الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

فلسفة التفاوض كمرآة حضارية مقارنة بين المنظور الشرقي والمنظور الغربي

المفاوضات الإيرانية- الأميركية انموذجاً

بقلم: أ.د. إبراهيم حردان مطر

الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية

 

 

من اساسيات العملية التفاوضية انها  تقوم على العلم والفن اذ ان التفاوض يرتكز على اسس علمية تحدد فيه الاصول والمسارات وهو ايضا يقوم على الفن في توظيف القدرات بشكل يحقق الأهداف بأقل التكاليف. غير ان جوهر العملية التفاوضية ينبثق من فلسفة تصاغ وفق رؤية ذات طابع حضاري وبعد قيمي لشعوب ومجتمعات الدول تحدد طبيعة العملية التفاوضية ومسارتها، واذا ما اردنا ان نناقش التفاوض من منظور منهج الصراع نجد اختلافاً فلسفياً لمنظور التفاوض بين المجتمعات. اذ نجد المجتمعات الشرقية ترى في التفاوض هو الملاذ الأخير في صراعها مع الطرف الاخر عندما يصبح حسم ملف الصراع عبر الوسائل العسكرية مكلف في حسابات الربح والخسارة، كما وانها تفسر التفاوض ومن يطلبه بأنه الطرف الخاسر والذهاب الى المفاوضات يعني الذهاب الى قبول الخسارة ولكن بأسلوب دبلوماسي والمطلع الى الخطاب الجماهيري للشعوب الشرقية يجده مسكون بمفردات النصر والهزيمة وكسب معركة التعاطف الجماهيري اكثر من حسابات المحافظة على الذات وتحقيق المصالح لذلك يتساوق الخطاب الاعلامي مع مجريات المفاوضات.

في حين نجد ان السلوك الغربي في التفاوض يقوم على فلسفة انجاز الأهداف وتحقيق المصالح ولا ينشغل الخطاب الاعلامي، بل وحتى فلسفة التفاوض بمفردات النصر والهزيمة كما هي فلسفة المجتمعات الشرقية، فنجده يتفاوض وهو في قمة ادائه العسكري ورجحان كفة قوته من منطلق ان انجاز الاهداف ان تمت عبر المفاوضات هي الافضل وفق حسابات الربح والخسارة وتكلفة الانجاز.

والمتتبع والدارس للسلوك التفاوضي الايراني عبر مراحل زمنية مختلفة وضمن قضايا متنوعة يجد ان فلسفة المفاوض الايراني لا يخرج عن نسق الفلسفة الشرقية في التفاوض اذ تركز على مفردات النصر ودحر الاعداء وان طلب التفاوض من قبل العدو هو هزيمة دبلوماسية له، وما لم تحصل عليه في الميدان فلن تكسبه في قاعة المفاوضات وهذ ما اعلن عنه المسؤولين الايرانيين دوماً في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الامريكية، فضلاً عن ذلك يجد المفاوض الايراني ان الموت بشرف افضل من النجاة مع الاستسلام والخسارة المادية لا تعني شيء مقابل التضحية في سبيل الموقف لا المصلحة فالتفاوض يعد معركة وجودية.

كما نجد ان الايرانيين ارسوا قواعد جديدة في علم التفاوض يمكن ان نصفه (بالمدرسة الإيرانية في التفاوض) تنطلق من منظور قيمي يقوم على سلوك (النفس الطويل او ما يوصف بالنعم ولكن) والبعض يصفه بأنه اسلوب يستمد مما يعرف بحياكة السجاد التي يستغرق فيها الحائك اشهر ولربما سنوات حتى ينجز المهمة لهذا نجد المفاوض الايراني ماهر في المناورة والمماطلة الهادفة الى كسب الوقت وايقاع الطرف الاخر في متاهة الملفات وخلط الاوراق بقصد الوصول الى مرحلة يجد فيها نفسه انه استنزف وقته وجهده لدرجة الممل والبحث عن اسهل الطرق للنجاة.

مقابل هذا النسق في المفاوضات نجد ان الفلسفة الغربية في التفاوض تقوم على منهج الصفقة وعلى الطرف الاضعف التسليم بكل شيء مقابل النجاة والمرتكز الاساس هو المصالح لا المواقف والوضوح في الاجابة القطعية المطلوبة من الطرف الاخر. المنظور الغربي يقبل التنازل عن جزء مقابل النجاة عكس المنظور الشرقي الذي لا يقبل المساومة ويجد في التنازل عار وهزيمة تمس صميم الانتماء.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى