الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
بين الاستجداء والاستياء: مضيق هرمز وانكشاف الحقيقة المرة لواشنطن

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم تعد أزمات “الشرق الأوسط” تقاس فقط بمدى التصعيد العسكري بل بقدرتها الفائقة على تعرية حدود القوة وإعادة تعريف التحالفات الدولية. في هذا السياق تجاوز مضيق هرمز كونه مجرد ممر استراتيجي للطاقة ليتحول إلى نقطة انكسار جيوسياسية كشفت عن تصدع عميق في جدار الهيمنة الأمريكية. وبينما كانت واشنطن تراهن على “الاستجابة التلقائية” لحلفائها كجزء من التزامات “الأمن الجماعي” صُدمت بواقع دولي جديد يفضل “الحياد البراغماتي” على الانخراط في مغامرات عسكرية غير مضمونة العواقب. إن هذه الأزمة لم تكشف فقط عن قوة الخصوم بل كشفت عن وهن الارتباط بين القطب الواحد وتوابعه التقليديين.
أولاً: صدمة الرفض وخيبة الأمل الأميركية
كشف تصعيد مضيق هرمز عن فجوة سحيقة بين الرؤية الأمريكية للقيادة وسلوك الحلفاء القائم على تجنب التبعات. على المستوى الأمريكي لم تكن التصريحات الرسمية مجرد تعبير عن عتاب دبلوماسي بل حملت نبرة من الذهول الاستراتيجي. لقد عكس إصرار واشنطن على مبدأ “تقاسم الأعباء” اعترافاً ضمنياً بأن كلفة الانفراد بحماية الملاحة أصبحت تفوق قدرة الخزينة والأسطول الأمريكيين، وهو ما قوبل ببرود أوروبي وآسيوي مفاجئ كشف عن تصدع المظلة الأمنية.
لقد كانت اللحظة الأكثر إيلاماً لواشنطن هي التمرد الصامت لكبار الحلفاء فبينما كانت واشنطن تدعو لتشكيل تحالف عسكري موحد تحت قيادتها، فضلت عواصم مثل باريس وبرلين وبروكسل إطلاق مبادرات أمنية مستقلة (مثل بعثة EMASoH)، في رسالة واضحة مفادها: “نحن نحمي مصالحنا، لكننا لا نتبع أجندتكم التصعيدية”. هذا الانفصال الاستراتيجي يعكس فقدان الثقة في ثبات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث بات الحلفاء يخشون أن يكونوا وقوداً لصراعات تخدم المصالح الانتخابية الضيقة في واشنطن أكثر مما تخدم الأمن العالمي.
ثانياً: تقديم المصالح الوطنية على الرغبات الأمريكية
في العمق يمثل موقف الحلفاء (خاصة في آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية) تحولاً من “الولاء المطلق” إلى “الواقعية الاقتصادية القاسية”. بالنسبة لهذه الدول مضيق هرمز هو شريان الحياة، وأي اصطفاف عسكري خلف واشنطن يعني تحويل ناقلات نفطهم إلى أهداف مشروعة في حرب “الناقلات” أو “المسيرات”. لقد أدرك الحلفاء أن واشنطن التي أصبحت بفضل النفط الصخري أقل اعتماداً على نفط المنطقة تطلب منهم التضحية بأمنهم الطاقي من أجل أهداف سياسية بعيدة المدى.
هذا التباين خلق حالة من الاستياء المتبادل. واشنطن ترى في الرفض نذالة جيوسياسية وتهرباً من المسؤولية، بينما يرى الحلفاء في الطلب الأمريكي تهوراً يضع اقتصاداتهم في مهب الريح. إن الحقيقة المرة التي واجهتها واشنطن هي أن مياه الخليج، التي كانت لعقود بحيرة أمريكية بامتياز، أصبحت اليوم ساحة يمارس فيها الحلفاء سيادة براغماتية تضع مصالحهم القومية فوق رغبات الأخ الأكبر.
ثالثاً: تآكل الردع وانكشاف أسطورة القوة المطلقة
لا يمكن قراءة الرفض الدولي بمعزل عن الانكشاف التقني للقطع البحرية التقليدية. لقد أظهرت الوقائع الميدانية أن حاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية، رغم ضخامتها أصبحت تواجه ضغوطاً تشغيلية هائلة أمام استراتيجية الإنكار والمنع التي تتبعها طهران. إن تردد الحلفاء في الانخراط العسكري يعكس اعترافاً مبطناً بأن التكنولوجيا العسكرية الغربية التقليدية قد لا تضمن تفوقاً حاسماً في بيئة عملياتية مفخخة بالمسيرات الانتحارية والألغام الذكية.
هذا الواقع الميداني فرض على واشنطن مراجعة حسابات الانتشار، وأبرز هشاشة بعض الأصول العسكرية أمام استهداف محقق. إن “سيكولوجية الردع” التي كانت تعتمد على مجرد ظهور حاملة طائرات في الأفق قد تآكلت، ولم يعد الحلفاء مستعدين للمراهنة على أسطورة القوة التي بدأت تظهر عليها علامات الإعياء تحت وطأة الاستنزاف المستمر في ممرات مائية ضيقة ومعقدة.
يُظهر ما يحدث في مضيق هرمز أن الولايات المتحدة استيقظت على واقع جيوسياسي مرير حيث لم تعد الهيمنة قدراً محتوماً، ولم يعد التحالف التزاماً أخلاقياً يتجاوز المصالح الوطنية الضيقة. إن أزمة هرمز هي الإعلان الرسمي عن نهاية عصر الشيكات الأمنية المفتوحة التي كانت توقعها واشنطن ويصرفها العالم بضمانة هيبتها العظمى.
بين استجداء الدعم واستياء الصدمة تبرز الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها: العالم يتجه نحو “تعددية أمنية” قوامها البراغماتية الصرفة وحسابات المخاطر الدقيقة. وفي نهاية المطاف لن تخرج واشنطن من مياه هرمز كما دخلتها فقد كشفت الأزمة أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لحشد الأصدقاء، وأن الانكشاف أمام المخاطر الحقيقية أصبح الاختبار الأصعب لمصداقية القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين.



