الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
بريكس في نيودلهي.. موازنة القوة وإعادة تشكيل مسارات الحوكمة الدولية

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
انعقدت القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 أيلول 2026 في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين مراكز القوة الكبرى واتساع نطاق الأزمات الأمنية والاقتصادية وتراجع القدرة على إنتاج توافقات دولية مستقرة بشأن عدد من القضايا الاستراتيجية. وقد اكتسبت القمة أهمية إضافية بسبب انعقادها في ظل استمرار الحرب في “الشرق الأوسط” وتداعياتها على أمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد إلى جانب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التنافس الأمريكي الصيني على مجالات التكنولوجيا والتجارة والنفوذ الجيوسياسي. ومن ثم فإن أهمية القمة لا تنحصر في كونها اجتماعاً دورياً لمجموعة من الاقتصادات الصاعدة وإنما ترتبط بالسؤال الأوسع المتعلق بمستقبل توزيع القوة داخل النظام الدولي وقدرة القوى الصاعدة على التأثير في القواعد والمؤسسات التي تنظّم العلاقات الدولية.
لقد أظهرت قمة نيودلهي أن مجموعة بريكس تتحرك تدريجياً من إطار للتنسيق بين الاقتصادات الصاعدة والمطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية إلى منصة تسعى إلى تطوير قدرات جماعية في مجالات التمويل والتجارة والمدفوعات والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. وقد أكد إعلان نيودلهي المشترك الحاجة إلى تعزيز التعددية الدولية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتوسيع تمثيل الدول النامية في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية. كما تضمن الإعلان توجهات تتعلق بتطوير أنظمة المدفوعات وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة والفضاء والبنية الرقمية.
غير أن القراءة العلمية الدقيقة لهذا التطور تستوجب الابتعاد عن التفسير الذي يرى في بريكس نظاماً دولياً بديلاً أصبح جاهزاً لمنافسة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. فهذا الاستنتاج لا تدعمه المعطيات الراهنة. فالمجموعة تضم دولاً ذات مصالح متباينة ومواقف مختلفة تجاه الولايات المتحدة والصين وروسيا والقضايا الأمنية الدولية كما أن الهند التي استضافت القمة لا تتبنى سياسة مواجهة شاملة مع واشنطن ولا تنظر إلى بريكس باعتباره تحالفاً سياسياً موجهاً ضد الغرب. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لقمة نيودلهي تكمن في اتجاه أكثر تعقيداً يتمثل في موازنة القوة الدولية من خلال موازنة المؤسسات ومسارات الحوكمة وتقليل الاعتماد الأحادي على بعض البنى المالية والتكنولوجية والتجارية التي تتركز فيها مصادر النفوذ الغربي. ومن هذا المنظور يمكن فهم بريكس باعتباره إحدى المنصات التي تعكس التحول الجاري في بنية النظام الدولي من هيكل أكثر تركّزاً للقوة إلى بيئة تتعدد فيها مراكز التأثير وتزداد فيها قدرة القوى الصاعدة على بناء شبكات تعاون مستقلة نسبياً من دون أن يعني ذلك انتهاء الدور الأمريكي أو انهيار المؤسسات الغربية. وعليه فإن السؤال المركزي الذي تطرحه قمة نيودلهي لا يتمثل في ما إذا كان بريكس قد أنشأ نظاماً دولياً جديداً وإنما في مدى قدرته على تحويل الوزن الاقتصادي والديموغرافي والجغرافي الذي يمتلكه إلى قدرة مؤسسية مستدامة على إعادة توزيع النفوذ داخل النظام الدولي وحوله.
أولاً: قمة نيودلهي وإعادة تعريف موقع بريكس في بنية النظام الدولي
يمثل التحول في وظيفة مجموعة بريكس أحد أبرز المؤشرات التي يمكن استخلاصها من قمة نيودلهي. فقد نشأت المجموعة في الأصل باعتبارها إطاراً للتنسيق بين اقتصادات صاعدة ترى أن الوزن الذي تتمتع به في الاقتصاد العالمي لا ينعكس بصورة متناسبة في المؤسسات الدولية التي تشكلت في مرحلة تاريخية مختلفة. إلا أن تطور المجموعة واتساع عضويتها منحاها بعداً جيوسياسياً أكثر وضوحاً. فقد أصبحت تضم دولاً تمتد جغرافياً من آسيا إلى “الشرق الأوسط” وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وتمتلك نسبة كبيرة من السكان والموارد والطاقة والأسواق العالمية. وتكمن أهمية هذا التوسع في أنه أوجد للمجموعة قاعدة مادية أوسع يمكن استخدامها في التفاوض حول قواعد النظام الدولي.
لكن الاتساع العددي لا يعني بالضرورة زيادة القدرة على الفعل الجماعي. فكلما ازداد عدد الدول وتنوعت مصالحها ارتفعت كلفة بناء توافق سياسي بينها. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لبريكس لم يعد يتمثل في قدرته على استقطاب أعضاء جدد وإنما في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى قدرة مؤسسية قابلة للعمل. وتكشف قمة نيودلهي أن الهند حاولت دفع المجموعة في هذا الاتجاه من خلال التركيز على مجالات عملية مثل التجارة والمدفوعات والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد بدلاً من تحويل بريكس إلى تحالف سياسي أو أمني مغلق في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية. كما أكد إعلان نيودلهي أهمية تعزيز النظام المتعدد الأطراف وإصلاح المؤسسات الدولية بما يضمن تمثيلاً أكبر للدول النامية كما دعا إلى إصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وهذا الموقف يكشف عن استراتيجية مزدوجة تقوم على العمل داخل المؤسسات القائمة للمطالبة بإعادة توزيع التمثيل والنفوذ وفي الوقت نفسه تطوير ترتيبات جديدة يمكن أن تمنح الدول الأعضاء هامشاً أكبر للحركة.

وهنا تبرز أهمية مفهوم الموازنة المؤسسية في تفسير سلوك المجموعة. فالموازنة في العلاقات الدولية لا تأخذ دائماً صورة التحالفات العسكرية أو زيادة الإنفاق الدفاعي. ويمكن للدول أن تواجه اختلالات القوة من خلال إنشاء مؤسسات وشبكات اقتصادية ومالية وتكنولوجية تزيد قدرتها على المناورة وتقلل اعتمادها على مركز قوة واحد. ومن هذا المنظور يمثل بريكس محاولة لتوسيع القدرة الجماعية على التأثير في البيئة الدولية من خلال المؤسسات والاعتماد المتبادل المنظم. وتختلف هذه الاستراتيجية عن محاولة إسقاط النظام القائم أو استبداله بصورة مباشرة. فالدول الأعضاء لا تدعو إلى إلغاء المؤسسات الدولية القائمة وإنما تطالب بإعادة توزيع التمثيل والنفوذ داخلها في الوقت الذي تعمل فيه على تطوير آليات جديدة للتعاون الاقتصادي والمالي. وهذا يعني أن بريكس يتحرك في اتجاه يمكن وصفه بإعادة التوازن المؤسسي للنظام الدولي وليس الانسحاب منه. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة في استخدام الأدوات الاقتصادية باعتبارها وسائل للقوة الدولية. فقد أصبحت العقوبات الاقتصادية والقيود التجارية والقيود على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد جزءاً من أدوات إدارة التنافس بين القوى الكبرى. وبالتالي فإن امتلاك الدول لبدائل في التمويل والتجارة والمدفوعات والتكنولوجيا أصبح جزءاً من مفهوم الأمن الاستراتيجي وليس مجرد قضية اقتصادية.
وبذلك يمكن النظر إلى بريكس باعتباره محاولة لبناء هامش استقلال استراتيجي جماعي لدى عدد من الدول التي لا ترغب في أن يكون اعتمادها على الأسواق والمؤسسات الغربية هو القناة الوحيدة التي تمر من خلالها تجارتها وتمويلها وتكنولوجيتها. وهذا لا يعني أنها تسعى إلى قطع علاقاتها مع الغرب وإنما إلى زيادة الخيارات المتاحة أمامها عند حدوث أو تصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
ثانياً: من تحدي الهيمنة المالية إلى بناء بنى موازية للقدرة الاقتصادية والتكنولوجية
يعد المجال المالي والاقتصادي من أكثر المجالات التي يمكن من خلالها قياس التحول الذي تحاول مجموعة بريكس إحداثه. فقد أكد إعلان نيودلهي استمرار العمل على تطوير أنظمة للمدفوعات وربط البنى المالية وزيادة استخدام العملات المحلية في تسوية التجارة والاستثمارات بين الدول الأعضاء. وهذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل اتساع استخدام الأدوات المالية في ممارسة القوة الدولية. ومن المهم هنا التمييز بين تقليل الاعتماد على الدولار وبين إلغاء الدور الدولي للدولار. فالحديث عن عملة موحدة لمجموعة بريكس لا يستند إلى قرار رسمي صادر عن القمة. بل إن الجانب الهندي أكد عدم وجود مشروع قائم في الوقت الراهن لإنشاء عملة مشتركة للمجموعة وأن التركيز ينصب على تسوية التجارة بالعملات المحلية وربط أنظمة المدفوعات.
وهذا التمييز بالغ الأهمية من منظور الاقتصاد السياسي الدولي. فالعملة الدولية لا تستمد قوتها من استخدامها في التجارة وحدها وإنما من مجموعة متشابكة من العوامل تشمل حجم الاقتصاد والأسواق المالية وعمق سوق السندات والثقة بالمؤسسات والقدرة على توفير السيولة واستقرار النظام القانوني. ولذلك فإن زيادة التعامل بالعملات المحلية داخل بريكس لا تعني في المدى المنظور انهيار المكانة الدولية للدولار.

غير أن التأثير الاستراتيجي المحتمل يكمن في مستوى آخر. فإذا استطاعت دول بريكس تطوير شبكات للمدفوعات والتمويل والتأمين والاستثمار تستطيع العمل بصورة أكثر استقلالاً عن البنى الغربية فإن ذلك قد يؤدي إلى تقليص القدرة على استخدام البنية المالية الدولية باعتبارها أداة للإكراه الاقتصادي. وبعبارة أخرى فإن الهدف المحتمل ليس إسقاط العملة المهيمنة بقدر ما هو تقليل قدرة أي قوة منفردة على تحويل اعتماد الآخرين على بنيتها المالية إلى وسيلة للضغط السياسي. ومن هنا تأتي أهمية ما تضمنه إعلان نيودلهي بشأن تطوير التعاون في مجال التأمين وإدارة المخاطر والاستثمار. فالتجارة الدولية لا تعتمد على المدفوعات وحدها وإنما تحتاج إلى التمويل والتأمين وإعادة التأمين والضمانات والنقل والخدمات اللوجستية. ولذلك فإن بناء هذه الحلقات بصورة مترابطة قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل من فكرة إنشاء عملة مشتركة لا تستند إلى درجة كافية من التكامل الاقتصادي والنقدي.
وتكشف هذه المسألة عن جانب لا يحظى بالاهتمام الكافي في النقاش العام حول بريكس وهو أن الاستقلالية المالية تبدأ من البنية التحتية للمعاملات قبل أن تبدأ من العملة. فإذا استطاعت الدول الأعضاء بناء منظومة متكاملة للتجارة والتمويل والتأمين والتسوية فإنها ستزيد قدرتها على الحركة المستقلة حتى مع استمرار الدولار في موقعه المركزي داخل النظام المالي العالمي. ويمتد هذا المسار إلى المجال التكنولوجي الذي أصبح بصورة متزايدة جزءاً من التنافس على القوة الدولية. فقد طرحت الصين خلال القمة مبادرات للتعاون في الذكاء الاصطناعي وإنشاء منطقة مفتوحة للتعاون في هذا المجال وتطوير تبادل الخبرات والقدرات التقنية بين الدول الأعضاء. كما تضمن إعلان القمة إشارات إلى الحوسبة المتقدمة والفضاء والاستشعار عن بعد والبنية التحتية الرقمية والكابلات البحرية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجالاً اقتصادياً منفصلاً عن الأمن الدولي. فهو يرتبط بالقدرات العسكرية والاستخباراتية وإدارة المعلومات والقدرة الصناعية والتنافس على المعرفة. ولذلك فإن بناء شبكات تعاون تكنولوجي بين دول بريكس يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى تقليص الفجوة التكنولوجية التي تفصل عدداً من دول الجنوب العالمي عن مراكز التكنولوجيا المتقدمة. وينطبق الأمر نفسه على الأقمار الصناعية والكابلات البحرية والمعادن الحرجة. فامتلاك القدرة على الوصول إلى البيانات الفضائية والتحكم في البنية الرقمية وتأمين المعادن اللازمة للتكنولوجيات الحديثة أصبح جزءاً من القوة الاستراتيجية للدولة. ومن ثم فإن التعاون الذي يبدو اقتصادياً أو تقنياً في ظاهره قد يتحول إلى مصدر من مصادر القوة الجيوسياسية على المدى البعيد.
وهنا تظهر نقطة تحليلية مهمة تتمثل في أن التنافس الدولي لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأراضي أو الممرات البحرية وإنما أصبح يدور أيضاً حول السيطرة على الشبكات التي تمر عبرها الطاقة ورأس المال والبيانات والمعرفة والتكنولوجيا. وإذا نجح بريكس في بناء قدرات جماعية في هذه المجالات فإن أثره في توزيع القوة قد يكون أعمق من أثر البيانات السياسية التي تصدرها القمة.
ثالثاً: بريكس بين موازنة النفوذ وإدارة التناقضات الداخلية والرؤية المستقبلية
تكمن المفارقة الأساسية في قمة نيودلهي في أن اتساع بريكس يمثل في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر هشاشة. فالمجموعة تضم الصين والهند وروسيا والجمهورية الإسلامية في إيران ودولاً عربية وأفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية ذات مصالح مختلفة تجاه الولايات المتحدة والصين وروسيا والنظام الاقتصادي العالمي. ولذلك فإن الحديث عن بريكس باعتباره كتلة موحدة تقف في مواجهة الغرب لا يعكس حقيقة تركيبته السياسية. وقد ظهرت هذه التباينات بصورة واضحة في طبيعة الخطاب الصادر عن القمة. فالدول الأعضاء اتفقت على أهمية التعددية وإصلاح المؤسسات الدولية لكنها لم تنتقل إلى صياغة سياسة خارجية موحدة تجاه جميع الأزمات الدولية. وهذا الأمر يعكس طبيعة بريكس باعتباره ائتلافاً مرناً للمصالح المتقاطعة وليس تحالفاً سياسياً أو عسكرياً بالمعنى التقليدي. ومع ذلك فإن قدرة المجموعة على إنتاج إعلان مشترك في ظل هذه التباينات تحمل دلالة مهمة. فالدول الأعضاء تستطيع الاتفاق على بعض المبادئ العامة مثل إصلاح المؤسسات الدولية وزيادة تمثيل الدول النامية وتعزيز التجارة والتعاون التكنولوجي حتى عندما تختلف فيما بينها بشأن قضايا الأمن والتحالفات. وهذا يعني أن قوة بريكس قد تكمن تحديداً في الحد الأدنى المشترك للمصالح وليس في امتلاكه رؤية أيديولوجية موحدة.
كما تظهر الهند في هذا السياق باعتبارها حالة استراتيجية شديدة الأهمية. فهي لا تسعى إلى تحويل بريكس إلى تحالف مناهض للولايات المتحدة كما أنها لا ترغب في الخضوع لنفوذ الصين داخل المجموعة. وفي الوقت نفسه تريد أن تستخدم بريكس لتعزيز موقعها في مؤسسات الحوكمة الدولية والحصول على مساحة أوسع من الاستقلالية في السياسة الخارجية والاقتصاد والتكنولوجيا. ولهذا يمكن فهم السياسة الهندية باعتبارها نموذجاً لما يمكن تسميته التعددية القطبية دون الاصطفاف القطبي. فالهند تسعى إلى التعامل مع مراكز القوة المختلفة في الوقت نفسه بدلاً من الانتقال من محور إلى آخر. وهذا النموذج قد يصبح أكثر انتشاراً بين القوى المتوسطة والصاعدة في النظام الدولي لأنه يمنحها قدرة أكبر على تعظيم مصالحها في بيئة تنافسية دون تحمل كلفة الانضمام الكامل إلى محور واحد.
أما الصين فتبدو أكثر اهتماماً بتحويل بريكس إلى شبكة واسعة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي. وقد ركز الرئيس الصيني خلال القمة على استقرار سلاسل الصناعة والإمداد وتعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون في الذكاء الاصطناعي والتجارة والمناطق الاقتصادية الخاصة. وهذا ينسجم مع نمط أوسع في السياسة الخارجية الصينية يقوم على توسيع النفوذ عبر الترابط الاقتصادي والمؤسسي والتكنولوجي.
في المقابل تستخدم روسيا المجموعة للحفاظ على عمقها السياسي والاقتصادي في مواجهة الضغوط الغربية ولإظهار استمرار قدرتها على بناء علاقات مع القوى غير الغربية. أما إيران فتجد في بريكس مساحة لتوسيع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية وتقليل آثار العزلة الناتجة عن العقوبات والصراع مع الولايات المتحدة. بينما تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات تمنحها القدرة على التعامل مع الولايات المتحدة والصين وروسيا في الوقت نفسه. وبذلك لا يمثل بريكس فاعلاً واحداً له استراتيجية واحدة بقدر ما يمثل مساحة تتقاطع فيها استراتيجيات متعددة لموازنة القوة. وهذه النقطة مهمة لأن الاختلاف بين أعضاء المجموعة لا يعني بالضرورة فشلها. فمن منظور الواقعية البنيوية قد تتعاون الدول ذات المصالح المختلفة عندما تجد أن التعاون يخدم هدفاً مشتركاً يتمثل في زيادة هامش الحركة وتقليل الاعتماد على مركز قوة واحد.
الرؤية المستقبلية
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل بريكس بعد قمة نيودلهي:
يتمثل المسار الأول في تحول المجموعة تدريجياً إلى منصة مؤسسية للتعددية القطبية. ويتطلب ذلك نجاحها في ربط أنظمة المدفوعات وتوسيع استخدام العملات المحلية وتعزيز التمويل والاستثمار والتأمين وبناء سلاسل إمداد أكثر استقلالاً وتطوير التعاون في الذكاء الاصطناعي والفضاء والمعادن الحرجة. وإذا تحقق هذا المسار فإن بريكس لن يحل محل المؤسسات الغربية لكنه سيصبح مركزاً موازناً داخل الحوكمة الدولية ويزيد القدرة التفاوضية للدول الصاعدة.
أما المسار الثاني فيتمثل في استمرار بريكس باعتباره منصة اقتصادية وسياسية مرنة من دون تحوله إلى كتلة جيوسياسية متماسكة. ويبدو هذا المسار الأكثر واقعية في المدى القريب بسبب التباين الكبير في مصالح الدول الأعضاء. وستستمر المجموعة في التعاون في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والمدفوعات لكنها ستتجنب اتخاذ مواقف سياسية تلزم جميع أعضائها في القضايا الأمنية الكبرى.
أما المسار الثالث فيتمثل في تحول بريكس نحو استقطاب جيوسياسي أكثر وضوحاً نتيجة تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية واتساع استخدام العقوبات والحروب التجارية. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول البنى المالية والتكنولوجية التي يجري تطويرها داخل المجموعة إلى أدوات لموازنة النفوذ الغربي بصورة مباشرة. إلا أن تحقق هذا المسار يتطلب درجة من التماسك الداخلي لا تشير إليها نتائج قمة نيودلهي في الوقت الراهن.
والأرجح أن مستقبل بريكس سيتحرك في اتجاه يجمع بين المسارين الأول والثاني. أي أن المجموعة ستظل ائتلافاً مرناً من الناحية السياسية لكنها ستسعى تدريجياً إلى بناء مؤسسات وأدوات أكثر عمقاً في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والمالية. وستكون الرئاسة الصينية للمجموعة في عام 2027 اختباراً مهماً لهذه القدرة لأن بكين أعلنت عن مجموعة من المبادرات التي يمكن أن تنقل التعاون من مستوى البيانات السياسية إلى مستوى المشروعات المؤسسية.
وسيكون معيار النجاح الحقيقي لبريكس خلال السنوات المقبلة هو القدرة على تحويل الوزن الاقتصادي والديموغرافي والجغرافي إلى قدرة مؤسسية قابلة للاستمرار. فإذا نجحت المجموعة في ذلك فإن تأثيرها في النظام الدولي سيكون تراكمياً حتى من دون إنشاء عملة مشتركة أو تحالف سياسي. أما إذا ظلت المبادرات عند مستوى البيانات واللجان والحوارات فإن وزنها السياسي سيبقى أكبر من قدرتها الفعلية على إعادة توزيع القوة.
خاتمة
تكشف قمة بريكس في نيودلهي عن تحول مهم في طبيعة التنافس على القوة داخل النظام الدولي. فهذا التحول لا يتمثل في ظهور قطب جديد قادر على إحلال الولايات المتحدة أو المؤسسات الغربية محلها وإنما في انتقال المنافسة بصورة متزايدة إلى مستوى القواعد والمؤسسات والبنى التحتية التي تُمارس من خلالها القوة الدولية. فإعلان نيودلهي جمع بين الدعوة إلى إصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وبين تطوير المدفوعات بالعملات المحلية والتعاون المالي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي والفضاء والمعادن الحرجة. وهذا الترابط يكشف أن دول بريكس تنظر إلى القوة الدولية باعتبارها شبكة مترابطة من القدرات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والمؤسسية وليست مجرد قدرة عسكرية.
ومن هنا فإن مفهوم موازنة القوة في حالة بريكس ينبغي ألا يُفهم بمعناه العسكري التقليدي. فالمجموعة لا تستطيع في الوقت الراهن موازنة الولايات المتحدة عسكرياً ولا تسعى رسمياً إلى ذلك. لكنها تستطيع زيادة قدرتها على المناورة من خلال تنويع مصادر التمويل والتجارة والتكنولوجيا والطاقة وبناء مؤسسات وآليات تعاون تقلل اعتماد أعضائها على مركز قوة واحد.
وهذا يقود إلى استنتاج أكثر دقة من الأطروحة القائلة إن بريكس يسعى إلى إسقاط النظام الدولي الغربي. فالمجموعة لا تعمل خارج النظام الدولي وإنما تتحرك في مستويين متوازيين. فهي تطالب بإصلاح المؤسسات القائمة وزيادة تمثيل الدول الصاعدة داخلها وفي الوقت نفسه تعمل على تطوير مسارات بديلة يمكن أن تقلل من اعتمادها على تلك المؤسسات. وبالتالي فإن الهدف ليس الانفصال عن النظام وإنما إعادة توزيع القدرة على التأثير داخله وحوله. غير أن قدرة بريكس على تحقيق هذا الهدف ستظل مقيدة بالتناقضات بين أعضائه. فالصين والهند لا تنظران إلى النظام الدولي من الزاوية نفسها وروسيا والجمهورية الإسلامية في إيران تمتلكان حسابات مختلفة عن دول الخليج والبرازيل وجنوب أفريقيا. كما أن معظم الدول الأعضاء لا تريد التخلي عن علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة وأوروبا. ولذلك فإن تحويل بريكس إلى تحالف جيوسياسي متماسك يبدو أقل احتمالاً من تحوله إلى شبكة مؤسساتية مرنة ومتعددة الوظائف.
وعليه فإن قمة نيودلهي لا تمثل لحظة انتقال مكتمل من نظام أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب وإنما تمثل حلقة في عملية أوسع لإعادة توزيع القوة وإعادة التفاوض على قواعد الحوكمة الدولية. وما يجعلها ذات أهمية استراتيجية هو أن هذا التغيير لا يحدث من خلال صدام مباشر بين القوى الكبرى فقط وإنما من خلال إعادة بناء المؤسسات وشبكات التجارة والتمويل والتكنولوجيا والاتصال. إن مستقبل النظام الدولي قد لا يتجه نحو تعددية قطبية صلبة تتوزع فيها القوة بين عدد محدود من الأقطاب الواضحة بقدر ما يتجه نحو تعددية أكثر سيولة تتنافس فيها الدول على النفوذ من خلال شبكات متداخلة من المؤسسات والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن. وفي هذا النوع من النظام تصبح القدرة على بناء البدائل والحد من الاعتماد الاستراتيجي مصدراً للقوة بحد ذاته.
ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لقمة بريكس في نيودلهي لا تكمن في إعلان نظام دولي جديد وإنما في أنها كشفت عن انتقال المنافسة الدولية من سؤال من يمتلك القوة؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً هو من يمتلك القدرة على تشكيل القواعد والمؤسسات والشبكات التي تُمارس من خلالها القوة؟ وهذه النقلة هي التي تمنح بريكس أهميته المتزايدة في دراسة التحولات الجارية في بنية النظام الدولي.



