الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الحرب المنسية على خط ديورند

لماذا تتصاعد المواجهة بين باكستان وأفغانستان بعيدًا عن أنظار العالم؟

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز  حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

مقدمة

اندلعت المواجهة بين باكستان وحكومة طالبان في أفغانستان بعد خلاف  جملة من القضايا ابرزها مسألة طالبان باكستان وكذلك الخط الحدودي الذي يفصل بين البلدين وهو خط ديورند حيث يطالب كل طرف بالسيادة على هذه المنطقة، وذلك في شهر شباط من العام 2026، قبل أيام من اندلاع الحرب الامريكية “الإسرائيلية” على ايران والتي أدت فور اندلاعها الى التغطية على المواجهة بين باكستان وأفغانستان، حتى أصبحت هذه المواجهة منسية في عناوين ونشرات الاخبار.

 

أولاً: أسباب الحرب

اندلعت الحرب في 21-22 شباط 2026 بعد انهيار هدنة هشة بين الطرفين تمت بوساطة قطرية، حيث تتهم باكستان حكومة طالبان في أفغانستان بتوفير ملاذ آمن لعناصر طالبان باكستان وتسهيل مهمتهم في مهاجمة الأراضي الباكستانية انطلاقاً من أفغانستان فيما تنفي الأخيرة ذلك.

كما تتهم أفغانستان باكستان بالمعاملة السيئة للاجئين الأفغان الموجودين في الأراضي الباكستانية لاسيما من خلال قيام الأخيرة بترحيلهم قسرا الى أفغانستان مما أدى الى خلق ازمة إنسانية خانقة عند الحدود.

الا ان السبب الأكثر تأثيراً والاعمق هو الخلاف التاريخي المتجذر حول خط ديورند الحدودي الذي يمتد لحوالي 2200 كم على الحدود الباكستانية الأفغانية والذي رسمه الاستعمار البريطاني في 12 تشرين الثاني عام 1893 إثر اتفاقية بين وزير الخارجية البريطاني لشؤون الهند آنذاك، (هنري مورتيمر ديورند)، وأمير أفغانستان (عبد الرحمن خان)، لتحديد مناطق النفوذ بين أفغانستان والهند البريطانية، مما أدى الى معضلة حدودية مستعصية حيث تعترف فيه باكستان كمنطقة حدودية رسمية بينما ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة بما فيها حكومة طالبان الاعتراف بشرعيته وتعد أراضيه جزء من أراضي أفغانستان.

وتنبع أهمية الخط كونه يمر عبر مناطق وعرة تسكنها قبائل البشتون والبلوش مما أدى الى تقسيم عائلات هذه القبائل بين البلدين وعلى الرغم من ذلك لا تعترف هذه القبائل بالحدود الفاصلة هذه ويتحرك افرادها عبر الحدود مستندين الى روابطهم الثقافية والاجتماعية والعائلية.

كما يضم الخط الحدودي معابر استراتيجية مثل معبر طورخم في إقليم خيبر الباكستاني، ومعبر تشمن في إقليم بلوشستان أفغانستان. وقد اندلعت الحرب بعد قيام الطائرات الباكستانية بقصف اهداف داخل الأراضي الأفغانية لاسيما في العاصمة كابول، اكدت انها تضم عناصر من حركة طالبان باكستان وعناصر تنظيم د1عش الإرهــ ـــابي مسؤولين عن تنفيذ هجمات إرهـــ ـــابية في الأراضي الباكستانية، فيما قامت قوات طالبان الأفغانية بمهاجمة النقاط الحدودية الباكستانية في ليلة واحدة وقامت بالسيطرة عليها بعد الاشتباك مع حرس الحدود الباكستاني ما دفع باكستان لإرسال تعزيزات عسكرية الى تلك النقاط والقيام بقصف قوات طالبان المتوغلة فيها.

 

ثانياً: التطورات الميدانية ونمط الصراع

ان المواجهة لم تتحول بشكل من الاشكال الى حرب تقليدية تقوم على غزو بري من قبل طرف على الاخر بل ان نمط المواجهة يمكن تصنيفه ضمن منطقة الحرب الرمادية وهي الحرب التي تبقى تحت عتبة المواجهة الشاملة، فعلى الرغم من الضربات الجوية الباكستانية فانها لم تعترف صراحة بانها في حالة حرب مع أفغانستان وابقت الامر ضمن نطاق استهداف الجماعات الإرهــ ـــابية، في حين ان أفغانستان وعلى الرغم من مهاجمتها لمنطقة خط ديورند الا انها لا تعترف انها بحالة حرب مع باكستان كما انها تنكر مسؤوليتها المباشرة عن العمليات داخل الأراضي الباكستانية وهذا الانكار يمنح الطرفين هامشاً من المناورة العملياتية من خلال تنفيذ ضربات دون تحمل المسؤولية عنها بما يمكنهم من تحسين شروط التفاوض.

 

 

ثالثاً: دور الوساطة للقوى الإقليمية والدولية في الصراع

تتسم الوساطة الدولية والإقليمية في قضية الصراع بين باكستان وأفغانستان بتعدد المسارات الرامية الى حلحلة القضية الخلافية بين البلدين، وقد تداخلت عدة مسارات ومقترحات لاطراف عدة ابرزها:

  1. المسار الصيني الحالي (محادثات اورمتشي): يعد واحد من افضل المسارات الدبلوماسية المؤثرة في عملية التهدئة الراهنة بين الجانبين فعلى الرغم من ان وساطة الصين من خلال المحادثات التي دعت اليها الجانبين كل من أفغانستان وباكستان الى محادثات في مدينة اورمتشي الصينية، مما اسفر عن هدنة بين الجانبين لكنها بقيت هدنة هشة تتخللها مناوشات وضربات متبادلة، حيث ركزت الصين في هذا المسار على ايجاد آليات موثوقة لوقف إطلاق النار وتأمين المعابر الحدودية امام حركة التجارة والنقل، وحماية استثماراتها الضخمة في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني وهو ممر بات مهدداً بعدم الاستقرار نتيجة الحرب، على الرغم من وصف الطرفين المفاوضات في اورمتشي بالمثمرة الا ان المخاوف الأمنية بقيت مستمرة.

  2. الوساطة الدينية: الى جانب الدبلوماسية الدولية انطلق مسار دبلوماسي بديل غير رسمي عبر وسطاء من رجال الدين الباكستانيين الذين قاموا زيارات الى كابول بهدف تهدئة الخلافات بين البلدين، مستغلين المشتركات العقائدية بينهم وبين حكام كابول، سيما انهم يتشاركون بالمدرسة السنية الديوبندية، ما يسهل لغة التفاهم بين الطرفين ولتحقيق اختراق في حالة الجمود الدبلوماسي.

  3. وساطة دول الجوار: يبرز في هذا المسار الوساطة الاوزبكية المقترحات الروسية، حيث جرى لقاء غير رسمي في مدينة ترمذ في أوزبكستان بين ممثلين عن حكومة طالبان ودبلوماسيين باكستانيين في محاولة لتخفيف الاحتقان وفتح قنوات اتصال مرنة. أما بالنسبة لروسيا فقد طرحت موسكو صيغة رباعية لتنسيق التعاون في مكافحة الارهــ ــاب في المنطقة تضم كل من (باكستان، أفغانستان، الصين، روسيا) بهدف ايجاد آلية مشتركة للتعاون تخفف من حدة الخلاف الباكستاني الافغاني وتوفر أرضية مشتركة للتعاون.

وعلى الرغم من كل هذه الوساطات والمحاولات لوقف القتال بشكل مستدام الا ان هذه المحاولات لم تنجح الا في تحقيق هدنة ومحاولة الحفاظ على مستوى التصعيد دون عتبة الصراع الشامل، حيث تعيق ثلاث قضايا خلافية الوصول الى اتفاق وقف اطلاق نار مستدام وهذه القضايا هي:

  • رفض حكومة طالبان الأفغانية ملاحقة عناصر طالبان باكستان او تسليمهم الى السلطات الباكستانية فيما تحتج الاخيرة بأن حكومة طالبان الأفغانية تؤوي هذه العناصر بالاضافة الى عناصر تنظيم د1عش الارهــ ـــابي.

  • الضربات المحدودة المتبادلة تعد عامل آخر من عوامل عرقلة اي اتفاق بين الطرفين فبمجرد التوصل إلى هدنة ووقف مؤقت لاطلاق النار يتم استهداف الجيش الباكستاني والأراضي الباكستانية بعمليات انتحارية وهو ما يدفع باكستان لشن غارات جوية في العمق الافغاني، ما يجعل الطرفين دوران بحلقة مغلقة من الفعل ورد الفعل.

  • ان الوساطات التي تقوم بها الاطراف المختلفة مثل روسيا والصين وحتى دول الخليج وتركيا الذين قاموا بوساطات قبل الحرب، تكتفي بدعوة الطرفين للحوار وتوفر لهم التسهيلات اللوجستية للتفاوض دون تبني سياسات للضغط اقتصادياً سياسياً بل وحتى عسكرياً على طرفي الصراع من اجل دفعهم للتوصل الى اتفاق وقف اطلاق نار، كما ان الاطراف الوسيطة لا تقدم الضمانات الكافية لتعزيز عملية وقف اطلاق النار.

بالتالي تحولت الحرب حالياً الى مرحلة من مراحل الصراع تعرف بحروب المنطقة الرمادية حيث يحتفظ الطرفين بحد أدنى من الصراع دون عتبة المواجهة الشاملة، وهو ما يعني ان الصراع بوضعه الحالي يمكن ان يتطور الى مواجهة شاملة في حال أصر الطرفين كل على موقفه وفي حال حصلت ضربات متبادلة اكثر شدة على الرغم من الفارق النوعي في القوة النارية بين الطرفين.

 

 

رابعاً: الأولوية الجيوسياسية تحدد بوصلة الإعلام (كيف غطت أزمة “الشرق الأوسط” على حرب ديورند؟)

لم يكن اهمال الاعلام العالمي للحرب بين أفغانستان وباكستان مجرد صدفة بل كان نتيجة لتباين الأولويات الجيوسياسية لدى وسائل الإعلام وملاكها، والمفاضلة بين تغطية أزمة إقليمية محصورة بين دولتين متجاورتين في جنوب وجنوب وسط آسيا، وبين حرب كبرى تقودها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ضد قوى إقليمية وازنة مثل إيران لها انعكاسات واسعة النطاق على امن الطاقة والامن الاستراتيجي العالمي ويمكن ان تنعكس على توازنات القوى في النظام الدولي.

هذه الأهمية البالغة للحرب في “الشرق الأوسط” القت بظلالها على التغطية الإعلامية وحتى البحثية لحرب ديورند، حيث انشغلت معظم وسائل الاعلام ومراكز الفكر حول العالم بالحرب الكبرى في “الشرق الأوسط” والتي كان لها انعكاسات خطيرة وارتدادات على معظم دول العالم في حين كان تأثير حرب ديورند محدوداً بالمنطقة الجغرافية التي تشتعل بها.

وفي الوقت الذي تلعب فيه باكستان دوراً محورياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وايران لوقف الحرب، كانت تفتقر من جانبها للوسطاء المناسبين بينها وبين حكومة طالبان في أفغانستان لتهدئة الصراع بينهما، وهو ما منح الطرفين أي كل من باكستان وأفغانستان مساحة ومرونة اكبر في الحركة وعمليات الاستهداف المتبادلة للحفاظ على الحرب دون مستوى الصدام الشامل.

 

بالتالي في ضوء المعطيات الراهنة يمكن القول ان الصراع يتجه باتجاه سيناريوهات ثلاث هي:

  1. استمرار الاستنزاف: حيث يمكن ان يستمر الطرفان بالحفاظ على مستوى محدد من الاستنزاف والضربات المتبادلة لاسيما مع رفض كل طرف تقديم تنازلات لتسوية الخلافات العالقة وبالتحديد مع رفض حكومة أفغانستان التعامل بجدية مع حركة طالبان، باكستان وتنظيم د1عش الإرهــ ـــابي استجابة للمطالب الباكستانية مما يدفع اسلام اباد لمواصلة نهجها بالقصف الجوي في العمق الافغاني.

  2. الانزلاق للحرب الشاملة: ان استمرار الضربات والإهمال الدولي للحرب بسبب الانشغال بأزمة اكبر هي ازمة “الشرق الأوسط” وملفات الطاقة قد يدفع الطرفين بغياب الضغوط الدولية للدخول بمواجهة شاملة، وفي هذا السيناريو ستكون الهند التي خرجت العام الماضي من مواجهة عسكرية محدودة مع باكستان مستفيدة من هذا الوضع الذي سيساهم بتشتيت انتباه اسلام اباد عن الصراع مع الهند ويستنزف قدراتها العسكرية في حرب قد تكون واسعة ومعقدة في أفغانستان.

  3. التسوية الشاملة: ان انتهاء ازمة “الشرق الأوسط” بين الولايات المتحدة وايران قد يعيد الاهتمام الدولي بالحرب بين باكستان وأفغانستان ما يدفع اطراف إقليمية ودولية لتنخرط بشكل اكبر في عملية التسوية بين باكستان وأفغانستان وقد تمارس بعض الدول الكبرى ضغوطا على الطرفين لدفعهم للتوصل لاتفاق ينهي الصراع.

 

خاتمة

بناء على ما تقدم يمكن القول ان الصراع بين باكستان وأفغانستان ليس وليد اللحظة ولا يرتبط بالجماعات المسلحة فحسب بل هو له جذور تاريخية مرتبطة بنزاع حدودي تقليدي ناجم عن الترسيم الاستعماري البريطاني الذي ولد ازمة حدودية مزمنة يصعب حلها وتسويتها تتعلق بخط ديورند الذي ترفض حكومات أفغانستان المتعاقبة الاعتراف به كمنطقة حدودية، وتعده جزء من الأراضي الأفغانية، وهو ما يجعل من هذا الخط الجغرافي جرحاً مفتوحاً في خاصرة الأمن الإقليمي.

إن التطورات الأخيرة، المتمثلة في تحول هذه الأزمة التاريخية إلى حرب استنزاف ضمن “المنطقة الرمادية”، تؤكد أن المقاربات الأمنية المؤقتة والهدن التكتيكية لم تعد تكفي لاحتواء الموقف. ومما زاد من خطورة المشهد وتعقيده هو التقاطع الزمني لهذا الصراع مع الأزمة الجيوسياسية الكبرى في “الشرق الأوسط”، والتي وفرت غطاءً من التعتيم الإعلامي والتجاهل الدولي، مما منح إسلام آباد وكابول هامشاً خطيراً من المناورة وتجاوز الخطوط الحمراء بعيداً عن أي ضغوط أممية.

وفي نهاية المطاف، يثبت هذا النزاع المنسي أن استقرار المنطقة الاستراتيجية الرابطة بين جنوب وجنوب وسط آسيا لا يمكن أن يتحقق عبر الاكتفاء بوساطات خجولة تفتقر إلى أدوات الردع والضمانات الملزمة. إن ترك هذا الصراع دون تسوية شاملة ومفروضة برعاية دولية وإقليمية ضاغطة، لن يُبقي نيرانه محصورة بين البلدين فحسب، بل سيهيئ بيئة خصبة لنمو وتمدد التنظيمات الإرهــ ـــابية العابرة للحدود، مما يهدد بانهيار البيئة الأمنية الإقليمية، وتقويض المشاريع الاقتصادية الكبرى، وجر المنطقة بأسرها إلى دوامة من الفوضى الشاملة التي ستطال ارتداداتها جميع القوى الإقليمية المجاورة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى