الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
مكافحة الفساد في العراق.. بين تفكيك منظومة النفوذ وإعادة بناء الدولة

بقلم: الباحث عبدالكريم قيس الشمري
الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية
بعد أن تسلم رئيس الوزراء علي الزيدي مهام حكومته ونالت تشكيلته الوزارية ثقة البرلمان، بادر سريعاً إلى فتح ملفات فساد وُصفت بأنها مختلفة من حيث طبيعتها وحجمها، وقد جاءت البداية بصورة متدرجة ومنظمة، وكأنها تسير على مسار يبدأ من الحلقات الأدنى ويتجه تدريجياً نحو المستويات الأعلى في هرم السلطة.
غير أن خصوصية هذه الخطوة لا تكمن في فتح ملفات الفساد بحد ذاته، فالحكومات العراقية المتعاقبة جعلت من مكافحة الفساد شعارها الأول منذ الأيام الأولى لتوليها السلطة، وكانت تتعهد في كل مرة بالضرب بيد من حديد على الفاسدين، إلا أن النتائج العملية ظلت محدودة، الأمر الذي أدى إلى تآكل ثقة المواطن بقدرة النظام السياسي على إجراء إصلاح حقيقي.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن الفساد في العراق لم يعد يمثل حالات فردية معزولة أو ممارسات إدارية استثنائية، بل تطور عبر سنوات طويلة، مستفيداً من هشاشة المؤسسات، وطبيعة الاقتصاد الريعي، وتعقيدات نظام المحاصصة السياسية، ليتحول تدريجياً إلى منظومة متشابكة من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأصبح الفساد مع مرور الوقت جزءاً من آليات إنتاج القوة والنفوذ وتوزيع الموارد داخل النظام السياسي، بحيث تمتد حلقاته من الموظف الصغير إلى مراكز القرار العليا، وتتقاطع فيه المصالح الحزبية والاقتصادية والسياسية بصورة تجعل من الصعب الفصل بين الفساد وبين بعض آليات عمل النظام نفسه.
وفي ظل التعقيدات التي رافقت تشكيل حكومة الزيدي، وما تشهده البيئة السياسية من تحولات داخلية وخارجية مهمة، إضافة إلى ما يواجهه البلد من تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، يبرز تساؤل جوهري:
هل تمثل الحملة الحالية مشروعاً حقيقياً لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، أم أنها ستبقى شعاراً عابراً كسابقاتها ينتهي بمجرد استعادة قدر محدود من ثقة الشارع بالنظام السياسي؟
يمكن مقاربة الإجابة من خلال ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول يتمثل في إحداث تغيير واسع وشامل داخل منظومة صنع القرار، بما يفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي. وفي هذه الحالة قد تتراجع أدوار وأحجام قوى وشخصيات تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، من خلال تفاهمات وتنازلات متبادلة تمس جزءاً مهماً من النفوذ والثروة، مقابل ضمانات تحفظ الحد الأدنى من مصالحها واستمرار وجودها السياسي. ويستند هذا السيناريو إلى حقيقة مفادها أن الفساد في العراق لا يمثل أفعالاً فردية متناثرة، بل شبكة مترابطة ومنظمة تبدأ من مستويات إدارية دنيا وقد تنتهي عند قمة هرم السلطة.
أما السيناريو الثاني، فهو تكرار للنمط التقليدي الذي شهدته التجارب السابقة، والمتمثل في اتخاذ إجراءات محدودة وانتقائية تثير الرأي العام وتمنح انطباعاً بوجود إرادة إصلاحية، بما يسهم في استعادة جزء من الثقة المفقودة بين المواطن والنظام السياسي. إلا أن هذه الإجراءات تبقى محصورة في الحلقات الدنيا من منظومة الفساد، ولا تصل إلى المستويات العليا خشية الاصطدام بتعقيدات شبكات النفوذ والمصالح المتشابكة.
في حين يقوم السيناريو الثالث على فرضية حدوث مواجهة مباشرة بين رئيس الحكومة وشبكات الفساد، مع اللجوء إلى أدوات القوة السياسية والقانونية بصورة أكثر حسماً. وقد يؤدي هذا المسار إلى إعادة تموضع قسرية لمراكز النفوذ داخل النظام السياسي، لاسيما أن الحكومة تشكلت أساساً وفق معادلات توافقية بين أغلب القوى السياسية، في وقت ترتبط بعض شبكات الفساد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتلك القوى ومصالحها. لذلك فإن أي مواجهة من هذا النوع قد تتجاوز حدود مكافحة الفساد لتتحول إلى صراع على إعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي نفسه.
وفي جميع الأحوال، فإن النظام السياسي يقف اليوم أمام اختبار مصيري. فالفجوة المتزايدة بين المجتمع والدولة لم تكن وليدة أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هي إلى حد كبير نتيجة تراكمات طويلة لفساد تحول من ظاهرة استثنائية إلى منظومة متشابكة أثرت في شرعية المؤسسات ومستوى الثقة العامة بالنظام السياسي.
ولهذا، فإن أي محاولة جادة لمكافحة الفساد لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة أفراد أو فتح ملفات محدودة، لأن طبيعة الفساد في العراق تجاوزت حدود السلوك الفردي لتصبح جزءاً من البنية التي تشكلت حولها شبكات النفوذ والمصالح. ومن ثم، فإن نجاح هذه المواجهة يعني بالضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والموارد والنفوذ، وإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية أكثر شفافية وعدالة.
أما الفشل في تحقيق إصلاح حقيقي، فإنه لن يؤدي إلى استمرار الفساد فحسب، بل إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، بما قد يفضي إلى أزمات أكثر تعقيداً تهدد استقرار النظام السياسي على المدى البعيد. وفي المقابل، إذا نجحت الدولة في خوض مواجهة فعلية مع منظومة الفساد، فإن ذلك قد يشكل لحظة تأسيسية جديدة تنتصر فيها الإرادة العامة والمصلحة الوطنية على المصالح الفئوية الضيقة، ويتحول ملف مكافحة الفساد من مجرد شعار سياسي متكرر إلى مدخل حقيقي لإعادة بناء الشرعية واستعادة ثقة المجتمع بالدولة.



