الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

المواجهة الوجودية.. إيران بين معادلة الصعود في سجل التاريخ أو الخروج من خريطة الجغرافية

بقلم: أ.د. إبراهيم حردان مطر

الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية

 

 

تقف ايران اليوم امام مفترق طرق حاسم  يحدد مصير ومسار وجودها كقوة اقليمية، فهي تواجه تحدياً وجودياً سيشكل مسار الحسم فيه طبيعة التوازنات الاقليمية ومسار الاحداث لما بعده. لقد فرضت سياقات بناء الدور والذي يرتبط عادة اما بالطموح السياسي للدولة او بالفروض الجيوبولتيكية لها او كليهما معاً في بناء نسق سياسي خارجي يوظف قدرات الدولة لتحقيق متطلبات الدور وهو في المحصلة يصب في مصلحة وجودها واستمرار بقائها.

الدور هنا هو حصيلة مركبة ومتبادلة التأثير تصاغ وفق معطيات جيوبولتيكية ضمن معادلة طرفيها الامن الوطني وصناعة الدور، كيف تضمن الدولة امنها الوطني من خلال بناء الدور وكيف توظف قدراتها من اجل تعزيزه؟ هذه المعادلة  تستند على رؤية استراتيجية تقوم على سؤال جوهري: كيف يتم الموازنة بين  المتطلبات والفروض الجيوبلوتيكة؟ وما طبيعة الدور الامثل  للقيام به؟ هل هو دور قيادي ام موازن (حامل الميزان) ام دور مسيطر ومهيمن؟

هذه المتطلبات والمعطيات لا يمكن ان تكون بمعزل عن الحيز الجغرافي للدولة والقوى الاقليمية القائمة وطبيعة ادوارها،  كما لا يستثنى دور القوى الدولية لاسيما في المناطق ذات الأهمية الجيواستراتيجية والتي يمكن وصفها بـ(منطقة تزاحم الاستراتيجيات) وفقاً لذلك تصبح الدولة اما معادلة صعبة في بناء الدور وتحديد مهامه وطبيعة نهجه.

ايران وفقا لمعطياتها الجيوبولتيكية صاغت دوراً إقليمياً قائماً على بناء النفوذ ضمن حيز جغرافي ذي اهمية جيواستراتيجية  تتقاطع فيه الادوار اكثر مما تلاقى، وتتصارع فيه المصالح اكثر مما تتوافق وفيه من صراع القيم والاديان ما يفوق صراع المصالح مما اسبغ على منطقة “الشرق الاوسط” استدامة الازمات وتواتر الحروب بمعدل حرب في كل عقد وتحديدا منذ منتصف القرن العشرين.

ان ما تشهده المنطقة حاليا من حروب وتفاقم في حدة الصدام ليس الا نتيجة لهذه المعطيات حين تتصارع الادوار وفق معادلة صفرية قائمة على اقصاء الاخر. انه تحد وجودي يدفع كل طرف الى اقصى حدود قدراته للحفاظ على كينونته، واليوم ايران في مواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية و”اسرائيل” على الرغم من فارق القوة  (كماً ونوعاً).

النتائج ستظل مرهونة بمدى قدرة ايران على الاستمرار في المطاولة وكم الضرر الذي ستلحقه بالطرف المتفوق؟ ومدى قدرة الطرف الاخر على استيعاب الضرر وتداعياته؟ ثم دور عامل المفاجأة على صعيد البيئة الدولية ومتغيراتها والتي ربما سيكون لها تأثير على مسارات المواجهة ومستقبلها؟

 

فإن حسمت المواجهة لمصلحة ايران وفقا للمعطيات السابقة (معادلة المطاولة والاستمرار وفداحة الضرر) فأنها ستدخل سجل التاريخ بوصفها الدولة التي واجهت وحافظت على وجودها على الرغم من فارق القوة، وهنا ستتغير معادلة التوازنات في المنطقة لتكون امام قوة اقليمية منتصرة يقر لها الاخرون بالكينونة الاقليمية وتتحول الى رقماً صعبا في معادلة التوازنات الاقليمية.

اما اذ حسم النزال للطرف الاكثر قوة فهنا ستكون ايران امام سؤال الوجود والبقاء وستخرج من معادلة الجغرافية  وحسابات القوة لتكون امام تحدي الانحدار والتراجع ليس على صعيد انحسار دورها بل ولربما المحافظة على ذاتها.

ان ما يحدث الان في منطقة “الشرق الاوسط” عموما والخليج العربي على وجه التحديد ما هي الا لحظة مفصلية تعيد رسم مسار التاريخ وحدود الجغرافية معاً، وسط المساعي الامريكية لتغيير رسم الخرائط واعادة توزيع النفوذ. وبتوصيف اخر:  نتائج هذه الحرب ستقرر كتابة التاريخ وترسم خرائط الجغرافية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى