الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

التماسك الاستراتيجي.. تحول الحرب الإيرانية الأميركية إلى اختبار اجهاد حقيقي

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

مع اقترابها من شهرها الثاني بدأت الحرب الإيرانية الامريكية تتحول الى ما يشبه اختبار اجهاد لتماسك كل طرف من الأطراف، فخلال المرحلة الراهنة ووسط وقف اطلاق نار هش تتخلله بعض الخروقات هنا او هناك يسعى كل طرف لتعزيز مكاسبه التي يمكن من خلال البناء عليها حسم الحرب لصالحه، نحاول في هذا التقدير قراءة الواقع الراهن ومعرفة نقاط ضعف وقوة كل طرف لقياس مدى قدرة كل طرف على التماسك ومعرفة من سينكسر اولاً.

 

اولاً: الحالة في إيران

تعاني ايران منذ اندلاع الحرب من صدمات اقتصادية فاقمت من تأثر الاقتصاد الإيراني المحاصر أصلاً منذ 40 عاماً، حيث تشير التقديرات الى ارتفاع تكاليف المعيشة على المواطن الإيراني بالإضافة الى تردي البنية التحتية نتيجة القصف الأمريكي و”الإسرائيلي” المكثف، ورغم محاولات الحكومة إعادة ترميم البنية التحتية المتضررة مثل الجسور والطرق، الا ان حجم التدمير مازال كبيراً وانعكس بصورة سلبية على حياة المواطن، وقد فاقم الحصار البحري الأمريكي من هذه الأضرار مع احتمال حصول ازمة في سلاسل توريد بعض أنواع الأغذية، وكذلك تراجع صادرات النفط الإيرانية.

بالإضافة الى الاجهاد الاقتصادي الإيراني تعرضت القوات المسلحة الإيرانية لإجهاد  عسكري وامني كبير نتيجة لاستهداف مواقع القوات المسلحة الإيرانية من حيث تدمير القوات الجوية ومقرات القوات البحرية وتدمير عدد من السفن الإيرانية، فضلا عن تدمير مواقع الاستخبارات وأجهزة الباسيج وحرس الحدود، مع ثبات إيران واستمرارها في تنفيذ عملية اغلاق مضيق هرمز بواسطة عدد من الزوارق الصغيرة القادرة على اخفاءها عن الطائرات الامريكية بالإضافة الى المنظومات الصاروخية والمسيرة والتي مازالت مخفية بشكل جيد ومموهة ما يجعل قدرة إيران الأستراتيجية وعلى الرغم من الأجهاد الذي تعرضت له مازالت متماسكة.

 

closure of Strait of Hormuz

 

الاجهاد السياسي والاجتماعي على  عكس ما كان يعتقده صانع القرار الأمريكي  نتيجة لتقييمات الاستخبارات لاسيما الموساد “الإسرائيلي” التي سبقت الحرب من ان المعارضة الإيرانية قوية وان النظام فاقد للشرعية وان نموذجاً اقرب لنموذج العراق في عهد صدام سيتحقق بمجرد اغتيال قادة النظام السياسي، بخروج الشعب ضد السلطة السياسية مطالبين باسقاط النظام عندها ستتحرك واشنطن وتل ابيب لدعم المعارضة المسلحة والاحتجاجات لاستكمال المهمة، لكن ما حصل كان على العكس تماماً، ما يشير الى اخفاق محللي الاستخبارات الاستراتيجية “الإسرائيلية” والأمريكية عن قراءة التاريخ القريب المتعلق بالحرب العراقية الإيرانية، وكيف انها كانت حرباً وحدت الشعب الإيراني حول نظامه السياسي بعدما كان يمر بمرحلة انقسام أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979، وبذات الحال فإن الشعب الإيراني الذي كان منقسماً بين موالاة ومعارضة اصبح اكثر تماسكاً بسبب غلبت النزعة القومية على الخلافات السياسية الداخلية والمطالب الاجتماعية، حتى ان الكثير من المعارضين الإيرانيين بما فيهم المتواجدين في خارج البلاد طالبوا بالعودة للدفاع عن بلادهم ضد الحرب الامريكية عليها، ما ولد شعوراً جمعياً إيرانياً بضرورة تجاوز الخلافات الداخلية مع النظام والتضامن الشامل لحماية الوطن والحضارة التي ينتمون اليها.

اما على مستوى الاجهاد المعلوماتي فعلى الرغم من نجاح “إسرائيل” في حملات اختراق سيبرانية في إيران بما فيها اختراق كاميرات المراقبة في شوارع طهران، واختراق التلفزيون الإيراني وتطبيقات الصلاة وارسال رسائل تهدف لتحقيق اهداف نفسية ضد الحرس الثوري والجيش الإيراني، الا ان هذه المحاولات قابلتها محاولات إيرانية مماثلة لا تقل نجاحاً تمثلت باختراق عناوين ايميلات قادة عسكريين “إسرائيليين” والحصول على وثائق هامة من خلال مجموعة القرصنة المرتبطة بإيران المعروفة بأسم “حنضلة”. اما من جانب الدعاية الإيرانية فقد شكلت وسائل التواصل الاجتماعي الماكنة الدعائية الإيرانية عبر نشر فيديوهات مصممة بالذكاء الاصطناعي موجهة للرأي العام الأمريكي بهدف اضعاف سردية ترامب وخطابه حيال الحرب وتأجيج ضغط الشارع ضده.

 

ثانياً: حالة الولايات المتحدة

 

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية حالة اجهاد مختلفة من حيث النوع فالأجهاد على المستوى الأمريكي من نوع مختلف، إذ يقع في جوانب أكثر من جوانب أخرى لاسيما على المستويات السياسية والاجتماعية والعسكرية المعلوماتية، دون المستوى الاقتصادي.

فعلى المستوى السياسي والمجتمعي تواجه مصداقية الإدارة الأمريكية تحدياً امام الرأي العام الامريكي، فكلما طال أمد الصراع تضرر المجتمع وتضررت معه ثقته بالإدارة، وفي وقت تراهن فيه الإدارة على عملية اضعاف شرعية النظام السياسي الإيراني  من خلال الضربات المدمرة للبنية التحتية الأساسية وكذلك من خلال الحصار البحري، بالمقابل فأن ما حصل هو خروج مظاهرات واسعة النطاق ضد سياسات ترامب حيث رفع المتظاهرين شعار “لا للملوك” تعبيراً عن رفضهم لسلوك ترامب المنفرد بالقرارات، كما ان الحرب واضعفت كثيرا من شعبيته السياسية لاسيما في اوساط الجمهوريين وبالتحديد بين حركة     ( (MAGAاو (جعل أمريكا عظيمة مجدداً) التي كانت من ابرز الداعمين له في حملته الانتخابية، حيث نجحت الدعاية الإيرانية بالوصول اليهم وتعزيز سردية ان الولايات المتحدة تخوض الحرب من اجل “إسرائيل” ما اغضب أفراد الحركة الذين يصنفون انفسهم من ضمن الوطنيين الامريكيين (Patriots)، بالتالي تمثل الحرب الراهنة اختبار تحمل واجهاد لمدى شعبية ترامب وقدرة هذه الشعبية على التماسك حتى تحقيق الاهداف.

اما على الجانب العسكري فيعد الجانب الثاني الذي تعرض لإضرار لا يستهان بها سواء عبر الخسائر البشرية التي تشير التقديرات الأمريكية الى إصابة حوالي 600 جندي خلال الحرب (دون تمييز رسمي بين عدد القتلى من الجرحى منهم) ام على مستوى الخسائر المادية اللوجستية من خلال تدمير عدد لا يستهان به من طائرات التزود بالوقود وكذلك طائرات مقاتلة، فضلاً عن تدمير قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج في قطر والبحرين وعمان والكويت والسعودية والإمارات، ما زاد من كلفة العمل العسكري الامريكي ضد ايران.

اما من جانب الإجهاد الاقتصادي فهو القطاع الاقل تضرراً بالنسبة للولايات المتحدة سواء  قياساً بباقي القطاعات الامريكية  الاخرى ام قياساً بقطاع الاقتصاد الإيراني الأكثر تضرراً خلال الحرب، لكنه ايضاً تعرض لاضرار لا يستهان بها شملت ارتفاع أسعار الوقود وزيادة التضخم مع مخاطر حصول ركود تضخمي في الاقتصاد الامريكي يساهم في تسريح العمال وزيادة البطالة والفقر، مما ينعكس سلباً على توجهات الناخب الامريكي والذي نجحت الدعاية الإيرانية في تعريفه عن المسبب الحقيقي لمعاناته من خلال تمكنه من معرفة ان قرار ادارة ترامب جاء من اجل “إسرائيل” وليس من اجل مصالح أمريكية.

بالإضافة إلى ذلك انفقت الولايات المتحدة ميزانية عسكرية 30 مليار دولار خلال 40 يوما من القتال ما ارهق الميزانية العامة المثقلة اصلاً بالديون والالتزامات، وهو امر ايضاً يتنافى مع وعود ترامب الانتخابية بتقليل الإنفاق على الحروب الخارجية لاسيما وانه طلب تمويلاً من الكونغرس بمقدار تريليون دولار لتعزيز الإنفاق العسكري ما يطرح تساؤلات حول مدى النفقات التي سيتحملها دافع الضرائب الامريكي من جراء هذه الحرب.

بالتالي بعد معرفة حالة الإجهاد التي تعرض لها كل طرف لابد أن نعرف مكامن القوة التي تدعم عملية الحفاظ على تماسك كل طرف.

 

ثالثاً: حالة “إسرائيل”

في “إسرائيل” الوضع لا يقل سوءً عن الولايات المتحدة حيث تقاتل منذ ثلاث سنوات متواصلة في حرب طويلة بدأت منذ تشرين الأول 2023 ومرت بمراحل كثيرة من القتال، وهنا حالة الإجهاد مختلفة فالاجهاد يتعرض له المجتمع والجيش والاقتصاد والقيادة السياسية وحتى السمعة الدولية “لإسرائيل”، فالحرب القت بظلالها على المستوطنين “الاسرائيليين” والجنود الذين باتوا يخدمون لمدة طويلة كذلك تعرضت مخزونات الجيش للاستنزاف وخسر العديد من القتلى والجرحى الذين تم تحييدهم عن القتال الى الابد نتيجة إصابات في الأطراف سببت عجزاً مستداماً، كل ذلك ترك الجيش “الإسرائيلي” في حالة نقص حادة في الافراد وهو يقاتل على جبهات عدة، وعلى الرغم من تحقيقه بعض الضربات النوعية الدقيقة عبر سلاح الجو الا ان قواعده وقواعد سلاح الجو منظومات الرادار ومواقع الأجهزة الأمنية الحساسة تعرضت لضربات كبيرة سواء من لبنان ام من ايران، كما ان القتال في جنوب لبنان لم يسفر عن تحقيق تقدم عسكري وسط خسائر كبيرة في الدبابات المدرعات التي اخفقت في اختراق القرى الاولى من الجنوب اللبناني، واقصى ما وصلت اليه هي قرى الخط الثاني من الجنوب دون أن تتمكن من السيطرة عليها.

اما وضع الاقتصاد “الإسرائيلي” فليس بأفضل حالاً “إسرائيل” تواجه حصاراً بحرياً فرضه الجيش اليمني أوقف تماماً ميناء ايلات على البحر الاحمر، فيما تعرض الاقتصاد لصدمة شملت كل القطاعات نتيجة نقص الايدي العاملة وتوقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية فضلاً عن الخسائر الكبيرة التي أصابت البنى التحتية والشركات، فضلاً عن الميزانيات خلال الأعوام الثلاث للحرب والتي زادت فيها النفقات العسكرية مما أدى إلى اجمالي خسائر تقدر بــ 112 مليار دولار بين عامي 2023 و2026.

 

 

اما على الصعيد المجتمعي فقد زادت الحرب مع إيران من الانقسام الحاد داخل “إسرائيل” بين اليمين واليسار وكثفت من حالات الهجرة العكسية وزادت من الازمات الصحية والنفسية لدرجة ان المجتمع بات اقل تماسكاً من ذي قبل.

اما على الصعيد السياسي فقد زاد الخطاب اليميني وتعزز موقفه مع الحرب وهو يدعو لعدم التوقف حتى انهاء الوجود الفلسطيني ويدعو الى التمدد حتى خارج فلسطين المحتلة، كما ازداد عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، مما زاد من حالة التصعيد السياسي اليميني وغلبت الخطاب المتطرف داخل “إسرائيل” على اي خطاب آخر، حيث ازدادت المشاكل حول خدمة طلاب المدارس الدينية وضرورة خدمتهم في الجيش ما شكل ازمة سياسية يمكن أن تلقى بظلالها على حكومة اليمين بعد انتهاء الحرب.

 

رابعاً: مكامن القوة الداعمة للتماسك

يشهد الوضع الراهن مفاوضات في اسلام أباد بعد وقف إطلاق النار في منتصف شهر نيسان الجار، ويحاول ترامب رفع كلفة الضغط على المجتمع والنظام السياسي في إيران اقتصادياً من خلال فرض حصار بحري على إيران يمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية او الخروج منها إلى المياه الدولية عبر إغلاق منطقة بحر العرب، فضلاً عن عمليات إنزال على سفن إيرانية لمنع وصولها الى إيران، ورغم ذلك تمكنت عدد من السفن من المرور عبر الحصار الأمريكي، فيما ردت إيران بإستهداف سفن تابعة للجانب الامريكي تمر عبر مضيق هرمز.

ان الضغط الاقتصادي على ايران يجد ما يقابله من الجانب الاخر حيث تعتمد إيران منذ سنين طويلة على ما يعرف بالاقتصاد المقاوم وهي منظومة اقتصادية تقوم على مبدأ تعزيز الاكتفاء الذاتي بكل شيء من الصناعة والزراعة، ما يجعل الحكومة الإيرانية قادرة على توفير المتطلبات الاساسية للمواطنين في أصعب الظروف الاقتصادية، بالتالي يعد الحصار البحري وفق هذه الظروف وسيلة غير مجدية للضغط على ايران اقتصادياً الا اذا قامت الولايات المتحدة بشن ضربات تستهدف البنية الاقتصادية المدنية والتي يمكن أن تدمر قدرات إيران على التصنيع والزراعة، مما يؤدي إلى ازمة غذائية ضاغطة تختبر صبر المجتمع.

أما عسكرياً فعلى الرغم من تعرض إيران لضربات قوية في مواقعها العسكرية خلال الحرب الا انها كانت تحظى بميزة دعم روسي وصيني نوعي تمثل بتمرير بعض المعلومات الاستخبارية الحيوية حول المواقع والأهداف الامريكية و”الاسرائيلية”، سواء بتزويدهم بصور أقمار صناعية ام بإرسال معلومات حول تحركات القوات الامريكية في المنطقة، كما دعمت روسيا والصين إيران في تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيرة فعلى الرغم من أن إيران كانت رائدة في مجال الطائرات المسيرة الانقضاضية وهي من زودت روسيا بهذه التكنولوجيا لاستخدامها في الحرب ضد اوكرانيا الا ان روسيا من خلال الممارسة والتجربة طورت تكنولوجيا الطائرات الانقضاضية بشكل اكبر تمكنت من تزويد إيران بنسخ مطورة منها وتبادل الخبرات معها مما مكن إيران من تنفيذ ضربات نوعية بالطيران المسير الانقضاضي، بشكل مازالت الدفاعات الامريكية عاجزة عن التصدي له بفعالية.

بالمقابل تملك الولايات المتحدة القدرة على حشد قواتها وإعادة الانتشار في منطقة الخليج لتعزيز خسائرها لكن هذه الخطوة تعاني من مشكلة لوجستية تتعلق بالمسافات الطويلة التي تقطعها الطائرات الامريكية والجسر الجوي نحو “الشرق الأوسط” من مناطق مختلفة حول العالم لاسيما وان الحرب تحتاج إلى موارد تسليح اسلحة كثيرة تتلاءم مع حجم دولة متوسطة القوة ذات مساحة جغرافية واسعة مثل إيران، كما ان مسألة شن عملية برية أمريكية تتطلب حشداً هائلاً وانتشار واسع النطاق واستعداد للتضحية بإعداد كبيرة من الجنود والقوات من اجل تنفيذ غزو بري في دولة مثل إيران، بالتالي في هذا الجانب تمتلك إيران مميزات استراتيجية تعزز قدرتها على الصمود والتماسك عسكرياً مثل المساحة الجغرافية الواسعة التي تمنحها عمقاً استراتيجياً وطبيعة التضاريس الصعبة الجبلية، فضلاً عن تماسك المجتمع مع القوات المسلحة واستعداده للتضحية حتى الموت في مواجهة اي عمل عسكري بري، مما يجعل التفكير بأي عمل بري باهض التكلفة ان لم يكن غير مضمون العواقب بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

لكن مميزات القوة الامريكية التي تساعد واشنطن على الثبات ترتبط بقوة الاقتصاد الامريكي بالدرجة الأولى وهو الاقتصاد الأقوى في العالم بناتج محلي إجمالي سنوي يصل إلى 28 تريليون دولار وهو ما يساعد الولايات المتحدة على المطاولة في عملية عسكرية، لكن من ناحية الاستعدادات العسكرية يمكن أن تواجه القوات الامريكية نقصاً حاداً في الذخيرة بسبب طبيعة تسليح هذه القوات وكلفة الأسلحة التي تنتجها شركات السلاح الامريكية وما تتطلبه من تقنيات متطورة تحتاج مدة طويلة للمعالجة خلال مراحل الإنتاج وان محدودية الذخيرة وحجم المعركة وإمكانية تحولها المعركة طويلة يمكن أن يضعف قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في حال قامت بأنفاق قدر كبير من ذخيرتها في هذه الحرب لاسيما تلك الذخيرة الاستراتيجية مثل الصواريخ العابرة للقارات وصواريخ الطائرات والقنابل والصواريخ الاعتراضية، كل ذلك يفرض قيوداً على واشنطن تحد من قدرتها على شن حرب طويلة الأمد على ايران.

بالتالي فأن المفاوضات الراهنة في باكستان تساهم في مساعدة الطرفين على التقاط بعض الانفاس على الأقل على المستوى العسكري فيما تساهم على المستوى الاقتصادي في الضغط على اقتصاديات الطرفين بشكل متفاوت أما على المستوى السياسي  فتساهم في زيادة تماسك المجتمع الإيراني مقابل تآكل شعبية الإدارة الأمريكية امام الرأي العام الامريكي، مما يضعف من قدرة ترامب على تحقيق نتائج سياسية اكبر على مستوى الداخل الامريكي وسط ازدياد المعارضة ضده.

لذلك نجد ان إيران تدرك الضغط السياسي الناجم عن التداعيات العسكرية والاقتصادية التي يتعرض لها ترامب في الداخل الامريكي لذلك فأنها تسعى للحصول على مطالبها والتفاوض وفق الشروط التي ترغب بها واطالة أمد التفاوض لزيادة الضغط على ترامب الذي مازال يعتبر الوقت عاملاً ضاغطاً بالنسبة له بفعل انه مازال يبحث عن الحسم السريع للصراع قبل انتخابات التجديد النصفي في نهاية العام الجاري 2026، حيث أن استمرار ضغط الحرب على الشارع الامريكي سيضعف من حظوظ الجمهوريين في الانتخابات المقبلة وسيكون البرنامج الرئيس لكل مرشح هو معارضة الحرب والدعوة لإعادة القوات الامريكية الى البلاد.

اما بالنسبة “لإسرائيل” ورغم الإجهاد الذي تعرضت له طوال مدة الحرب المستمرة منذ 3 سنوات ومن بينها المواجهة الأخيرة ضد إيران فأنها مازالت تحظى بدعم المجتمعات اليهودية في الخارج ومازالت الأموال والاسلحة تتدفق عليها من الولايات المتحدة، ومازالت تحظى بحصانة عن الملاحقة الدولية لقادتها وجنودها المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، كما انها باتت تعتمد على توظيف المرتزقة في الجيش بهدف تقليل الخسائر البشرية في صفوف اليهود، فيما قامت توطين 6000 هندي يقال انهم من أصول يهودية من قبيلة يهودية ضائعة شمال فلسطين المحتلة، بهدف زيادة عدد السكان وتعويض النقص الحاصل نتيجة الهجرة والخسائر البشرية، في محاولة للحفاظ على التماسك السياسي والاجتماعي المتضرر حدا نتيجة للحرب، اما على المستوى العسكري فهي على الاقل مازالت قادرة على تحقيق بعض النجاحات الاستخبارية وتوجيه ضربات نوعية لإغتيال قيادات مهمة في إيران ولبنان وهو ما يجعلها محتفظة ببعض مكامن القوة رغم ما تعرضت له من انتكاسات عسكرية في جبهات مختلفة.

 

الخاتمة

في الختام يمكن القول ان الحرب التي انعدلت في أواخر شباط عام 2026 ضد إيران بتحالف امريكي “اسرائيلي”، تمر حالياً بمرحلة توقف مرحلية لحين التقاط كل طرف لانفاسه وتجهيز نفسه الأسلحة والمعدات وأعادة تقييم الخطط السابقة ووضع خطط جديدة وما المفاوضات الا وسيلة او مبرر لإيقاف الحرب مؤقتاً لحين استجماع القوة مجدداً، وبالتالي يمكن القول ان الحرب هذه تمثل اشبه باختبار اجهاد لكل الاطراف ينتصر فيها من يكون الأكثر تماسكاً لذلك  نخلص الى مجموعة من النتائج هي:

 

  1. ان عوامل التماسك الإيرانية مازالت ترتبط بشكل رئيسي حول المجتمع الإيراني الذي كان يُعتقد انه سيكون المعول الذي يهدم تماسك الدولة الا انه كان اللبنة الاساسية في الحفاظ على تماسكها ومنع انهيارها ولعل ما دفعه للتماسك والتضامن مع الدولة عاملين مهمين يجهلهم صانع القرار الأمريكي هما العقيدة الأسلامية الصلبة التي يعتنقها معظم الإيرانيين والتي تزودهم بثبات كبير مدعوماً بنزعة قومية لشعب معتد بذاته محب لارضه وحضارته ويكره تدخل الغرباء وهو مزيج نادر وصلب جداً يصعب كسره ويولد ثباتاً شعبياً واجتماعياً ومقاومة فريدة من نوعها.

  2. ان التماسك الامريكي يستند على قدرة الولايات المتحدة وتفوقها الاقتصادي وهو تماسك يعوقه غياب الدعم الشعبي للحرب حيث أن الشعب الامريكي يرفض الحروب الخارجية التي لا يرى فيها مصلحة وطنية مباشرة، وهو ما يمنح المعارضة السياسية المتمثلة الحزب الديمقراطي وناخبيه ورقة ضغط فعالة ضد ادارة ترامب ويؤثر على الخارطة السياسية الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في تشرين الثاني 2026.

  3. ان التماسك “الإسرائيلي” غالباً ما يعتمد على الدعم الخارجي مادياً واعلامياً وعلى ثبات اليمين المتطرف من المتدين اليهود الذين يؤمنون عقيدة يهودية توراتية تفيد بأحقيتهم في الأرض، مما يمنحهم ثباتاً عقائدياً يدفعهم للضغط على حكومة نتنياهو للأستمرار في القتال رغم أستمرار رفضهم الأنخراط الفعلي فيه في القتال، لكنه يولد انقساماً داخلياً حاداً مع التيارات العلمانية داخل “إسرائيل”.

  4. من ينكسر اولاً: يبقى هنا السؤال الجوهري الذي يحتاج إلى إجابة وفي الحقيقة في هذه المعركة من ينكسر أولاً هو من:

    • يستنفذ إمكانياته العسكرية أولاً من ذخيرة ومعدات ويعاني نقصا في القوات.

    • يفشل في الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية ودعمها للحرب.

    • يفشل في الحفاظ على اقتصاده من الأنهيار وسط الحرب او حالة التفاوض ويخفق في تحمل صدماتها الاقتصادية.

    • يتحمل كل ما سبق دون أن يحقق أهدافه الرئيسية التي دخل بها في بداية الحرب.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى