرانية المطلة على مضيق هرمز بهدف إعادة فتح الممر الملاحي ستستلزم نشر ما لا يقل عن مائة ألف جندي، وهو ما يجعلها عملية معقدة وعالية الكلفة، ويضيف أن اتساع رقعة العمليات إلى جانب توقع مقاومة إيرانية عنيفة سيضاعف من التحديات العسكرية التي ستواجهها القوات الأمريكية. وعلى الرغم من أن الجيش الإيراني لا يُعد من بين أقوى الجيوش التقليدية في العالم فإنه يمتلك القدرة على إطالة أمد المواجهة وإلحاق خسائر بالقوات المهاجمة، كما ستواجه الولايات المتحدة تحديات لوجستية كبيرة تتعلق بنقل القوات وتأمين الإمدادات، نتيجة الطبيعة الجغرافية لإيران وغياب قواعد انطلاق برية مباشرة تسهّل تنفيذ عمليات واسعة النطاق. وفي هذا الصدد يشير الخبراء إلى أن الغزو الأمريكي للعراق استفاد من وجود الكويت بوصفها قاعدة انطلاق رئيسة للقوات الأمريكية، بينما تفتقر واشنطن في الحالة الإيرانية إلى منفذ جغرافي مماثل، الأمر الذي يعزز الشكوك بشأن واقعية تنفيذ غزو بري شامل.

ومن جانبه يرى العقيد المتقاعد في سلاح مشاة البحرية الأمريكية مارك كانسيان كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولي (CSIS)، أن احتمال تنفيذ عملية برية واسعة داخل الأراضي الإيرانية يكاد يكون معدومًا، واصفًا هذا الخيار بأنه ينطوي على مخاطر استثنائية، لا سيما في ظل امتلاك إيران قوات برية يناهز قوامها مليون عنصر. ومع ذلك يعتقد كانسيان أن السيطرة على بعض الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية تمثل خيارًا أكثر قابلية للتنفيذ، فالقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة بما فيها وحدات مشاة البحرية والقوات المحمولة جوًا تمتلك القدرة على السيطرة على جزر مثل جزيرة خرج، إلا أن مثل هذه العملية ستُعد معركة كبرى إذ ستكون القوات الأمريكية عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بما يجعل وقوع خسائر بشرية أمرًا شبه حتمي، وإن كان من المستبعد أن تتمكن إيران من حشد قوة نارية كافية لإجبار تلك القوات على الانسحاب. ويشير كانسيان إلى أن الأهمية الاستراتيجية لمثل هذه العملية تكمن في استخدامها كورقة ضغط لإجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، فرغم أن جزيرة خرج تقع على مسافة تقارب 400 ميل من المضيق داخل الخليج فإنها تمثل الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية، الأمر الذي يجعلها نقطة ضغط استراتيجية قد تمنح واشنطن نفوذًا تفاوضيًا أكبر في مواجهة طهران.

 

 

ومع ذلك لا يحظى هذا السيناريو بإجماع بين الخبراء، فبينما يقر فوتيل بالأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لجزيرة خرج بالنسبة لإيران ويرى أن السيطرة عليها قد تحقق مكاسب تكتيكية محدودة فإنه يشكك في قدرتها على إحداث تحول حاسم في معادلة الصراع أو في ضمان إعادة فتح مضيق هرمز، فضلًا عن أنها قد لا تسهم بصورة ملموسة في تحقيق الأهداف العملياتية الأوسع التي قد تسعى إليها الولايات المتحدة. كما تساور المشرعين في واشنطن مخاوف جدية إزاء المخاطر المترتبة على نشر قوات برية داخل إيران بما في ذلك أي عمليات محتملة للسيطرة على الجزر، وفي هذا السياق قال النائب الديمقراطي (تيد ليو) وهو من قدامى المحاربين في القوات الجوية الأمريكية وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إنه لا يرى كيف يمكن للولايات المتحدة السيطرة على جزيرة دون أن تتعرض قواتها لإطلاق النار من الجانب الإيراني بشكل يومي، وأضاف أن المشكلة لا تكمن في قدرة الجيش الأمريكي على السيطرة على الأراضي فهذه القدرة لا خلاف عليها وإنما في ما سيحدث بعد ذلك.

وأوضح ليو أن الاستيلاء على الأراضي لا يعني انتهاء الحرب إذ يتعين على القوات الأمريكية الاحتفاظ بتلك الأراضي وتأمينها وهو ما يمثل التحدي الحقيقي، ورأى أن استمرار الولايات المتحدة في إدارة عمليات عسكرية للحفاظ على أراضٍ داخل إيران سيقودها إلى الانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد، على غرار الحروب الممتدة التي استنزفتها في السابق. وأعرب عدد من أعضاء الحزب الجمهوري عن مخاوف مماثلة، فقد وصف النائب الجمهوري بات هاريغان وهو عنصر سابق في قوات القبعات الخضراء وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، إيران بأنها “أخطر بؤرة للصراع” محذرًا من أن نشر قوات أمريكية على الأراضي الإيرانية سيحول نزاعًا بالغ الخطورة إلى حرب طويلة الأمد. ويمثل نشر قوات برية في إيران مهما كان نطاقه مخاطرة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، فالحرب التي أسهمت في ارتفاع أسعار الوقود لا تحظى بتأييد واسع لدى الناخبين الأمريكيين، كما يدرك الجمهوريون أن استمرارها قد يقوض أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني. ومع ذلك شدد ليو على أن سجل ترامب في اتخاذ قرارات عالية المخاطر يجعله غير مستبعد لخيار التدخل البري مستشهدًا باستعداده لإرسال قوات برية إلى فنزويلا في وقت سابق من العام، وقال ليو “لا أقلل أبدًا من قدرة دونالد ترامب على اتخاذ قرارات متهورة وضارة، ويبدو أنه يمتلك تصورًا مشوهًا للواقع ولا أعتقد أنه يتلقى المعلومات الدقيقة من مستشاريه بل يبدو معزولًا عن الأخبار غير السارة، ولذلك أرى أنه قد يعتبر في تقديره الشخصي أن الغزو البري خيارًا قابلًا للتنفيذ”.

وفي موازاة ذلك أفاد تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست بأن وزارة الدفاع الأمريكية لم تُطلع البيت الأبيض بصورة كاملة على حجم النقص في الذخائر الناجم عن استمرار الحرب، وهو ما قد يحد من خيارات ترامب في توسيع نطاق العمليات العسكرية، إلا أن البيت الأبيض نفى هذه المزاعم مؤكدًا عدم وجود أي تباين بين الرئيس ووزارة الدفاع. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض (آنا كيلي) إن أي ادعاء يفيد بأن القائد الأعلى للقوات المسلحة لا يتلقى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب من البنتاغون هو “ادعاء غير منطقي”، وأضافت أن القوات المسلحة الأمريكية تمتلك من الذخائر والأسلحة والمخزونات العسكرية ما يكفي لتحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية للرئيس ترامب، بل وأكثر من ذلك مؤكدة أن عملية “الغضب الملحمي” كشفت بوضوح عواقب استهداف الولايات المتحدة.

وأضافت كيلي أن الرئيس ترامب حث شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية على مواصلة زيادة إنتاج الأسلحة المصنعة محليًا مؤكدة أنها تمثل الأفضل على مستوى العالم، وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه إدارة ترامب تدقيقًا متزايدًا بشأن أهدافها من الحرب، بعد أن شهدت تلك الأهداف تغيرات متكررة الأمر الذي صعّب على المؤسسة العسكرية تنفيذ مهامها ضمن رؤية استراتيجية واضحة. وفي هذا السياق أكد الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل أن القوات المسلحة الأمريكية نفذت جميع المهام التي أُنيطت بها بأعلى درجات الكفاءة، إلا أنه أشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في غياب وضوح الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى للحرب، وهو ما يجعل من الصعب تقييم الاتجاه الذي تسير نحوه العمليات العسكرية على المدى الطويل.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى