الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

عيون خفية على الطريق: عندما يتحول قطاع النقل إلى محطات استخباراتية

بقلم: الباحثة زينة مالك عريبي

 

تعد عسكرة التكنولوجيا المدنية من أحدث   التحولات التكنولوجية في عصرنا الحالي وهي الاخطر، بسبب التحولات الجيوسياسية التي يعيشها العالم الان، حيث تمت إعادة تطويع الأدوات المصممة لخدمة الرفاهية البشرية منها الاتصالات والالعاب وشبكات النقل الذكية الى أدوات سيطرة ورقابة امنية، حيث اطلقت “إسرائيل” مؤخرا نموذج إلكتروني خاص بالاستخبارات “الإسرائيلية” يعمل على عسكرة التكنولوجيا المدنية وتوظيف النقل في المجالات الاستخباراتية، حيث لم يعد الطريق مجرد وسيلة للربط الجغرافي بل تحول إلى بيئة استخباراتية متكاملة تعمل بالذكاء الاصطناعي، وستكون هذه الورقة التحليلية إجابة عن التساؤل الاتي “ماهي التداعيات الجيوسياسية لعولمة نموذج المراقبة “الإسرائيلي” في قطاع النقل، وهل نحن بصدد الانتقال من سيادة القانون الى سيادة البيانات التي تدار بعقلية عسكرية تحت غطاء الخدمات المدنية؟”

 

أولاً: التوظيف العلني لقطاع النقل في خدمة الاستخبارات

في ظل غياب تنظيم قانوني واضح وآليات رقابة فعالة، حيث كشف تقرير رسمي المراقب “اسرائيلي” عن اتساع استخدام الشرطة “الإسرائيلية” لأدوات التنصت والاختراق التكنولوجي من عام 2011 الى عام 2021.

وقد وسعت الشرطة “الإسرائيلية” ادواتها التكنولوجية بشكل كبير وهذا الأمر قد مكنها من جميع معطيات اتصال حساسة بما في ذلك تحديد المواقع للهواتف المحمولة الحواسيب وما إلى ذلك، ولكن هذا التوسع قد خلق اشكالية معقدة في الموازنة بين متطلبات تنفيذ القانون وحماية الامن العام وبين صوت الحق في الخصوصية في ظل غياب تشريع واضح ومحدث ينظم هذه الصلاحيات من بينها المصادقة القانونية على استخدام أدوات تنصت دون الاستناد الى اراء قانونية من وزارة القضاء او المستشارة القضائية للحوكمة التكنولوجية المستخدمة.

 

 

بما معناه ان الشرعية لا تعني ان التجسس اصبح قانونيا بمعايير دولية بل انه انتقل من التجسس السري الى العلنية، فعندما تعلن شركة صناعات الفضاء “الإسرائيلية” عن بناء مركز سيبراني للنقل، كأنما يقولون “اننا نستخدم الشوارع لجمع المعلومات”، هذا الإعلان لم يكن مجرد تسريب، بل هو سياسة تهدف إلى تكامل البيانات (Data Fusion) من خلال ربط أنظمة إدارة المرور المدنية بقواعد بيانات الشاباك والجيش، مما يسمح بتحويل حركة السير اليومية إلى “خارطة أهداف” حية، وهنا قد اصبح الامر عبارة عن استراتيجية شاملة معلنة تحت ذريعة الامن القومي ومنع الارهــ ــاب.

ويمكن القول ان الاستثمار في “استخبارات وسائل النقل” يعني توظيف الحافلات العامة المزودة بكاميرات محيطية وأجهزة استشعار لتكون بمثابة “مركبات استطلاع أرضية” تجوب الشوارع وترصد التغيرات الميدانية لحظة بلحظة.

 

ثانياً: هندسة السيطرة عبر الخوارزميات الحديثة

تعتمد هذه العسكرة بشكل أساسي على تحويل قطاع النقل من مرفق خدمي الى مختبر للفرز البيومتري ويقصد به (بيئة تجريبية لفحص وتصنيف البشر بناءً على خصائصهم الحيوي، يعني تحويل حقك في التنقل إلى “بيانات رقمية” تخضع للفحص والتدقيق المستمر، مما يجعل الشارع مكاناً تفتقد فيه للخصوصية تماماً، وتصبح فيه هويتك الجسدية هي “جواز سفرك” أو “قيدك” في آن واحد( وهذا الأمر يجمع بين التكنولوجيا والأمن وذلك من خلال:-

 

  1. بوابات العبور الذكية: ويقصد بها أمكانية استبدال الحواجز التقليدية بأنظمة ذكية تعمل بشكل تلقائي تكون مهمتها فرز العابرين بناءً على بصمة الوجه وسلوك المشي، بما معناه تحويل محطات القطار الحافلات الى نقاط تفتيش افتراضية غير مرئية.

  2. التنميط المكاني: ويقصد به استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل تدفق الركاب فإذا انحرف مسار شخص ما عن الروتين اليومي الذي رصدته الخوارزميات  يتم تصنيفه على الفور كهدف أمني محتمل.

 

وهذا يعني ان عسكرة النقل هي اغتيال الفرد في سجن من الألياف الضوئية او اغتيال الحيز العام للفرد الذي يستخدم المواصلات العامة حيث سيجد نفسه مرغما على تقديم بياناته الشخصية بشكل قسري وهذا سيخلق نوع من الارتباك السلوكي لدى الافراد.

 

ثالثاً: هندسة الخضوع.. التداعيات السياسية والجيوسياسية

لا تتوقف عسكرة قطاع النقل عند حدود جمع البيانات الأمنية، بل تمتد لتصبح أداة لـ “الهندسة الاجتماعية والسياسية”. إن تحويل الشوارع والحافلات إلى مجسات استخباراتية يخلق واقعاً سياسياً جديداً يتجاوز مفاهيم الديمقراطية والحرية التقليدية، و​تتجاوز هذه العسكرة البعد الأمني لتصل إلى صلب المستقبل السياسي للدول.

 

الانكشاف المعلوماتي الشامل: يؤدي انتشار السيارات الذكية المزودة بانظمة تجسس وتعقب الى تهديد الامن القومي للدول المستوردة لها لاسيما في حال اقتناءها من قبل المسؤولين الحكوميين او افراد الاجهزة الامنية والاستخبارية، حيث تعمل السيارات على جمع المعلومات عن مسارات الحركة لهؤلاء وتزويد المصدر بذلك فضلا عن قدرتها على تسجيل الحديث الذي يدور في السيارات سواء عبر المحادثات الشخصية او المكالمات الهاتفية ما يمكن الجهة المصنعة للسيارة من جمع قاعدة بيانات ضخمة عن كل شخص يقتني تلك السيارات ما يجعل الدولة المستوردة لهذا النوع من السيارات معرضة لانكشاف  معلوماتي شامل يهدد امن وسلامة قادتها واعضاء اجهزتها الامنية، ما يفرض على الدول وضع قيود وضوابط محددة لفحص السيارات المستوردة.

 

تآكل الحيز السياسي: تاريخياً، كانت الشوارع والميادين هي الفضاء الذي تتشكل فيه الهوية السياسية والحركات الاحتجاجية. عسكرة النقل تعني أن هذا الفضاء لم يعد “عاماً” بل أصبح “مؤمّناً ومراقباً”. عندما يدرك المواطن أن خوارزميات “بصمة المشية” والتعرف على الوجوه تلاحقه في كل محطة حافلة، فإنه يمارس “الرقابة الذاتية” فالاحتجاج يصبح مستحيلاً في بيئة تتنبأ بالتجمعات قبل حدوثها وتحدد هوية المشاركين فيها لحظياً، مما يحول الشارع من مساحة للحرية إلى مساحة للخوف الصامت عبر قدرة الخوارزميات على رصد التجمعات قبل تشكلها، وتتبع القادة الميدانيين رقمياً.

 

تصدير نموذج السيطرة”: تسويق هذا النظام عالمياً كنموذج ناجح لـ “المدن الذكية الآمنة”، مما يهدد بتحويل شوارع العالم إلى ثكنات غير مرئية تُدار بذكاء اصطناعي قمعي، تمثل الحالة “الإسرائيلية” “نموذجاً مرجعياً” يتم تسويقه للأنظمة القمعية حول العالم. إن نجاح عسكرة قطاع النقل في الأراضي الفلسطينية يُقدم كبضاعة تحت مسمى “الحلول الأمنية للمدن الذكية”. هذا يؤدي إلى عولمة المراقبة، حيث تصبح حقوق الإنسان عالمياً مهددة بتقنيات “مُجربة ميدانياً”. السياسة الدولية هنا تتشكل بناءً على توازن القوى الرقمي، حيث تمتلك الدول التي تسيطر على خوارزميات النقل والمراقبة القدرة على هندسة المجتمعات والتحكم في سلوك الشعوب العابر للحدود.

 

انتقال السيادة: تحول القرار من سيادة القانون إلى “سيادة البيانات”، حيث يحرم المواطن من حقوقه بناءً على تنبؤ آلي لا يمكن الاستئناف ضده،وهذا من أخطر التداعيات السياسية هو تحويل إجراءات الطوارئ إلى “روتين يومي”. عندما يتم الإعلان علناً عن دمج النقل بالاستخبارات، فإن الدولة تفرض واقعاً يُلغي الفاصل بين “الحرب” و”السلم”. يصبح المواطن في حالة “تفتيش مستمر” حتى وهو ذاهب لعمله، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات المدنية وتحويل الدولة إلى “سجن كبير بصرياتياً”، حيث القضبان ليست من حديد، بل من ألياف ضوئية وعدسات ذكية.

 

 

الخاتمة

​إن ما كشفه الإعلان “الإسرائيلي” عن دمج قطاع النقل في المنظومة الاستخباراتية ليس مجرد تطور تقني، بل هو “إعلان وفاة” للمساحة المدنية الخاصة كما عرفناها. لقد نجحت “عسكرة التكنولوجيا” في تحويل رصيف المشاة وحافلة النقل من مرافق للخدمة العامة إلى أدوات للضبط والسيطرة، حيث لم يعد الاحتلال بحاجة إلى حضور فيزيائي مكثف طالما أن “الخوارزمية” تقوم بدور الجندي الواشي في كل زاوية.

​إن خطورة هذا النموذج تتجاوز الحدود الجغرافية، فما يُختبر اليوم في “المختبر البيومتري” المفتوح يُسوق غداً للعالم كحلول للمدن الذكية، مما يهدد بتحويل شوارعنا العالمية إلى مساحات مكشوفة معلوماتيا امام الاخر. نحن اليوم أمام معضلة امنية وسياسية خطيرة: هل سنسمح للتكنولوجيا بأن تعيد تعريفنا كـأهداف رقمية؟ أم أن الوقت قد حان لاستعادة  الحق  في الحصول على تكنولوجيا خالية من ادوات التجسس الخفية؟

​في نهاية المطاف، إن “العيون الخفية” على الطريق لا تراقب خطوط حركتنا فحسب بل تتجسس على كلامنا وتنظم المعلومات التي تجمعها في قاعدة بيانات ضخمة يمكن ان يتم الاستفادة منها لاحقا لتهديد امننا القومي بشكل شامل في اي وقت حيث تكون هذه التكنولوجيا سببا في انهاء حياة الافراد المستخدمين لها ان لزم الامر.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى