الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

شنغهاي.. كيف تبني الصين نفوذها الإقليمي بصمت؟

بقلم: الباحث نور كريم كاظم

 

في عالم تتسارع فيه وتيرة الابتكار العسكري والتكنولوجي تسعى قوى ذات امتداد حضاري كالصين الى إعادة صياغة وتوظيف الاليات القوة أذ تُشكل التحالفات والمؤسسات الإقليمية متغيراً هجيناً يجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة في سياق التوازن القائم في شرق آسيا تُشكل هذه المؤسسات سبلاً للتأثير والردع المضاد ضد التهديدات الإقليمية القائمة واستناداً إلى فرضية نظرية توازن التهديدات، التي تنص على أن التهديدات تُحفز التحالفات وتشكيل التكتلات داخل المؤسسات المضادة والتحالفات التي تُترجم تصوراتها للتهديدات إلى أشكال تعاونية أو شاملة، تبرز منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) كنموذج مؤسسي آسيوي بقيادة صينية لتقويض النفوذ الغربي في المنطقة الاسيوية.

 

منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) الأداة المؤسسية للصين في شرق اسيا

تُعدّ منظمة شنغهاي للتعاون النتيجة الأهم لنضج العلاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية بين قوى منطقة اوراسيا ويشير ظهور المنظمة، التي تُرسي نظاما إقليمياً مؤسسياً جديداً إلى رغبة تلك القوى وأبرزها الصين وروسيا في إيجاد مسارات للتفاعل بعيداً عن هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. تهدف منظمة شنغهاي للتعاون إلى بناء نظام عالمي متعدد المراكز، يتماشى مع قواعد القانون الدولي ومبادئ الاحترام المتبادل، ويخدم مصالح جميع الدول ولا تهيمن عليه قوى معينة كما ولا تُقدم المنظمة نفسها كتحالف عسكري، بل كمنظمة تُركز أهدافها على تعزيز الاستقرار والأمن داخل الدول الأعضاء، ومكافحة الإرهاب والتطرف، والصراعات الانفصالية وتجارة المخدرات، وتطوير التعاون الاقتصادي والشراكات في مجالات العلوم والثقافة والطاقة بين الدول الأعضاء.

وبالتالي، توظف الصين العضو المؤسس الأبرز المنظمة كأداة استراتيجية في ظل التوازن الإقليمي القائم أذ لم تعد المنظمة مجرد إطار أوراسي للتعاون الأمني ​​والاقتصادي، بل أصبحت إطاراً للردع الإقليمي متعدد الابعاد في منطقة شرق آسيا، في ظل تصاعد سياسات وممارسات الاحتواء التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة.

 

منظمة شنغهاي

 

البعد العسكري الأمني للمنظمة

توظف الصين منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) لبناء منصة تعاون أمني متعدد الأطراف تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المناطق المحيطة بها وتعزيز نفوذها الإقليمي. ومن خلال المنظمة عززت الصين تعاونها الأمني ​​مع دول آسيا الوسطى، مما ساعد على الحد من نفوذ الولايات المتحدة واليابان، اللتين تسعيان إلى توسيع وجودهما في المنطقة من خلال عسكرة أدوارهما الخارجية. وتُعد التدريبات العسكرية المشتركة للمنظمة مثالاً واضحاً على كيفية استخدام الصين للمنظمة لتعزيز قدراتها الأمني. كما إن مشاركة الصين من خلال المنظمة ومكافحة الإرهــ ــاب في المنطقة الآسيوية وحدود شرق آسيا ستُقلل من الحاجة إلى القوات الأمريكية وحلفائها، ويخلق مجال نفوذ صيني ويعزز الردع والقدرات الاستخبارية والعسكرية في محيطها الجغرافي. لذلك أنشأت منظمة شنغهاي للتعاون مؤسسة أمنية تسُمى “الجهاز الإقليمي لمكافحة الإرهــ ـــاب” (RATS)، ومقرها طشقند عاصمة أوزبكستان تشمل أنشطة الجهاز تحليل تحركات الإرهــ ــاب الإقليمية، وتبادل المعلومات حول التهديدات الإرهــ ــابية، وتقديم المشورة بشأن سياسات مكافحة الإرهــ ــاب، وتبادل المعلومات الاستخبارية حول قضايا الأمن الإقليمي.

وعليه، تُركز الصين على الأبعاد العسكرية والأمنية للمنظمة، مستخدمةً إياها لتأمين المناطق المحيطة بها وتحويل بحر الصين الجنوبي إلى منطقة خاضعة لسيطرة عسكرية صينية شبه كاملة. هذا بالإضافة إلى خلق ردع وزيادة القدرة على التأثير في ميزان القوى، مما يحد من قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على التدخل العسكري المباشر في المنطقة.

 

البعد الاقتصادي للمنظمة

تعتمد اقتصادات الصين والقوى الإقليمية الرئيسية في شرق آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية) اعتماداً كبيراً على واردات المواد الخام والطاقة، التي تمتلكها معظم دول آسيا الوسطى بوفرة. وقد وفرت منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) للصين منصة لتطوير علاقاتها وتوسيع نفوذها مع دول آسيا الوسطى على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف، مما يشكل تهديداً لأمن الطاقة في اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان بشكل شبه كامل على مصادر الطاقة من غرب ووسط آسيا. وهكذا أصبحت منظمة شنغهاي للتعاون آلية لتعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني في آسيا الوسطى، وتوسيعه إلى ما وراء شرق آسيا ليشمل مناطق النفوذ الأمريكي، من خلال مشاريع ومبادرات استراتيجية، أبرزها مبادرة الحزام والطريق، التي تُعدّ الأداة الاقتصادية غير الرسمية للمنظمة. بالإضافة إلى مبادرة الحزام والطريق، سعت الصين إلى تعزيز التكامل الاقتصادي داخل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، حيث أطلقت مبادرات لتعزيز التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء، مثل بنك التنمية التابع للمنظمة ومجلس أعمالها. وتهدف هذه الجهود إلى تقليل الاعتماد على النظام الاقتصادي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وتعزيز الروابط الاقتصادية بين أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون، وبالتالي توسيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي للصين في شرق آسيا وإعادة تشكيل ميزان القوى لصالحها.

 

البعد الدبلوماسي القيمي

يشمل بُعد الدبلوماسية القائمة على القيم في منظمة شنغهاي للتعاون الأبعاد الرمزية والمعيارية التي تسعى الصين من خلالها إلى إعادة تعريف مفاهيم النظام الإقليمي ويؤكد هذا البُعد على رؤية جميع الأطراف داخل المنظمة، ويدعو إلى عالم متعدد الأقطاب يُسهم في استقرار طويل الأمد، ويحترم التنوع الثقافي والقيمي لجميع الدول على قدم المساواة، ويرفض سياسات الإقصاء والتهميش الليبرالية. وتختلف هذه الرؤية الآسيوية عن هيمنة الولايات المتحدة ومعاييرها الليبرالية الغربية.

بالنسبة للصين، تُمثل منظمة شنغهاي للتعاون عنصراً أساسياً في استراتيجيتها الإقليمية والعالمية. وتوفر المنظمة للصين منصةً لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى وتتمسك الصين بمبادئها في السيادة وعدم التدخل، مما يُوائم سياسات المنظمة مع رؤيتها الإقليمية وعلى مدى العقدين الماضيين، عملت منظمة شنغهاي للتعاون ضمن هيكلها التنظيمي، مُشكلةً آليةً للاجتماعات والتعاون. طورت المنظمة آلياتٍ لاجتماعاتٍ بأحجامٍ مختلفة، وأنواعٍ ومستوياتٍ مختلفة كان أبرزها القمة التي عُقدت في الصين عام 2025، والتي دعا فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ في كلمته الافتتاحية للقمة إلى أن تصبح منظمة شنغهاي للتعاون “نموذجاً للعلاقات الدولية الجديدة وعلينا أن ندافع عن التعددية القطبية المتوازنة، والعولمة الاقتصادية الشاملة، وأن نعزز نظام حوكمة عالمياً أكثر عدلاً وإنصافاً” وهذا يُشير إلى تجلٍّ حقيقي للتوجهات الصينية، وتفعيل دور المنظمة كثقلٍ موازنٍ حقيقي للمؤسسات الغربية في المنطقة الآسيوية، وخاصةً شرق آسيا مما يدفع نحو إدراك تهديدٍ قيميٍّ بالغ الأهمية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها (اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان) وقيمهم الليبرالية والنظام العالمي القائم.

 

خاتمة

لم يعد ميزان القوة والتهديد الإقليمي قائم على قياس القوة العسكرية بل أضحى المتغير المؤسسي بيدق فاعل في استشعار التغير والتحول الحاصل أذ لا تكمن أهمية منظمة شنغهاي للتعاون في حجم عضويتها أو طبيعة اجتماعاتها، بل في قدرتها على تحويل النفوذ الصيني من قوة مادية إلى قوة مؤسسية راسخة وفاعله في النظام الإقليمي  بالإضافة الى ان  الصين لا تسعى  إلى توسيع حضورها الإقليمي فحسب، بل إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في آسيا من خلال مؤسسات تمنحها مزيداً من الشرعية والنفوذ وبينما تواصل الولايات المتحدة الاعتماد على التحالفات العسكرية، تراهن بكين على أن المؤسسات الإقليمية قد تصبح إحدى أكثر أدوات القوة فعالية في القرن الحادي والعشرين في ظل تسارع وتيرة التغيرات الحاصلة بالمنطقة وعليه يبقى السؤال الأساسي مطروح على طاولة النقاش هل سوف تنجح الصين ذات الامتداد الحضاري في توظيف الترابط الاسيوي ومنظمة شنغهاي خدمة لمصالحها ام سوف تنجح العولمة الامريكية والغربية في الهيمنة على المؤسسات الدولية والنظام الدولي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى