الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

التحولات الاستراتيجية وهندسة النظام الدولي

دراسة جيوسياسية

بقلم: أ.م.د. فاضل عبدعلي حسن

مركز ذي قار للدراسات التاريخية / رئاسة جامعة ذي قار

 

لم تكن العلاقات الدولية ثابتة بل متغيرة تبعاً للظروف والمآلات التي ينتجها الحراك الدولي، وكما يعرف بعلم السياسة بأن (الثابت الوحيد في السياسة هو متغير) وهذا ما يعرف بالصيرورة التاريخية أو الحتمية التاريخية، فالتحولات السياسية والاجتماعية في النظام الدولي وعلى مدى عقود من الزمن أنتجت لنا نظاماً عالمياً متغيراً تبعاً للظروف السياسية والحراك الدولي المستمر، وعبر هذه الدراسة ستتم مناقشة تشكل النظام الدولي والتحولات التي جرت في هذا النظام وعبر عدد من المحاور:

 

المحور الاستراتيجي: ثمة مقاربة (بيولوجية عضوية) ما بين اقليم الدولة وجسم الكائن الحي، أشار اليها كل من (هاوسهوفر وراتزل وكيلين)، إذ تبين بأن اقليم الدولة يجب أن ينمو كما ينمو جسم الكائن الحي، وان الدولة التي لا ينمو اقليمها ولا يكبر فهي تعد دولة مريضة، والنمو هنا يكون عبر التوسع الاقليمي على حساب الدول الصغيرة الأخرى “والانقضاض عليها والتهامها”، لا بل ذهب (كيلين) الى أبعد من ذلك اذ يرى بأن اقليم الدولة يقابل جسم الكائن الحي والعاصمة هي القلب والأنهار تمثل الشرايين والخلايا تمثل الأفراد.

وفي السياق ذاته يرى (راتزل) بأن الصراع الدولي صراع ما بين الوحدات السياسية، يفضي بالنتيجة الى البقاء للأقوى، إذ يشير أيضاً بأن التوسع المفترض للدول الكبرى بحاجة الى اقتصاد قوي اضافة الى قوة عسكرية متطورة والى عامل ديموغرافي كبير كي يتحقق ذلك التوسع، أما الدول الصغيرة فستدور في فلك الدول الكبيرة وإلا سيتم الاستحواذ عليها قسراً لأن البقاء للدول الكبيرة فقط دون غيرها، ومن ثم سيكون هنالك صراع ما بين الدول الكبيرة فيما بينها فتنصر واحدة وتكون هي الدولة العظمى التي تقود العالم.

فلم تكن العلاقات الدولية قديماً كما هو الحال في النظام الدولي الجديد، بل كانت النظريات الاستراتيجية ترى بأن هنالك صراعاً ما بين (المياه واليابسة)، وهذه الأخيرة تتشكل من قبل قارة آسيا وأفريقيا وأوروبا وتسمى (بالجزيرة العالمية) ويشير (هالفرد ماكندر) بأنه من يسيطر على القلب يسيطر على الجزيرة بالكامل ومن يسطر عليها يسيطر على العالم بأكمله، أما اليوم فان منطقة قلب العالم هي منطقة “الشرق الأوسط”، ومن يسيطر على تلك المنطقة فانه يسيطر على العالم، فهذه المنطقة تتمتع بموقع جيوسياسي واستراتيجي وتعد من أهم مناطق العالم بمواد الطاقة (النفط والغاز)، إذ تمثل نسبة انتاج الطاقة في “الشرق الأوسط” نحو 30% من انتاج الطاقة في العالم.

 

لم يكن ماكيندر من نوعية العلماء الذين يكتفون بالتنظير، بل آمن بأن الجغرافي يجب أن يختبر بنفسه خرائط الأرض

 

المحور الثاني: نهاية الحرب العالمية الثانية والقطبية الثنائية (الأمريكية السوفيتية): بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م بانتصار الحلفاء تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة من قبل الدول الخمسة الكبار (الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا)، وأصبحوا الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وعشرة أعضاء غير دائمين ينتخبون لمدة سنتين، وكان مجلس الأمن الدولي يعد الجهاز التنفيذي في المنظمة، وكانت القرارات الإجرائية تؤخذ بموافقة جميع الأعضاء مع حقهم باستخدام حق النقض (الفيتو)، أما القرارات الموضوعية (قرارات الفصل السابع) فيتم اتخاذها بموافقة جميع الأعضاء في المجلس مع موافقة جميع الأعضاء الدائمين دون استخدام (الفيتو)، وفي فترة الحرب الباردة لم يتم اتخاذ قرارات في ضوء الفصل السابع بسبب الاستخدام المفرط (للفيتو) من قبل الاتحاد السوفيتي الغريم والمنافس الأمريكي الوحيد، ولكن بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، تم اتخاذ قرارات في ضوء الفصل السابع بشكل كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وغياب (فيتو) الاتحاد السوفيتي، ومن الجدير بالذكر فان الولايات المتحدة الأمريكية كانت حينذاك تتمتع باقتصاد يصل نحو 30% من الاقتصاد العالمي، وبالتالي فهي تدعم منظمة الأمم المتحدة بنحو 30% من ميزانية المنظمة والباقي يساهم فيه الأعضاء الآخرين، بالتالي فان الممول الأول هو اللاعب الأول وهو المؤثر الأول.

 

المحور الثالث: نهاية الحرب الباردة وبروز الأحادية القطبية: تحول النظام الدولي من ثنائي القطب الى الأحادي، وباتت الولايات المتحدة الأمريكية تتحكم في العالم وتهيمن على العلاقات الدولية، وقد أدركت حينذاك الدول الصاعدة ومن بينها روسيا صعوبة مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية للحد من هيمنتها بشكل منفرد، فأخذت بتشكيل وتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون وتجمع البريكس بمشاركة (الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وعدد من جمهوريات آسيا الوسطى)، وطالبت هذه الدول ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 بأن لا يعتمد التعامل الدولي بالدولار فقط، وانما بسلة عملات عالمية ومن بينها اليوان الصيني.

 

مجموعة “بريكس” (BRICS) تكتل اقتصادي عالمي بدأت فكرة تأسيسه في سبتمبر/أيلول 2006، حينما عُقد أول اجتماع وزاري لوزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

 

المحور الرابع: التنافس الاقتصادي الأمريكي– الصيني في النظام الدولي: كان الاتحاد السوفيتي هو المنافس الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية أبان الحرب الباردة، وقد تمكنت الأخيرة من تفكيك الاتحاد السوفيتي بإدخاله في مسألة سباق التسلح في ثمانينيات القرن العشرين، وعلى الرغم من عدم تمكن الاقتصاد السوفيتي من مواجهة هذا السباق أعلن تراجعه وعدم قدرته على المواجهة، فتم تفكيكه وإعلان استقلال جمهورياته عنه أواخر تسعينيات القرن العشرين، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية من أن تهيمن على النظام الدولي، إلا أنه كان للصين رأياً آخراً، فان تحول الصين من دولة زراعية الى دولة صناعية مطلع عام 1978م مكن الصين من أن تكون الدولة ذات الاقتصاد المتسارع جداً، إذ أنها باتت في غضون مدة معينة أن تكون القطب الاقتصادي الثاني عالمياً، بناتج اجمالي قومي سنوي وصل نحو 5 ترليون دولار ومعدل نمو نحو 9% عام 2013م مقابل 13 ترليون دولار ومعدل نمو 4% للولايات المتحدة الأمريكية، وأخذ الأمر بالتزايد حتى وصل الناتج القومي الاجمالي السنوي للصين نحو 18 ترليون دولار ومعدل نمو 12% عام 2025م مقابل 23 ترليون دولار 7% للولايات المتحدة الأمريكية، من هنا نلاحظ تقلص الفارق الاقتصادي ما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، عبر الأذرع الاقتصادية الكبيرة التي تعتمد عليها الصين في دعمها لاقتصادها، ومن بينها (طريق الحرير) والموانئ الاقتصادية كميناء (غوادر) التي استثمرته الصين من باكستان واستأنفت العمل فيه عام 2013م، اضافة الى الاعتماد على الطاقة الايرانية المصدرة للصين، إذ تستقبل الصين نحو 40% مما تصدره ايران الى الخارج، الأمر الذي هدد الوجود الأمريكي في العالم.

وبناءً على ما تقدم فان هذا الأمر يهدد مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، فسعت الأخيرة برسم هندسة جيوسياسية لتقويض المكانة الاقتصادية الصينية في العالم، ولا سيما منطقة “الشرق الأوسط” من خلال تطبيق خارطة “شرق أوسطي” جديد، ولكن هذه الخارطة لا يمكن تطبيقها إلا من خلال السيطرة على ايران لأنها تعد العقبة الوحيدة والرئيسة في هذا المشروع، وتعد ايضاً قلب العالم استراتيجياً، فاذا سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على ايران تسيطر على منطقة “الشرق الأوسط” بالكامل.

 

المحور الخامس: الحرب الأمريكية “الاسرائيلية”- الايرانية: هنالك رؤيتان ونظريتان حيال الحرب الدائرة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، فالحرب ما بين “اسرائيل” وايران هي (حرب صفرية)، فكلاهما يريد انهاء الآخر بالكامل وفقاً للسردية الدينية لكل منهما، والحرب ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هي حرب اقتصادية لتقويض الاقتصاد الصيني في المنطقة، ولكن تطابقت المصلحة الأمريكية مع مصلحة “اسرائيل” للدخول في هذه المواجهة وهذه الحرب، فالسردية الدينية “لاسرائيل” ترى بأن اقليم الكيان تكون حدوده من البحر الى النهر، وبالتالي من الضرورة بمكان التوسع في منطقة “الشرق الأوسط” لتحقيق نبوءة هذه السردية عبر انهاء ايران الدولة العقائدية بشكل كامل، كونها تعد العقبة الكؤود في طريق تشكيل هذه الخارطة وفق تصورهم، أما ايران فإنها ترى بأنها الدولة المفترضة لتهيئة الأرضية للدولة التي تستقبل الإمام الغائب (ع) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، فمن الضرورة بمكان مواجهة هذا (الكيان الغاصب) وإنهاءه بالكامل.

 

 

وتأسيساً على ما تقدم فان الحرب الدائرة سوف لن تتوقف بحدود ايران فحسب، بل ستلتهم المنطقة بالكامل من أجل تحقيق استراتيجية “اسرائيل” بدولته المفترضة وتشكيل “الشرق الأوسط” الجديد الذي كانت ومازالت تخطط له الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، تماماً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وظهور نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما، ونظام الحكومة العالمية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن تشير الدراسات الحديثة بأن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ليست الدولة الوحيدة المؤثرة والمهيمنة في النظام الدولي، بل هنالك تراجع نسبي في مكانتها العالمية لا سيما على المستوى الاقتصادي، وتأسيساً على ما تقدم وفي ضوء التقدم الصيني اقتصادياً، فان النظام الدولي بات نظاماً متعدد الأقطاب، ولم يثبت كونه أحادياً، في ظل اتحاد الدول الصاعدة في منظمات اقليمية دولية للحد من الهيمنة الأمريكية في العلاقات الدولية، من هنا فالعالم اليوم يتطلع الى نظاماً دولياً جديداً تعددياً مرتقباً تكون فيه الولايات المتحدة الأمريكية أحد أقطابه الرئيسة ولكنها ليست المتحكمة فيه.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى