الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
ضرورة مساءلة النخب الأميركية المؤيدة للحرب
الداعمون للمغامرة الكارثية في إيران لا ينبغي أن يُعفَوا من تحمّل المسؤولية *

بقلم: ستيفن م. والت
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بكفاءة عالية في مجالات عديدة غير أن محاسبة النخب ليست من بينها، فقد منح الرئيس جيرالد فورد عفوًا لريتشارد نيكسون وأصدر جورج بوش الأب عفوًا عن المسؤولين المتورطين في فضيحة إيران- كونترا فيما امتنع باراك أوباما عن ملاحقة المسؤولين الذين أجازوا استخدام التعذيب بشكل غير قانوني، أما مهندسو الحروب الكارثية في فيتنام والعراق فقد ظلوا أعضاء محترمين في المؤسسة الحاكمة حتى نهاية حياتهم بل شغل بعضهم مناصب قيادية أو مواقع مريحة في مؤسسات مرموقة واستمروا في التأثير في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية، وحتى المتسببون في الأزمة المالية عام 2008 لم يُساءلوا إذ جرى طيّ الصفحة والمضي قدمًا وفي ضوء هذا السجل لا يبدو مستغربًا أن تميل الولايات المتحدة إلى تكرار أخطائها.
تُجسّد الحرب مع إيران هذا النمط بوضوح وبغضّ النظر عن مصير وقف إطلاق النار الذي أُعلن يوم الثلاثاء فإن المؤشرات تؤكد أن اللجوء إلى الحرب كان خطأً استراتيجيًا جسيمًا، فقبل شهرين فقط كان مضيق هرمز مفتوحًا وكانت إيران تحت السيطرة وقيادتها تفتقر إلى الشعبية كما كانت أسعار النفط والغاز أقل والمخزونات الأميركية من الأسلحة أكثر وفرة، أما اليوم فقد ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد وتسارع التضخم وأصبحت إيران تسيطر على المضيق وتحقق عوائد من رسوم العبور في حين باتت حكومتها أكثر تشددًا وأصغر سنًا وتحظى بدعم شعبي متزايد، في المقابل تراجعت المخزونات الصاروخية الأميركية وتعرضت منشآت حيوية في المنطقة لأضرار كبيرة، كما تكشّف للعالم نمط قيادة أميركي يتسم بالتسرّع وغياب الرؤية وعليه لم يعد هناك ما يبرر تأجيل مساءلة المسؤولين عن هذه الكارثة الاستراتيجية غير الضرورية.

وقد سبق أن عرضتُ تقييمًا أوليًا للمسؤوليات مشيرًا إلى الجهات التي تتحمل القسط الأكبر من اللوم وتلك التي لا ينبغي تحميلها إياه، وتبقى المسؤولية الأساسية بطبيعة الحال على عاتق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي”** بنيامين نتنياهو إلى جانب مساعديهما الذين مكّنوهما من اتخاذ هذا القرار، غير أن مثل هذه القرارات لا تنشأ في فراغ ففي الأنظمة الديمقراطية غالبًا ما يُمهَّد الطريق نحو الحروب غير المحسوبة عبر كتاب الرأي وجماعات الضغط والمستشارين وغيرهم من “الخبراء” الذين يعملون لسنوات لإقناع صانعي القرار بأن استخدام القوة العسكرية كفيل بحل أزمات معقدة، ومع مرور الوقت تُطبَّع فكرة اللجوء إلى القوة بحيث يبدو قرار الحرب- بما يحمله من تداعيات على حياة الآلاف- خيارًا عاديًا بين بدائل متعددة.
وعادةً ما تتكرر الصيغة ذاتها تصوير العدو المختار بوصفه تجسيدًا للشر المطلق وغير قابل للإصلاح ثم الترويج لفكرة أن الحملة العسكرية ستكون سريعة وسهلة ومنخفضة التكلفة مع وعود بمكاسب واسعة ومستدامة، وفي المقابل يجري التحذير من أن الوقت ينفد وأن التردد سيقود إلى عواقب وخيمة، وغالبًا ما يتم تجاهل الخسائر البشرية في صفوف المدنيين وما يواجهه الناجون من معاناة بعد الدمار بل ويُفترض- بقدر كبير من الثقة- أن الشعوب المستهدفة سترحب بالتدخل، وتتكرر هذه السردية إلى أن تتوافر الظروف التي تدفع قائدًا متهورًا إلى تبنيها. وفي هذا السياق برزت أصوات لعبت دورًا محوريًا في إضفاء الشرعية على قرار الحرب، ويأتي من بينها بريت ستيفنز كاتب الرأي في صحيفة “نيويورك تايمز” الذي دافع لسنوات عن خيار الحرب مع إيران كما أيد- ولا يزال- غزو العراق عام 2003 ومن موقعه في واحدة من أبرز المنابر الإعلامية العالمية كتب في عام 2024 مقالًا بعنوان “نحن بحاجة بالتأكيد إلى التصعيد في إيران” ثم جدّد هذا الموقف عشية الحرب في مقال بعنوان “حجج ضرب إيران”، ولا يزال متمسكًا بهذا التوجه حيث يواصل نشر مقالات يؤكد فيها أن الحرب تسير في الاتجاه الصحيح محذرًا من أي تراجع في الجهد الأميركي، وإذا كان البعض لا يرى بأسًا في توجيه الموارد العامة نحو الحروب أو في تحمّل كلفة ارتفاع أسعار الوقود فبإمكانه- ساخرًا- أن يبعث له برسالة شكر.
على غرار ستيفنز دعا ماثيو كرونيغ الباحث في “المجلس الأطلسي” إلى الحرب ضد إيران لأكثر من عقد بدءًا من مقاله عام 2012 بعنوان “حان وقت مهاجمة إيران”، وقد مثّل ذلك المقال نموذجًا تقليديًا لسوء التحليل الاستراتيجي إذ جمع بين افتراضات متفائلة للغاية بشأن مسار الحرب وتوقعات متشائمة في حال عدم وقوعها، وأعاد كرونيغ تدوير هذه الحجج في كتاب لاحق دون أن يغيّر موقفه قيد أنملة وفي عام 2025 جدّد دعوته للحرب مؤكدًا أن خطر التصعيد الواسع ضئيل لأن إيران لن تردّ بتصعيد مماثل- وهو تقدير يبدو أن القيادة الإيرانية لم تأخذه بعين الاعتبار أو لم تقتنع به أساسًا.
كما برزت دانييل بليتكا ومارك ثيسن ومايكل روبين من “معهد أميركان إنتربرايز” كأصوات متحمسة بقوة لخيار الحرب، فعشية اندلاعها خاض هؤلاء المعروفون بتوجهاتهم المتشددة نقاشًا مطولًا في إحدى المدونات الصوتية شرحوا فيه أسباب تأييدهم لقيام إدارة ترامب بإحداث تغيير في النظام الإيراني متوقعين أن يكون إسقاطه سهلًا بل وتناولوا بشكل عابر فكرة اغتيال قياداته، ولا تزال بليتكا تدافع عن الحرب رغم تكاليفها المتصاعدة ومؤشرات الارتباك في الموقف الأميركي في حين لا يبدو أي من الثلاثة معنيًا بالكلفة الإنسانية أو الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي أو احتمال ارتكاب جرائم حرب.

وينبغي كذلك مساءلة نيال فيرغسون الباحث في “مؤسسة هوفر” الذي- انسجامًا مع دعمه السابق لغزو العراق عام 2003- دعا في مطلع عام 2026 إلى استكمال المهمة التي بدأت في الصيف الماضي، وصرّح قائلًا “من دون شك سيكون إسقاط هذا النظام الشرير مفيدًا للإيرانيين العاديين وللمنطقة بأسرها بل وللعالم”، وعندما استجابت إدارة ترامب لهذا الطرح طمأن قرّاءه في صحيفة “فري برس” بأن “الحرب الأميركية- “الإسرائيلية” ضد الجمهورية الإسلامية لن تطول”، غير أنه عاد لاحقًا ليتراجع عن تفاؤله متسائلًا عمّا إذا كانت الحرب قد تتحول إلى صراع عالمي- وهو احتمال كان من الأجدر التفكير فيه قبل الدعوة إليها. كما يستحق الجنرال المتقاعد جاك كين الإشارة في هذا السياق، فعلى الرغم من أن بعض القادة العسكريين المتقاعدين أعربوا عن شكوكهم إزاء جدوى الحرب ظلّ كين من أبرز المؤيدين لها، وقبيل اندلاعها صرّح لقناة “فوكس نيوز” بأن الخيار العسكري هو الأفضل واعتبره فرصة تاريخية لتغيير النظام، ومنذ ذلك الحين واصل الدفاع عن الحرب مشيدًا بقرارات ترامب ومتوقعًا نهايتها قريبًا.
ولا تكتمل صورة دعاة الحرب دون الإشارة إلى مارك دوبويتز وشركائه في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)وهي إحدى أبرز الجهات المرتبطة باللوبي المؤيد “لإسرائيل”، فقد كانت المؤسسة من أشد المعارضين للاتفاق النووي مع إيران (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي أسهم في تقليص قدرات التخصيب الإيرانية ومخزون اليورانيوم المخصب وأطال أمد الوصول المحتمل إلى السلاح النووي، وبعد فشلها في منع توقيع الاتفاق ساهمت في إقناع ترامب بالانسحاب منه خلال ولايته الأولى رغم التزام إيران ببنوده والدفع نحو سياسة “الضغط الأقصى” بهدف إسقاط النظام.
وكان منتقدون قد حذّروا آنذاك من أن التخلي عن الاتفاق سيدفع إيران إلى استئناف التخصيب والاقتراب أكثر من امتلاك سلاح نووي- وهو ما حدث بالفعل- وسيضع الولايات المتحدة لاحقًا أمام خيار استخدام القوة بكل ما يحمله من تبعات سلبية وهي التداعيات التي نشهدها اليوم، غير أن هذه المخاطر لم تردع دوبويتز الذي صرّح في مقابلة مع إذاعة NPR في شباط بأن على الولايات المتحدة أن تضرب أولًا ثم تتفاوض، ومنذ ذلك الحين واصلت المؤسسة لعب دور داعم للحرب رغم تزايد المؤشرات على سوء تقدير الإدارة الأميركية والتكاليف الإنسانية المتفاقمة التي خلّفها الصراع على المستوى العالمي. يُضاف إلى ذلك مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون الذي- رغم تحوّله لاحقًا إلى أحد أبرز منتقدي دونالد ترامب بما في ذلك انتقاده لإدارته للحرب- ظلّ لسنوات من أشدّ المؤيدين لاستخدام القوة لإسقاط النظام الإيراني ومعارضًا لأي مسار دبلوماسي بين واشنطن وطهران، فقد عارض الاتفاق النووي لعام 2015 ودعم سياسة “الضغط الأقصى” خلال الولاية الأولى لترامب رغم إخفاقها كما صرّح في مقابلة مع شبكة PBS في آذار 2026 بأن قرار الحرب في “مبرَّر تمامًا” مضيفًا أن العالم كان سيصبح أكثر أمانًا لو اتُّخذ هذا القرار قبل عشرين عامًا، وعلى الرغم من خلافه مع ترامب يظل بولتون ضمن الأصوات التي أسهمت في الدفع نحو هذه الحرب.
ومع ذلك فإن هذه الأسماء لا تمثل سوى جزء من طيف أوسع من الشخصيات التي دعت إلى مهاجمة إيران قبل 28 شباط 2026 واستمرت في الدفاع عن هذا الخيار لاحقًا، ولم يشمل هذا العرض بعض الشخصيات السياسية مثل السيناتورين الجمهوريين ليندسي غراهام وتوم كوتون ولا عددًا من الوجوه الإعلامية البارزة مثل مارك ليفين وشون هانيتي، ومن المرجح وجود أسماء أخرى أسهمت في تكريس مناخ سياسي مهّد لقرار خوض صراع مفتوح جديد في “الشرق الأوسط” رغم ما ينطوي عليه من تداعيات جسيمة على الاقتصاد العالمي وقدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحديات أمنية أكثر إلحاحًا، وبالإمكان توسيع هذه القائمة ومتابعة ما إذا كان أي من هؤلاء سيُقرّ لاحقًا بإخفاق تقديراته. وإذا انتهت هذه الحرب بهزيمة كبيرة للولايات المتحدة- وهو احتمال يزداد ترجيحًا- فمن المرجّح أن يسعى الداعمون لها إلى تبرير مواقفهم عبر الادعاء بأن قرار الحرب كان صحيحًا من حيث المبدأ، مع تحميل المسؤولية لترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث ووزير خارجيته ماركو روبيو ونائبه جيه دي فانس وغيرهم بدعوى سوء التنفيذ، غير أن هذا التبرير يفتقر إلى المصداقية إذ إن مؤشرات الارتباك وسوء الإدارة كانت واضحة قبل اتخاذ قرار الحرب، ولم تكن هناك معطيات واقعية تدعم فرضية نجاحها بسهولة.
وإذا أراد الأميركيون تفادي تكرار هذه الأخطاء فعليهم تقليص الاعتماد على هذه الأصوات التي دأبت على تقديم توصيات ثبت إخفاقها، صحيح أن الدعوة إلى المساءلة ينبغي ألا تنزلق إلى الإفراط فصنع السياسة الخارجية بطبيعته مجال غير يقيني ولا يُصيب أحد في جميع تقديراته، غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن العقلاء يعترفون بأخطائهم ويتعلمون منها بينما يميل الأيديولوجيون إلى التمسك بمواقفهم رغم إخفاقها، وعندما يواصل شخص ما تقديم الوصفات ذاتها ويقود إلى النتائج السلبية نفسها دون مراجعة يصبح من الضروري البحث عن مصادر بديلة للمشورة.
وفي إطار الحفاظ على مبادئ الحرية لا يعني ذلك الدعوة إلى ملاحقة هؤلاء أو معاقبتهم أو تقييد آرائهم، فما يزال مبدأ حرية الفكر والنقاش كما صاغه جون ستيوارت ميل ركيزة أساسية لإنتاج سياسات أكثر رشادة على المدى الطويل، غير أن صون حرية التعبير لا يستلزم منح جميع الأصوات القدر نفسه من الحضور أو التأثير.
ومن هنا يمكن أن تبدأ المساءلة عبر تحديد هذه الأصوات وتوثيق مواقفها- وهو الهدف من هذا الطرح، كما يُفترض بالصحفيين تنويع مصادرهم عند طلب التحليل والخبرة بدلًا من الاعتماد المتكرر على الأسماء ذاتها، وينبغي لمحرري الصحف التعامل مع مقالات دعاة الحرب بقدر أكبر من التدقيق وأن تتيح وسائل الإعلام والمنصات الحوارية مساحة أوسع لوجهات نظر أكثر توازنًا، والأهم من ذلك أن يعتمد صناع القرار على طيف أوسع وأكثر موضوعية من الخبراء عند التعامل مع قضايا السياسة الخارجية المعقدة.
* By Stephen M. Walt, America’s Pro-War Elites Must Be Held Accountable Advocates for the disastrous adventure in Iran shouldn’t escape responsibility, foreign policy, April 9, 2026.
** مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



