الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
استغلال الصين وروسيا للحرب الإيرانية خيارات الولايات المتحدة لتجنّب التداعيات

بقلم: جون ب. ألترمان / علي واعظ
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لقد أوجدت الحرب الأميركية- “الإسرائيلية”** على إيران فرصة استراتيجية مهمة لكلٍّ من روسيا والصين إذ ترى كلٌّ من موسكو وبكين في هذا الصراع وسيلة لتقويض المصالح الأميركية في “الشرق الأوسط” وخارجه، كما تسعيان إلى استغلاله لاستنزاف القوة الأميركية وجمع معلومات استخبارية عن الأنظمة العسكرية للولايات المتحدة وتقويض النظام الدولي الذي تقوده واشنطن، وتدركان كذلك تنوّع الأدوات المتاحة لتحقيق ذلك سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية علنية أو سرّية، وحتى الآن يبدو أن كلا البلدين يحققان تقدماً في هذا المسار.
يمثّل المأزق الذي تواجهه القوات الروسية في أوكرانيا نموذجاً لنمط الأضرار التي تأمل موسكو وبكين في إلحاقها بالولايات المتحدة، فقد دعمت الحكومة الأميركية كييف منذ الغزو الروسي الشامل في شباط 2022 ليس فقط دفاعاً عن دولة ديمقراطية أصغر في مواجهة جار استبدادي أكبر بل أيضاً لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع، إذ أسهمت الحرب في تقييد خصم أميركي واستنزاف القوة الروسية وتكبيد الكرملين عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، كما أن عجز روسيا عن حسم المعركة ضد قوة أضعف نسبياً أضعف التصورات المتعلقة بقدراتها العسكرية وأجبرها على تخصيص مزيد من الجنود والذخائر والمعدات للحفاظ على حالة جمود ميداني وظيفي.
في الوقت ذاته أتاحت هذه الحرب للولايات المتحدة فرصة دراسة الصراع بشكل معمّق لتعزيز فهمها لتكتيكات الجيش الروسي وتقنياته وإجراءاته، كما رأت إدارة جو بايدن في دعم أوكرانيا وسيلة لإعادة تأكيد مكانة واشنطن كقائدة لنظام دولي قائم على القواعد، وقد أسهم الاعتقاد السائد بأن روسيا شنت حرباً عدوانية إلى جانب المخاوف من سلوك توسعي مستقبلي في تمكين الولايات المتحدة من حشد قوى متقاربة التوجهات لعزل موسكو.

أما في الحالة الإيرانية فترى روسيا والصين إمكانية قلب المعادلة ضد الولايات المتحدة إذ يعتقد البلدان أن انخراط واشنطن في حروب لا تنتهي في “الشرق الأوسط” سيحدّ من قدرتها على إزعاجهما أو منافستهما في مناطق أخرى، وفي هذا السياق شهدت المكانة الدولية للصين تحسناً ملحوظاً خلال العقدين اللذين أعقبا هجمات 11 ايلول حين كانت الولايات المتحدة منشغلة بحروب “الشرق الأوسط”، وكما أشار وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار بعبارة لافتة “على مدى عقدين كانت الصين تحقق مكاسب دون أن تخوض حروباً، بينما كانت الولايات المتحدة تخوض حروباً دون أن تحقق انتصارات”.
تسعى موسكو وبكين اليوم إلى جني ثمار انخراط الولايات المتحدة في المنطقة، فلكلٍّ منهما مصلحة واضحة في إغراق واشنطن في حرب منخفضة الحدة لكنها طويلة الأمد تستنزف مواردها وتقوّض مكانتها الدولية، وتمتلك الدولتان أدوات متعددة لتحقيق ذلك من خلال دعمهما لإيران بشكل مباشر أو غير مباشر. غير أن بوسع الولايات المتحدة تجنّب هذا السيناريو عبر الابتعاد عن الأهداف القصوى أو الطموحات المفرطة في هذا الصراع، وبدلاً من ذلك يتعيّن عليها اعتماد مقاربة براغماتية وسطية تقوم على احتواء السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار مع السعي في الوقت نفسه إلى إعادة فتح المسار الدبلوماسي وإحياء تحالفاتها الدولية، وقد لا تُفضي الحرب على إيران إلى منتصر واضح لكن الولايات المتحدة قادرة على ضمان ألا تنتهي بنتيجة تُحسب لصالح الصين أو روسيا.
وصفة لخلق مستنقع استنزاف
تشير معطيات قوية إلى أن روسيا والصين قد زوّدتا إيران بأنواع متقدمة من الاستخبارات التصويرية والإشارية بما يعزّز قدراتها في تحديد الأهداف وتقييم نتائج الضربات، وفي حال تأكّد ذلك فإن هذا الدعم يكون قد مكّن دولة ذات قدرات محدودة نسبياً في مجال الاستطلاع والمراقبة من إلحاق خسائر ملموسة بأصول عسكرية تعود إلى قوة تفوقها بكثير، وبالتوازي مع ذلك تتابع موسكو وبكين العمليات العسكرية الأميركية عن كثب وتعملان على تحليل الأداء العملياتي للقوات الأميركية في ساحة الحرب الإيرانية، على نحو مماثل لقيام الولايات المتحدة بدراسة السلوك العسكري الروسي في الحرب الأوكرانية. وعلى الرغم من النجاح النسبي الذي حققته الولايات المتحدة إلى جانب “إسرائيل” في استهداف وتدمير عدد كبير من الأهداف، فإن عجز الحملة العسكرية عن إخضاع إيران يوفّر لروسيا والصين قدراً من الاطمئنان الاستراتيجي، فبالرغم من تنفيذ عمليات اغتيال طالت شخصيات قيادية وتوجيه ضربات مكثّفة للبنية العسكرية الإيرانية، لا يزال تحقيق نصر حاسم أمراً بعيد المنال.
وقد أفرزت هذه الحرب مكاسب متعددة لروسيا إذ عمدت إدارة دونالد ترامب إلى تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الروسي في محاولة لاحتواء ارتفاع الأسعار ما أتاح لموسكو تحقيق عوائد اقتصادية غير متوقعة، كما أثبتت الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد” قدرة لافتة على الصمود في مواجهة أنظمة الدفاع المطوّرة أميركياً مستفيدة من الخبرات القتالية الروسية المتراكمة، وقد طوّرت موسكو التصميم الأصلي لهذه الطائرات بما عزّز فعاليتها العملياتية، وتشير تقديرات أميركية وأوروبية إلى أنها تشارك هذه التحسينات مع طهران الأمر الذي يعمّق مستوى التعاون العسكري بين الطرفين.
ورغم التفوّق الجوي الواضح للولايات المتحدة وقدرة أجهزتها الاستخبارية على اختراق دوائر صنع القرار الإيرانية، فإن صورة القوة العسكرية الأميركية بوصفها قوة حاسمة لا تُقهر قد تعرّضت لتآكل ملحوظ، فالجمهورية الإسلامية على الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها لا تزال محافظة على تماسكها وقدرتها على الاستمرار. وعلى صعيد آخر يبدو أن موسكو تنظر بارتياح خاص إلى التداعيات التي خلّفتها الحرب على منظومة التحالفات الأميركية، فالفجوة المتنامية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين تمثّل تطوراً استراتيجياً إيجابياً من منظور روسي، إذ إن التحفّظات الأوروبية العميقة تجاه الحرب على إيران – والتي اعتبرت عدة دول أنها تفتقر إلى الشرعية القانونية – إلى جانب التصريحات التصعيدية الصادرة عن دونالد ترامب في 7 نيسان التي حذّر فيها من “زوال حضارة كاملة” من شأنها أن تخلّف أثراً طويل الأمد في العلاقات عبر الأطلسي، وقد يفضي ذلك إلى منح بعض القادة الأوروبيين مبررات إضافية للتشكيك في القيادة الأخلاقية الأميركية حاضراً ومستقبلاً، ورغم احتمال استمرار التنسيق الأوروبي في مواجهة روسيا فإن مستوى التماسك مع الولايات المتحدة لن يعود إلى ما كان عليه سابقاً، ومن هذا المنظور فإن إطالة أمد الحرب في إيران كفيلة بتعميق التباينات الأميركية- الأوروبية وترسيخها.

في المقابل لم تحقق الصين مكاسب اقتصادية مباشرة بحجم تلك التي حصدتها روسيا رغم أن اضطرابات سوق الطاقة الناتجة عن الحرب دفعت العديد من الدول إلى تعزيز اهتمامها بقطاع الطاقة النظيفة الصيني، وقد ركّزت بكين في استجابتها على تقليل الخسائر المحتملة مستفيدة من استعدادات استراتيجية سبقت الأزمة بسنوات تحسّباً لاحتمال تقييد وصولها إلى موارد الطاقة في “الشرق الأوسط”، وفي هذا السياق عملت على بناء احتياطيات نفطية كبيرة خفّفت من أثر تقلبات الأسعار كما سرّعت وتيرة كهربة اقتصادها بما في ذلك أكثر من نصف أسطول السيارات الجديدة مما قلّص اعتمادها على النفط المستورد، إضافة إلى ذلك عزّزت قدراتها في إنتاج البتروكيماويات من الفحم بما يحدّ من انكشافها على إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة.
أما المكاسب الصينية من هذا الصراع فتتمحور أساساً في المجالين السياسي والدبلوماسي، فقد حرصت بكين على ترسيخ صورتها كقوة دولية مسؤولة تدفع نحو التهدئة والتسوية مع تبنّي خطاب متوازن وتحركات دبلوماسية محسوبة، وفي ظل الارتباك الذي أحدثته السياسات الأميركية غير المتوقعة لدى حلفائها في أوروبا وآسيا قدّمت الصين نفسها بوصفها طرفاً أكثر اتزاناً، ما عزّز جاذبيتها لدى عدد من الدول. وفي هذا السياق كثّفت الصين جهودها لتقديم نفسها لحلفاء الولايات المتحدة كشريك موثوق يسعى إلى الاستقرار مستندة إلى نجاحها السابق في رعاية التقارب الإيراني- السعودي، وخلال الصراع الراهن دفعت شريكها باكستان للقيام بدور الوسيط بهدف التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، في خطوة تعكس سعيها لتعزيز مكانتها كفاعل دولي مسؤول في مقابل صورة أميركية تتسم بالتقلب.
وعلى الصعيد العسكري قدّمت الصين دعماً لإيران شمل تزويدها بمواد كيميائية تدخل في تصنيع الصواريخ الباليستية العاملة بالوقود الصلب، وقد تتجه إلى تصعيد هذا الدعم عبر توفير أنظمة رادار متقدمة وصواريخ كروز مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت، ومع ذلك تحرص بكين على الظهور بمظهر الطرف البعيد نسبياً عن صراعات المنطقة مقدّمة نفسها بديلاً محتملاً للولايات المتحدة التي يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها شريك غير موثوق، وبالنسبة للدول الساعية إلى إعادة توازن علاقاتها وتقليل المخاطر الاستراتيجية تبدو الصين خياراً جذاباً وذا موثوقية متنامية.
ضربة لسمعة الولايات المتحدة
لعلّ أخطر تداعيات الحرب على إيران- وأهم المكاسب التي تجنيها كلٌّ من روسيا والصين- تكمن في تقويضها لفكرة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فمنذ أن قدّمت واشنطن نفسها بوصفها “قائدة العالم الحر” في بدايات الحرب الباردة ظلّ بناء هذا النظام وتوسيعه أحد المرتكزات الأساسية لسياستها الخارجية، وعلى امتداد عقود أبدت الولايات المتحدة استعداداً لتحمّل أعباء تفوق نصيبها الطبيعي في دعم حلفائها وشركائها مقابل ضمان اصطفافهم إلى جانبها، وقد استند هذا النهج إلى قناعة مفادها أن تعميق الترابط بين الدول المتقاربة في الرؤى من شأنه تعزيز الازدهار الاقتصادي وتوسيع نطاق التكامل الدولي والحدّ من احتمالات اندلاع الحروب بين الدول بما يحقق عوائد استراتيجية تفوق بكثير كلفة الاستثمار فيه.
وقد تجسّد هذا التوجه في عدد من المحطات المفصلية إذ قادت إدارة جورج بوش الأب تحالفاً دولياً ضمّ 41 دولة لتحرير الكويت عام 1991، كما نظّم جورج بوش الابن تحالفاً من 51 دولة لإسقاط نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، وفي مرحلة لاحقة نجح باراك أوباما في حشد 85 دولة ضمن “التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية” ابتداءً من عام 2014. غير أنّ مثل هذه الترتيبات التحالفية تمثّل نقيضاً بنيوياً لرؤية كلٍّ من موسكو وبكين، فاعتراضهما لا يقتصر على حلف شمال الأطلسي بل يمتد إلى الفكرة الأوسع للتحالفات المؤسسية القائمة على التزامات قانونية للدفاع المشترك، إذ تفضّل كلٌّ من روسيا والصين نظاماً دولياً أكثر تفككاً يقوم على علاقات ثنائية مرنة بما يتيح لهما هامشاً أوسع للحركة والنفوذ، ومن هذا المنطلق ترى الدولتان أن منظومة التحالفات تمنح الولايات المتحدة أفضلية استراتيجية إذ تمكّنها من توظيف شبكة شركائها لإلحاق أضرار بخصومها بطرق لا تتوافر لروسيا والصين بالقدر ذاته.
إلا أن الحرب الأميركية على إيران أسهمت في تقويض الأساس الذي طالما استندت إليه شرعية هذه التحالفات والمتمثل في ادعاء الولايات المتحدة قيادة نظام دولي قائم على القواعد، فإذا احتفظت واشنطن لنفسها بحق شنّ حروب اختيارية دون أدلة قاطعة على تهديد وشيك أو مبرر قانوني واضح فإن قدرتها على إدانة السلوك الروسي في أوكرانيا أو السياسات الصينية المتزايدة الحزم في بحري الصين الشرقي والجنوبي تصبح موضع تساؤل، إن لم تكن فاقدة للمصداقية.
وفي ضوء ارتباط روسيا والصين بعلاقات مع دول الخليج فإن أياً منهما لا يرغب في اندلاع حرب شاملة تُفضي إلى تدمير إيران وإلحاق أضرار ممتدة بدول المنطقة، وفي المقابل فإن تحقيق الولايات المتحدة نصراً حاسماً سيقوّض من مكانتهما الإقليمية، وعليه فإن السيناريو الأمثل من منظورهما يتمثّل في استمرار صراع منخفض الحدة وطويل الأمد يستنزف الموارد الأميركية ويستحوذ على اهتمامها ويثير قلقاً دولياً واسعاً ويكشف في الوقت ذاته حدود القوة الأميركية. وليس من قبيل المصادفة أن هذا السيناريو يتقاطع أيضاً مع مصالح الحكومة الإيرانية، إذ ترجّح النخب الحاكمة في طهران أن فرص التوصل إلى تسوية شاملة مع الولايات المتحدة تظل محدودة في المدى المنظور، وفي هذا السياق قد يمثّل استمرار صراع منخفض الوتيرة – أو دوري – مصحوب بمفاوضات ممتدة تتيح لإيران انتزاع مكاسب اقتصادية سواء عبر تخفيف العقوبات بشكل مباشر أو من خلال عوائد غير مباشرة كرسوم الملاحة شكلاً من أشكال النجاح الاستراتيجي، كما قد يفضي ذلك إلى تعزيز مستوى الدعم الذي تتلقاه إيران من روسيا والصين في إطار سعيهما لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في منطقة الخليج وبعيدة نسبياً عن مجالات نفوذهما الحيوية.
المخرج الدبلوماسي
في ضوء ما سبق لا تتمثّل الاستراتيجية الأميركية الرشيدة في خوض حرب قصوى ولا في انسحاب ساذج من المشهد بل في السعي إلى تحقيق توازن واقعي صارم، وينبغي لواشنطن أن تركّز على منع إيران من اتخاذ خطوات شديدة الإخلال بالاستقرار مع إعادة فتح مسار دبلوماسي ذي مصداقية وتجنّب الانزلاق إلى صراع إقليمي مفتوح وطويل الأمد- وهو السيناريو الذي تطمح إليه موسكو وبكين، فإذا عرّفت الولايات المتحدة “النجاح” بوصفه السيطرة على إيران أو إسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية فإنها على الأرجح ستحصد نتيجة معاكسة: إيران أكثر اصراراً وأكثر التصاقاً بروسيا والصين. ويقتضي ذلك أن تجمع واشنطن بين الردع وطرح مخرج دبلوماسي واقعي فعليها أن توضح استعدادها للتوصل إلى صيغة تعايش جديدة ومتبادلة المنفعة مع إيران، ويمكن تحقيق ذلك عبر حزمة من الخطوات العملية من بينها إنشاء كونسورتيوم دولي بقيادة الولايات المتحدة لتخصيب اليورانيوم على إحدى الجزر الإيرانية في الخليج بما يوفّر لطهران مخرجاً من الازمة يتيح لها الحفاظ على قدراتها النووية دون تمكينها من تحويلها إلى سلاح، كما يمكن لمثل هذا الترتيب أن يعزّز التعاون بين ضفّتي الخليج في إطار ترتيبات جماعية.
خيار آخر يتمثّل في السعي إلى إبرام اتفاق عدم اعتداء مع طهران، ومن المتوقع أن يواجه هذا الطرح انتقادات من التيار المتشدّد الذي قد يراه تعبيراً عن ضعف لعدم اشتراطه استسلاماً كاملاً من إيران كما قد يعتبره التيار الداعي للتهدئة دليلاً على إخفاق إدارة دونالد ترامب في تحقيق نصر عبر القوة، غير أنّ هذا المسار في جوهره هو الأكثر انسجاماً مع توازن القوى والمصالح فإيران ليست قوية بما يكفي للهيمنة على المنطقة، لكنها في الوقت ذاته أكثر تعقيداً وترابطاً وقدرة على الصمود من أن تُخضع بالقوة العسكرية وحدها وبتكلفة مقبولة للولايات المتحدة.
وعلى الصعيد السياسي يتعيّن على واشنطن إعادة ترميم الأسس التي تقوم عليها سياستها الإقليمية، وذلك من خلال تعزيز التنسيق مع حلفائها الأوروبيين وتكثيف التشاور مع شركائها في الخليج، والحدّ من الخطاب التصعيدي الذي يقوّض تماسك التحالفات التي تحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ عليها.
إن معيار نجاح الدبلوماسية الأميركية لا يكمن في قدرتها على تدمير الأهداف داخل إيران بل في قدرتها على تشكيل مخرجات استراتيجية تُعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي، وتحدّ من كونها مصدراً رئيسياً للتهديد في محيطها الإقليمي وتقلّل من اندفاع دول المنطقة نحو موازنة علاقاتها بالانفتاح على بكين، وتحرم موسكو من مكاسب جيوسياسية إضافية.
ولا يتعيّن على الولايات المتحدة أن تمنح خصومها انتصاراً مجانياً عبر الانخراط في حرب طويلة تستنزف مواردها وتُضعف مصداقيتها، بل ينبغي أن تعتمد استراتيجية محدودة ومنضبطة تسهم في خفض التوترات السياسية في الخليج وضمان حرية الملاحة وتترك أمام طهران خيارات بديلة عن الارتهان الكامل لكلٍّ من موسكو وبكين، ففي هذا السياق لا تعني الحكمة السلبية أو التردد بل تمثّل شكلاً من أشكال القوة التي تُمارس بوعي وقصد استراتيجي.
* Jon B. Alterman and Ali Vaez, How China and Russia Can Exploit the Iran War and How America Can Avoid Playing into Their Hands, Foreign Affairs, April 23, 2026.
** مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



