الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الأردن في قلب التنافس الأميركي – الإيراني

بقلم: بختيار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تبحث هذه الورقة في موقع الأردن داخل منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها الولايات المتحدة، في ظل تصاعد التنافس الأمريكي–الإيراني وتزايد احتمالات انتقال المواجهة بين الطرفين إلى الدول الحليفة لواشنطن وتنطلق من فرضية مفادها أن ضعف موقف الأردن لا ترتبط أساساً بضعف قدراته العسكرية أو الأمنية، بل بالتناقض المتزايد بين موقعه الاستراتيجي كحليف رئيسي للولايات المتحدة وبين البيئة السياسية والاجتماعية الداخلية التي تتأثر بصورة عميقة بالحرب “الإسرائيلية”  في غزة، والقضية الفلسطينية، والعلاقة الأمنية الوثيقة بين عمّان وواشنطن. وتجادل بأن الجمهورية الإسلامية في إيران لا تحتاج بالضرورة إلى استهداف النظام السياسي الأردني بصورة مباشرة من أجل إضعاف الوجود الأمريكي في المملكة؛ إذ يمكن أن يتحقق جزء من هذا الهدف من خلال رفع الكلفة السياسية والاجتماعية للشراكة الأردنية–الأمريكية، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحويل الأراضي الأردنية إلى ساحة ضغط غير مباشر على الاستراتيجية الأمريكية و”الإسرائيلية”.

وتخلص الورقة إلى أن الأردن يمثل في الوقت نفسه نقطة قوة ونقطة ضعف في الاستراتيجية الأمريكية. فهو حليف مستقر، وموقع جغرافي بالغ الأهمية، وشريك استخباري وأمني رئيسي، لكنه يمتلك هامشاً اقتصادياً واستراتيجاً محدوداً، كما أن القضية الفلسطينية تجعل المجتمع الأردني شديد الحساسية تجاه أي صراع إقليمي تكون “إسرائيل” والولايات المتحدة طرفين فيه. ولذلك فإن الحفاظ على الأردن لا يتطلب زيادة الدعم العسكري فقط، بل يتطلب أيضًا معالجة مصادر الهشاشة السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ في الصراع الأمريكي–الإيراني.

يحتل الأردن موقعاً استثنائياً في الخريطة الجيوسياسية “للشرق الأوسط”. فالمملكة تقع في نقطة تماس بين العراق وسوريا وفلسطين والسعودية، وتجاور “إسرائيل” والضفة الغربية، كما تمثل حلقة جغرافية تربط المشرق العربي بشبه الجزيرة العربية. هذه الجغرافيا جعلت الأردن، منذ عقود، جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”.

وقد تطورت العلاقات الأردنية–الأمريكية من علاقة سياسية واقتصادية إلى شراكة أمنية وعسكرية واستخبارية واسعة. واستضاف الأردن قوات ومنشآت أمريكية، وشارك في عمليات مكافحة الإرهـ ـاب، كما أصبح شريكاً أساسياً في التعامل مع أزمات العراق وسوريا وتنظيمات ما دون الدولة. إلا أن أهمية الأردن الاستراتيجية تقابلها ضعف داخلي لا يمكن تجاهلها.

فالمملكة تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية، وتواجه تحديات اقتصادية وديموغرافية ومائية، بينما تحتل القضية الفلسطينية مكانة مركزية في الوعي السياسي والاجتماعي الأردني. كما أن قرب الأردن من الأراضي الفلسطينية و”إسرائيل” يجعله أكثر تأثراً من العديد من الدول العربية الأخرى بتطورات الصراع الفلسطيني–”الإسرائيلي”. ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما ازدادت أهمية الأردن بالنسبة إلى الاستراتيجية الأمريكية، ازدادت احتمالات تحوله إلى هدف للضغط غير المباشر من خصوم الولايات المتحدة.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً في ظل التنافس المتصاعد بين واشنطن وطهران؛ إذ لا تقتصر المواجهة بين الطرفين على البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ أو جبهة المقاومة، بل تشمل شبكة واسعة من التحالفات والقواعد العسكرية والممرات الجغرافية والسرديات السياسية. وضمن هذا السياق، يصبح السؤال الرئيسي:

هل يمثل الأردن الحلقة الأكثر ضعفا في منظومة النفوذ الأمريكي في “الشرق الأوسط”، أم أن قدرته على التكيف السياسي والأمني تجعله أكثر صموداً مما يبدو؟

 

أهمية الأردن في الاستراتيجية الأمريكية

تنبع أهمية الأردن من مجموعة عوامل متداخلة:

  1. الموقع الجغرافي: يشكل الأردن منطقة عازلة بين عدد من بؤر الصراع الرئيسية في “الشرق الأوسط”. فهو قريب من العراق، سوريا، “إسرائيل”، الضفة الغربية، لبنان، والسعودية. وبالتالي يمكن للقوات والاستخبارات الأمريكية استخدام البيئة الجغرافية الأردنية لمراقبة عدد من مسارح الصراع الإقليمية.

  2. الشراكة الأمنية: أصبح الأردن منذ عقود شريكاً مهماً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهـ ـاب وتبادل المعلومات الاستخبارية والتدريب العسكري. وهذا يجعل المملكة أكثر من مجرد حليف سياسي؛ إنها جزء من البنية الأمنية الأمريكية الإقليمية.

  3. الاستقرار السياسي: يمثل استقرار النظام الأردني قيمة استراتيجية لواشنطن. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الأردن فقط بوصفه دولة صديقة، وإنما باعتباره عنصراً من عناصر الاستقرار في منطقة شديدة الاضطراب. ولهذا فإن أي أزمة داخلية كبيرة في الأردن يمكن أن تؤثر في ملفات تتجاوز حدود المملكة نفسها.

 

الجغرافيا السياسية لضعف الأردن

يمكن تفسير ضعف الأردن من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:

  1. الضعف الاقتصادي: يعاني الأردن من محدودية الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والطاقة، ويعتمد بدرجات مختلفة على المساعدات والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية الخارجية. وهذا يقلل من قدرة المملكة على اتخاذ قرارات استراتيجية مكلفة من دون حساب ردود فعل الحلفاء.

  2. الضعف الديموغرافي: تشكل القضية الفلسطينية عنصراً شديد الحساسية في المجتمع الأردني بسبب التاريخ المشترك والهجرات الفلسطينية المتعاقبة والروابط العائلية والاجتماعية العابرة للحدود. وبالتالي لا يمكن فصل السياسة الخارجية الأردنية تجاه فلسطين عن السياسة الداخلية.

  3. الضعف الجيوسياسي: الأردن محاط بدول ومناطق شهدت حروباً واضطرابات خلال العقود الأخيرة. العراق من الشرق، وسوريا من الشمال، و”إسرائيل” والضفة الغربية من الغرب، والسعودية من الجنوب. وهذا يجعل المملكة تقع وسط مجموعة من خطوط التوتر الإقليمية.

 

القضية الفلسطينية باعتبارها متغيراً استراتيجياً

ربما تكون القضية الفلسطينية أهم عامل يمكن أن يؤثر في العلاقة بين المجتمع الأردني والسياسة الخارجية للدولة. فالسياسة الأردنية الرسمية تحافظ على علاقات مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بينما يظل جزء مهم من الرأي العام الأردني شديد الانتقاد “لإسرائيل” والولايات المتحدة. وقد أدى استمرار الحرب في غزة منذ تشرين الأول 2023 إلى زيادة حدة هذا التناقض. وهنا تظهر معادلة خطيرة: كلما تصاعدت الحرب “الإسرائيلية”، ارتفعت الحساسية الشعبية تجاه الولايات المتحدة؛ وكلما ارتفعت الحساسية تجاه الولايات المتحدة، أصبحت الشراكة الأردنية–الأمريكية أكثر عرضة للاستغلال السياسي. وهذا لا يعني بالضرورة أن المجتمع الأردني يتجه نحو تأييد الجمهورية الإسلامية في إيران. فهذه نقطة يجب التمييز فيها بوضوح. رفض “إسرائيل” أو انتقاد الولايات المتحدة لا يعني تلقائياً تأييد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكن الجمهورية الإسلامية في إيران تستطيع الاستفادة من هذه الفجوة حتى من دون أن تحصل على دعم شعبي مباشر.

 

الجمهورية الإسلامية في إيران وأسلوب الضغط غير المباشر

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية الإقليمية تاريخياً بدرجة كبيرة على مفهوم الضغط غير المباشر. ويتم ذلك من خلال مجموعة أدوات كالفصائل المسلحة الحليفة، الصواريخ والطائرات المسيّرة، الحرب الإعلامية، شبكات النفوذ السياسي، الخطاب المعادي “لإسرائيل”، واستثمار المظالم المحلية. وبالنسبة للأردن، فإن الأداة الأكثر حساسية ليست بالضرورة السيطرة على الأراضي، وإنما رفع تكلفة التحالف مع واشنطن. أي أن الهدف المحتمل لا يكون إسقاط النظام الأردني بل جعل التعاون الأردني–الأمريكي أكثر تكلفة سياسياً وأمنياً وهذا فرق استراتيجي مهم.

 

 

الأردن كساحة للحرب غير المباشرة

إن تحول الأراضي الأردنية إلى ساحة للهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، قد تظهر ثلاثة أنواع من التأثيرات:

التأثير الأول أمني: تتعرض القواعد والمنشآت والقوات الأمريكية للخطر. وهذا يدفع واشنطن إلى زيادة أنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة.

التأثير الثاني سياسي: قد تجد الحكومة الأردنية نفسها مضطرة إلى توضيح طبيعة وجود القوات الأمريكية أمام الرأي العام.

التأثير الثالث اجتماعي: إذا ارتبط الوجود الأمريكي في الخطاب الشعبي بالحرب “الإسرائيلية” أو بالدعم الأمريكي “لإسرائيل”، فقد تصبح القواعد الأمريكية نفسها موضوعاً سياسياً داخلياً. وهنا تكمن الخطورة الأكبر.

 

التيارات الإسلامية

تمثل التيارات الإسلامية عاملاً إضافياً في البيئة السياسية الأردنية. فالقضية الفلسطينية تاريخياً كانت واحدة من أهم الموضوعات التي تمكنت الحركات الإسلامية من توظيفها سياسياً واجتماعياً. وفي ظل الحرب في غزة، يمكن أن تزداد قدرة الخطاب المناهض “لإسرائيل” والولايات المتحدة على التعبئة. لكن من المهم عدم اختزال المجتمع الأردني في التيارات الإسلامية. فالمجتمع الأردني أكثر تنوعاً، كما أن المواقف من الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” ليست موحدة. ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في وجود حركة سياسية واحدة قادرة على تغيير النظام، بل في تراكم الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 

لماذا لا تحتاج الجمهورية الإسلامية في إيران إلى إسقاط النظام الأردني؟

هذه النقطة مركزية في فهم الاستراتيجية الإيرانية المحتملة. إن إسقاط النظام الأردني سيكون هدفاً مرتفع التكلفة ومحفوفاً بالمخاطر بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران. لكن تحقيق مكاسب استراتيجية يمكن أن يتم بوسائل أقل تكلفة. مثلاً الضغط على القواعد الأمريكية، زيادة المخاطر الأمنية، زيادة الانتشار العسكري الأمريكي، ارتفاع التكلفة المالية، تصاعد النقاش الداخلي حول الوجود الأمريكي. وهنا تتحول الحلقة إلى ضغط خارجي، استقطاب داخلي، ضغط سياسي، وتقييد حرية الحركة الأمريكية. وبذلك تستطيع طهران تحقيق جزء من أهدافها من دون مواجهة مباشرة مع الدولة الأردنية.

و تواجه واشنطن معضلة استراتيجية حقيقية. فزيادة التعاون العسكري مع الأردن ضرورية لحماية المصالح الأمريكية. لكن زيادة الوجود العسكري الأمريكي قد تجعل الأردن أكثر أهمية بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران كهدف محتمل. وبالتالي كلما ازدادت أهمية الأردن عسكرياً للولايات المتحدة، ازدادت جاذبيته كهدف للضغط الإيراني وهذه مفارقة استراتيجية.

 

الاستنتاج

الأردن ليس بالضرورة أضعف حلفاء الولايات المتحدة عسكرياً أو سياسياً، لكنه قد يكون الأكثر حساسية تجاه التفاعل بين العامل الخارجي والعامل الداخلي وتكمن ضعفه الأساسي في أربعة عناصر:

أولاً: محدودية الموارد الاقتصادية.

ثانياً: الموقع الجغرافي المحاط بمناطق صراع.

ثالثاً: مركزية القضية الفلسطينية في المجتمع الأردني.

رابعاً: الاعتماد الكبير على المظلة الأمنية والاقتصادية الأمريكية.

وبالتالي فإن الخطر الاستراتيجي لا يتمثل في احتمال انهيار الدولة الأردنية بصورة مباشرة، بل في احتمال تآكل الشرعية الداخلية للشراكة الأردنية–الأمريكية. وهذا النوع من التآكل يمكن أن يكون أكثر خطورة على المدى الطويل من الهجمات العسكرية نفسها.

 

خاتمة

إن الأردن يحتل موقعاً بالغ الحساسية في الصراع الجيوسياسي “للشرق الأوسط”. فهو من جهة حليف أساسي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى دولة تقع في بيئة اجتماعية وجغرافية تجعلها شديدة التأثر بالصراع الفلسطيني–”الإسرائيلي” والتنافس الأمريكي–الإيراني.

ولهذا فإن مستقبل الشراكة الأردنية–الأمريكية لن يتحدد فقط بعدد الجنود الأمريكيين أو حجم المساعدات العسكرية، وإنما بقدرة واشنطن وعمّان على إدارة المعادلة الأصعب: كيف تحافظ الدولة الأردنية على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة دون أن تتحول هذه الشراكة إلى مصدر دائم للضغط الداخلي؟

ومن منظور إيراني، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي جوهر المسألة. فإذا تمكنت طهران من تحويل الأراضي الأردنية من أصل استراتيجي أمريكي إلى عبء سياسي وأمني على واشنطن وعمّان، فإنها تكون قد حققت مكسباً مهماً دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. أما إذا نجحت الولايات المتحدة والأردن في الفصل بين التعاون الأمني وبين الاستقطاب السياسي الناتج عن الحرب في غزة، وتعزيز القدرة الأردنية على الدفاع عن أراضيها، ومعالجة مصادر الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، فإن المعادلة ستتغير.

وعليه، فإن المعركة الحقيقية على الأردن ليست معركة قواعد وصواريخ فقط؛ إنها معركة على الشرعية، والقدرة على التحمل، وإدارة التناقض بين التحالف الخارجي والبيئة الداخلية. وهذا تحديداً ما يجعل الأردن أحد أهم الاختبارات المستقبلية لاستراتيجية الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى