الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

نقطة ضعف ترامب التي كشفتها إيران.. انهيار الأسواق هو هاجسه الأكبر

بقلم: مايكل هيرش
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

دونالد ترامب يحب أن يقدّم نفسه بوصفه صاحب سلطة مطلقة، فقد صرّح الرئيس الأميركي بأنه لا يخضع لأي قيود حقيقية سوى ضميره الأخلاقي متجاوزًا- بحسب رؤيته- القانون الدولي أو مواقف الدول الأخرى، في الوقت الذي يوظف فيه القوة العسكرية الأميركية ويهدد بإعادة تشكيل النظام التجاري والسياسي عالميًا. غير أن تراكم المؤشرات خلال أكثر من عام من التصعيدات الحادة والإنذارات العسكرية يكشف عن عامل واحد يبدو خارج نطاق سيطرته ويثير قلقه بشكل متكرر (الأسواق المالية)، ويُعدّ تراجعه المفاجئ يوم الثلاثاء عن تهديداته المتشددة- التي وصلت إلى حد الحديث عن تدمير حضارة إيران- في أعقاب إغلاق طهران لمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، وما تبعه من قبول ضمني بشروط تميل لصالح إيران أحدث مثال على ذلك.
وقد باتت تقلبات الأسواق التي يبدو أن ترامب يتعامل معها بوصفها رفضًا شخصيًا عنصرًا ثابتًا فيما يُعرف بتداول TACO (ترامب دائمًا يتراجع)، ويعود هذا النمط إلى ما يزيد عن عام بدءًا من إعلانه في نيسان 2025 فرض رسوم جمركية شاملة مرورًا بتهديده غير المنفذ بغزو غرينلاند في كانون الثاني، وصولًا إلى تراجعه الأخير عن التصعيد العسكري مع إيران.
ورغم تأكيد ترامب أن ما جرى لا يتجاوز هدنة مؤقتة لمدة 14 يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق أوسع فإن المشهد لا يزال غامضًا، خاصة مع استمرار رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو- الذي يُعتقد أنه غير راضٍ عن إنهاء العمليات القتالية بهذه السرعة- في مواصلة هجمات في لبنان، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول مدى التزام طهران بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بشكل كامل، لكن المؤكد أن ترامب الذي بدأ حربًا استمرت 40 يومًا دون مبرر واضح هو من بادر إلى التراجع أكثر من طهران.
فالنظام الإيراني لا يزال قائمًا رغم ما لحق به من أضرار كبيرة ويواصل السيطرة على مضيق هرمز بل ويطرح الآن فرض رسوم على المرور عبره وهو ما لم يكن قائمًا سابقًا، في المقابل تشير التطورات إلى أن ترامب فقد إلى حد كبير رغبته في مواصلة التصعيد العسكري في هذه المواجهة، وقد عكس وزير دفاعه بيت هيغسيث هذا التحول بوضوح عندما تحدث بصيغة الماضي عن الحرب، واصفًا عملية الغضب الملحمي بأنها انتصار تاريخي وساحق.
كما لمح ترامب عبر منصة تروث سوشيال إلى أن إيران- أي النظام نفسه- يمكنها الآن بدء عملية إعادة الإعمار في إشارة تعكس تحولًا في الخطاب، ورغم محاولات تصوير ما يجري على أنه التعامل مع نظام جديد فإن تقارير إعلامية تشير إلى استمرار بنية السلطة ذاتها، مع بروز السيد مجتبى خامنئي نجل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي كلاعب مؤثر في دوائر القرار.

ويعكس مفهوم TACO بُعدًا أعمق يرتبط بطبيعة ترامب السياسية والشخصية فهو يقدّم نفسه كرجل أعمال بالدرجة الأولى، وقد ارتبطت صورته الذاتية طوال حياته بالثروة المالية سواء في بنائها أو استعراضها أو قياسها، ولا يزال هذا التصور حاضرًا في رئاسته إذ ينظر إلى نفسه باعتباره قائدًا يعيد عظمة أميركا عبر الأداء الاقتصادي، ويستشهد بمؤشرات مثل داو جونز وستاندرد آند بورز بوصفها انعكاسًا مباشرًا لنجاحه السياسي، فيما يعدّ التضخم وارتفاع أسعار الفائدة تحديًا شخصيًا.

 

تزداد قناعة وول ستريت بأن الأسواق باتت تتكيف مع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائم على التصعيد ثم التراجع، فيما يُعرف بتداول "TACO".
تزداد قناعة وول ستريت بأن الأسواق باتت تتكيف مع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائم على التصعيد ثم التراجع، فيما يُعرف بتداول “TACO”.

 

لكن هذا الارتباط الوثيق بالأسواق قد يشكّل في الوقت نفسه نقطة ضعفه الأساسية، فكلما تراجعت الأسواق أمام سياساته بدا وكأنه يتراجع بدوره بسرعة، كما لو أنه يستجيب لإشارة رفض مباشرة. وفي المحصلة لا يبدو أن الخصم الأهم لترامب هو إيران أو الصين أو روسيا أو حتى الحلفاء الأوروبيون بل منظومة أكثر تجريدًا واتساعًا: النظام المالي العالمي بتقلباته وضغوطه المستمرة، إلى جانب أسواق الطاقة الدولية التي لا تخضع لسيطرة مباشرة، وهي قوة يصعب ضبطها أو التحكم بها مهما بلغت أدوات النفوذ السياسي. ويميل نمط سلوك ترامب في الغالب إلى تكرار ذات المسار: أسابيع من المطالبات والتصعيد الحاد، يعقبها تراجع مفاجئ في لهجته الاستعراضية مع اضطراب الأسواق ورفضها ثم إعلان التوصل إلى اتفاق، وبعد ذلك ينتقل عادةً إلى ملف آخر نادرًا ما يعود إليه مجددًا.
ويمكن مقارنة هذا النمط بما حدث في تهديداته تجاه غرينلاند وبما جرى مؤخرًا في ملف إيران، ففي أواخر العام الماضي وبدايات 2026 أطلق ترامب تهديدات متواصلة بالاستحواذ على غرينلاند بأي وسيلة ممكنة، ومع تصعيده لاحتمال التدخل العسكري شهدت الأسواق العالمية تراجعًا حادًا أدى إلى خسائر تجاوزت 1.2 تريليون دولار في مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وأعاد إلى الواجهة خطاب بيع أميركا الذي رافقه بعد إعلان الرسوم الجمركية قبل عام.
ولم يهدأ الوضع إلا بعد تدخل الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس حيث أعلن ترامب بشكل مفاجئ وجود إطار اتفاق يمنح القوات الأميركية إمكانية الوصول إلى الجزيرة- وهو أمر قائم فعليًا أصلًا، وفي هذا الأسبوع وبينما عبّر عن استيائه مجددًا من تردد دول الناتو في دعمه في حربه غير المنسقة ضد إيران، عاد ترامب إلى ذكر غرينلاند لأول مرة منذ أشهر.
لكن ما ورد على لسانه لم يوحِ بأن إطار الاتفاق كان متقدمًا فعليًا إذ قال في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض كل شيء بدأ، إن أردتم الحقيقة مع غرينلاند… نريد غرينلاند، هم لا يريدون إعطاءها لنا فقلت: وداعًا، ومع ذلك يبدو أن هذا الملف لن يشهد مواجهة جديدة مع الأسواق في المدى القريب.
وبالطريقة ذاتها اصطدمت نزعة التهوّر والتضخم السياسي لدى ترامب بواقع الأسواق المالية في ملف إيران، فبعد دخوله الحرب تحت افتراض أنها ستكون سريعة ومحدودة وأن إيران لن تتصرف وفق ما حذّرت منه الاستخبارات الأميركية- أي إغلاق مضيق هرمز- وجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا: ارتفاع قياسي في أسعار الوقود وأزمة في الأسمدة ومشتقات النفط وتراجعات متكررة في الأسواق المالية تلتها موجات انتعاش طفيفة كلما لمح إلى احتمال إنهاء التصعيد.
وبطبيعة الحال لم تكن الأسواق العامل الوحيد، ففي حالة غرينلاند أظهرت دول الناتو تماسكًا واضحًا في مواجهة الضغوط الأميركية ودافعت عن سيادة الدنمارك بل ولوّحت بإمكانية نشر قوات، وفي حالة إيران أثارت تهديداته بتدمير محطات الطاقة والجسور- وما قد يترتب على ذلك من خسائر بشرية واسعة- إضافة إلى تصريحه صباح الثلاثاء بأن حضارة كاملة ستختفي الليلة، ردود فعل غاضبة داخل حزبه وعلى مستوى دولي واسع.
لكن وكما في كل مرة بدا أن البعد المالي هو الأكثر حضورًا في حساباته، فخلال 40 يومًا فقط انتقل من خطاب يتحدث عن كونه الرئيس الوحيد القادر على مواجهة نظام شرير ومجنون، إلى طرح فكرة التعاون مع طهران بل وفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، وقال في مقابلة مع ABC”نفكر في الأمر كمشروع مشترك”.

 

وفي منشوره على منصة تروث سوشيال، كشف ترامب بوضوح عن جمهوره المستهدف “يوم عظيم للسلام العالمي”! إيران تريد ذلك، وقد اكتفت! وكذلك الجميع! أموال ضخمة ستُجنى… هذا سيكون العصر الذهبي “للشرق الأوسط”!!! الرئيس دونالد جون ترامب”.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى