الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
طبيعة الإدراك العراقي للهيمنة الاقتصادية الأميركية العالمية

بقلم: أ.د. سعد السعيدي
مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
منذ النصف الثاني من القرن العشرين قادت الولايات المتحدة الاقتصاد العالمي لا سيما بعد ان انتشلت الاقتصاد الاوربي من الانهيار عبر مشروع مارشال واسست نظاماً اقتصادياً رأسمالياً مهيمن على مجريات العلاقات الاقتصادية الدولية عبر شبكة من عناصر القوة والهيمنة متمثلة بمؤسسات اقتصادية دولية مالية وتجارية ونقدية متمثلة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للانشاء والتعمير ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة من الشركات المتعددة الجنسية الكبرى التي هيمنت لاحقاً على اسواق الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار في الصناعة والخدمات والمصارف، فضلاً عن دور الدولار بأعتباره العملة الاحتياطية الدولية والتي تمنح الولايات المتحدة ميزة فائقة في اطار ادارة النظام النقدي العالمي.
وبعد ان تفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية لم يبقى امام الولايات المتحدة ومعسكرها الغربي اي عائق لفرض هيمنتها الاقتصادية على العالم والتحكم بالاقتصاد العالمي بشكل كبير لا سيما بعد ان تم تعميم الرأسمالية والنظام اللبرالي عالمياً وربط باقي الدول تبعياً بالولايات المتحدة بطريقة تشبه عملية الطرد المركزي عبر تحويل العالم الى نواة ومركز تدور حوله دول بشكل تخادمي وهذا ما انتجه نظام العولمة لفترة من الزمن، حيث اصبحت الكثير من الدول لا سيما منها الدول النامية التي تغرق بديون مصدرها اسواق المال الامريكية والاوربية تدور في فلك الاقتصاد الامريكي الذي يمثل نواة الطرد المركزي بشكل تبعي الى حد كبير ولا تستطيع مخالفة القواعد الامريكية الخاصة بإدارة شبكة العلاقات الدولية السياسية والامنية والاقتصادية والا تعرضت لعقوبات اقتصادية مختلفة (صلبة او ذكية).
فقوة الاقتصاد الامريكي المتمثلة بناتج محلي اجمالي ضخم جداً يبلغ تقريباً ربع الناتج العالمي (28 ترليون عام 2026) وقدرات مالية كبيرة جداً افضت في فترات طويلة الى الهيمنة على سوق المصارف العالمي، ومتوسط نصيب فرد عالي المستوى، وهيمنة على سوق التكنولوجيا العالمي وبالاخص في مجال الذكاء الاصطناعي متمثل بتجمع ضخم جداً من الشركات المختصة في التكنولوجيا فائقة التطور في وادي السليكون ومنها انفيديا واوبن أي ايه ومايكروسوفت وكوكل وميتا وأبل وامزون وغيرها من شركات التكنولوجيا، وسوق داخلي عملاق بقدرات استهلاكية واسعة، ونفوذ كبير في سوق الطاقة العالمي سواء عبر الاستثمار او الانتاج او الاستهلاك انتهى في الفترة الاخيرة الى شبه اكتفاء امريكي من النفط وقدرة على تصدير الغاز الى الاسواق العالمية فضلاً عن هيمنة الشركات الامريكية على اسواق الطاقة، تؤهلها لممارسة ضغوط على اغلب دول العالم بما فيها الدول المتقدمة اقتصادياً.
ان هذه القدرات الاقتصادية الامريكية بالتكامل مع قدرات عسكرية ونفوذ سياسي عالمي مكن الولايات المتحدة من ممارسة شتى انواع الضغوط على الدول الاخرى لا سيما الدول التي لا تمتلك مناعة اقتصادية نابعة من اقتصاد قوي ومتنوع، ومن بين الدول التي لا تمتلك المناعة الاقتصادية وتقوم على اساس اقتصاد هش وشبه متخلف هو العراق.
فالعراق رغم امتلاكه لموارد اقتصادية جيدة متمثلة بواحد من اهم انواع الطاقة الا وهو النفط والذي يبلغ احتياطه منه ما يقرب 150 مليار برميل اي يحتل المركز الخامس عالمياً وقدرة انتاجية جيدة تبلغ بحدود 4 ونص مليون برميل يومياً الا ان العراق يواجه تحديات اقتصادية غير مسبوقة حدت من قدرته على الصمود ومقاومة الضغوط الخارجية لا سيما اذا كانت نابعة من دول الهيمنة الاقتصادية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

فعلى مستوى انتاج وتصدير النفط الذي يمثل ما يقارب 60% من الناتج المحلي الاجمالي و88% من تمويل الموازنة الحكومية العامة و96% من الصادرات الخارجية اي بمعنى انه القطاع الوحيد تقريباً للايرادات العراقية الخارجية ويعتمد عليه الاقتصاد العراقي بشكل كلي، فهو الاخر يواجه تحديات غير مسبوقه تتمثل في سيطرة القطاع الاجنبي على عملية التطوير والانتاج من جهة ومحدودية الخيارات والبدائل العراقية على نقل الصادرات النفطية الى الاسواق العالمية حيث تمر النسبة الاكبر عبر مضيق هرمز الذي يعاني من اضطرابات جيوسياسية مستدامة، ولا تمثل الخيارات الاخرى لنقل الصادرات النفطية العراقية الى الاسواق العالمية سواء عبر تركيا او سوريا (والتي لا تتجاوز حالياً 300 الف برميل يومياً) الا نسبة ضئيلة جداً من حصة العراق المقررة من قبل منظمة اوبك والبالغة 3 ونص مليون برميل يومياً، مما يعني انخفاض حاد في ايرادات العراق الاجمالية وخلق ازمة سيولة وتمويل كبرى تنعكس على الداخل العراقي من جهة وتنعكس على شكل ضعف حكومي وتقلص في خيارات العراق في التعامل مع الضغوطات الخارجية.
كما يواجه العراق مشاكل اخرى في قطاع الطاقة تتمثل في الافتقار لاسطول ناقلات نفطية محلية، و تدهور القدرة على انتاج المشتقات النفطية لتلبية الطلب المحلي المتزايد او انتاج الغاز السائل المصاحب للنفط بعد توقف النسبة الاكبر من عمليات الاستخراج والتي انتجت ازمة داخلية في موضوع القدرة على التجهيز من جهة واحتمالية تضرر الآبار النفطية التي توقفت عن الانتاج على الرغم من المناورة التي تجريها المؤسسات العراقية للتناوب في ايقاف الابار للحيلولة دون تلفها او تعطلها وبالتالي هناك امكانية لخسارة العراق لنسبة كبيرة من قدراته الانتاجية اذا استمرت عمليات اغلاق مضيق هرمز لفترة اطول بالشكل الذي يظهر مدى محدودية الخارات العراقية في موضوع انتاج وتصدير النفط باعتباره مصدر الدخل الاساس للدولة العراقية.
كما يعاني العراق من محدودية القدرة على تنويع الاقتصاد العراقي نظرا لتوقف شبه تام للقدرات التصنيعية لا سيما في مجال الصناعات التحويلية والاعتماد شبه الكلي على الاستيراد من الاسواق الاقليمية والدولية، كما يعاني القطاع الزراعي من تدهور حاد ولا يغطي الا ما نسبته 10% من الحاجة المحلية للغذاء نظراً للسياسات الزراعية والضريبية الخاطئة ونقص المياه وتدهور نظام الري وتقادم التكنولوجيا، وغياب دور اتحاد المصدرين. الخ.

وبنفس الوقت الذي يعتمد فيه العراق على اطراف خارجية لتأمين وصول الدولار الى الاسواق العراقية او الى الحكومة العراقية والبنك المركزي متمثلة بالبنك الفدرالي الامريكي الذي فتحت الحكومة العراقية حساب فيه لايداع اموال العراق وتأمينها وحمايتها من المطالبات الدولية، فإن العراق يعاني ايضاً من بعض المشاكل الادارية المرتبطة بعملية تدهور الاقتصاد وعناصر حوكمة الاقتصاد وتغول الفساد الاداري، كما ان هناك عوائق اخرى تتمثل في بعض العقوبات الاقتصادية التي تفرض احياناً اما على قطاعات بعينها او افراد معينين لاسباب سياسية واقتصادية.
وبما ان الولايات المتحدة غالباً ما تربط سياستها الاقتصادية بسياساتها الخارجية واهدافها العالمية فأنها توظف ادواتها الاقتصادية باعتبارها ادوات قوة ذكية وناعمة لممارسة الضغوط على الدول والحكومات الاخرى عبر التلويح بفرض عقوبات اقتصادية قد تكون تجارية عبر فرض ضريبة كمركية او مالية عبر فرض عقوبات مالية على اشخاص او شركات او مؤسسات حكومية تتمثل في منع الوصول الى السوق الامريكية، او النظام المالي الامريكي او فرض عقوبات على من يتعامل مالياً مع الجهات المستهدفة، او منعهم من استخدام نظام سويفت لتحويل الاموال، او فرض عقوبات نقدية تتمثل بايقاف نقل وشحن الدولار الى الجهة او الدولة المستهدفة، او فرض عقوبات على اي جهة تتعامل مع الدولة المستهدفة، او فرض عقوبات تتعلق بقطاع الطاقة تتمثل بفرض عقوبات مماثلة على اي طرف يشتري او يتعامل مع الدولة المستهدفة.. الخ
ان هذه العقوبات وغيرها الكثير من اشكال العقوبات الاقتصادية الامريكية والتي تتكامل مع عقوبات سياسية وامنية اخرى قد تفضي بالنتيجة الى ايقاع خسائر فادحة باقتصاديات الدول المستهدفة ومنها العراق في حال استهدافه سواء عبر التأثير الحاد بسعر صرف عملتها المحلية الذي يمكن ان يتدهور بشكل كبير (انظر سعر صرف عملة كل من سوريا لبنان وايران وفنزويلا بعد ان تعرضت لعقوبات اقتصادية امريكية) او بقدرتها في الوصول الى الاسواق الدولية، او بميل الدول والشركات على التعامل او الاستثمار في الدولة المستهدفة، او قدرتها في تحويل الاموال اللازمة الى الدول الاخرى لاستمرار الانشطة التجارية.. الخ
وعلى الرغم من ان الهيمنة الاقتصادية الامريكية العالمية لم تعد كما هي عليه بعد السنوات الاولى من تفكك الاتحاد السوفيتي لا سيما بعد ان تصاعدت قدرات بعض الدول الصاعدة اقتصادياً لا سيما منها الصين والهند وروسيا والبرازيل وايران ودول اخرى وارتفعت قدرتها على تحدي الولايات المتحدة اقتصادياً غير ان قدرة الولايات المتحدة على الحاق الاذى الاقتصادي بالدول لا تزال عالية ومؤثرة لا سيما اذا كانت الدولة المستهدفة ضعيفة اقتصادياً او انها تمتلك موارد كبيرة وفرص اقتصادية كبيرة لكنها لم تستثمرها بعد بالشكل الصحيح مثل العراق، فهكذا دول ستتأثر بشكل كبير اذا ما تعرضت لعقوبات اقتصادية وتنعكس بتراجع كبير في سعر صرف عملتها وتدهور للقدرات الشرائية وتضرر لقدرات الحكومة في الايفاء بالتزاماتها امام شعبها ومن بينها قدرتها على تسديد الرواتب او توفير الحاجات الاساسية ومنها الكهرباء والخدمات المختلفة وتمويل الجيش والامن وحفظ النظام العام وهكذا.
ولكن هل يجب على العراق لتفادي فرض عقوبات امريكية ان يكون دولة خاضعة بشكل تام للولايات المتحدة للحيلولة دون اثارة غضبها؟
بالطبع كلا فلا العراق مضطر ان يكون بهذا الوضع ولا الولايات المتحدة راغبة بدفعه الى حد اتخاذ قرارات انفعالية ويائسة، فما بين هذه الخيارات توجد حلول مقبولة يمكن ان تضمن للعراق درجة مقبولة من الاستقلال السياسي وحفظ السيادة وبنفس الوقت تضمن له استدامة العلاقات الاقتصادية الاعتيادية مع الولايات المتحدة والدول الاخرى المستهدفة من قبل الولايات المتحدة، وهذه الخيارات المقبولة والمعقولة منوطة بقدرات صانع القرار العراقي على ادراك طبيعة السياسة والمصالح الامريكية ومصالحها في العراق وطبيعة المصالح العراقية وحدودها والبدائل الممكنة للتعامل مع الولايات المتحدة وتوظيف عنصر المناورة في التعامل مع الولايات المتحدة وعدم الذهاب بعيداً في الاصطفافات الاقليمية والدولية بشكل يضمن للعراق هامش من الحركة والاستقلال في قراره الخارجي دون ان يجعل من نفسه جزء من محور معين او جزء من سياسة معينة بما فيها ان لا يكون جزء من محور امريكي- “اسرائيلي” لاستهداف دول المنطقة.



