الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
قمة شنغهاي 2025: ملامح اصطفافات استراتيجية في عالم ما بعد الأحادية القطبية

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
“ان التاريخ قد لايعيد نفسه لكنه يتشابه كثيراً” (مارك توين)
ما اشبه اليوم بالامس؟! ونحن نشاهد صعود ثلاث عمالقة جدد يعملون على اعادة تشكيل نظام دولي جديد، فإن حال كلٍ من ( مودي و بوتين وجيبنغ) اليوم يذكرنا بحال (تشرتشل وستالين وروزفلت) عام 1945 في مؤتمر يالطا الذي تم فيه صياغة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم اختلاف السياقات بين يالطا 1945 وشنغهاي 2025، فإن التشابه يظل لافتًا في جوهره، وذلك باجتماع ثلاث قوى صاعد تعمل على تغيير الوضع الراهن للنظام الدولي وتعمل على تشييد نظامٍ جديدٍ على أنقاض النظام القديم.
في عام 1945 كانت الحرب العالمية الثانية قد شارفت على نهايتها، وكانت ملامح النظام الدولي الجديد قد أصبحت أكثر وضوحاً ببروز ثلاث قوى: الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة وبريطانيا. اجتمع قادة هذه الاطراف الواثقة من حسم الحرب لصالحها في مدينة (يالطا) السوفيتية الواقعة على شواطئ البحر الاسود، ليضعوا القواعد الاساسية للنظام الجديد ما بعد الحرب وشكله، وعلى اساس ذلك نشأ نظام دولي لما بعد الحرب العالمية الثانية بقواعده ومؤسساته، حتى بات يسمى احيانًا بـ”نظام يالطا”.
إن ما يحصل اليوم بعد ما يقارب ثلاثة عقود على رؤية بريماكوف، يُظهِر أن “المثلث الاستراتيجي” قد انتقل من فكرة نظرية إلى واقعٍ ملموس، تجسّده قمة شنغهاي 2025 بما تحمله من رسائل صريحة إلى النظام الدولي المترنح.
إن تقادم هذا النظام وبلوغه ذروته في تسعينيات القرن الماضي، ثم فشل مؤسساته الدولية في الحوكمة العابرة للحدود، بل وشلل الكثير من تلك المؤسسات وعجزها عن حل القضايا الدولية المعقدة وإحقاق الحق، وهو أمر أزعج الكثير من الدول من بينها بعض احدى الدول المشاركة في المؤتمر المتمثلة بروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي، إذ باتت روسيا، ومعها الصين والهند، تشعر أن النظام الدولي المتقادم والمترنح لايلبي مصالحها ولا يعبر عن طموحاتها بل أن جميع مؤسساته وقيمه صارت مُجَيرةَ لصالح طرفٍ واحد وهو الولايات المتحدة على حساب باقي الاطراف داخل النظام.
بالتالي نجد أن الدول الثلاث قد اعلنت معارضتها لنظام يالطا بعد تحوله الى الاحادية والتفرد الاميركي في عام 1996 بعد وصول عراب الدبلوماسية الروسية (يفغيني بريماكوف) الى منصب وزارة الخارجية وهو الدبلوماسي السوفيتي المخضرم والمدافع الشرس عن مصالح القومية الروسية، حيث صاغ مبدًأ شهيرًا هو(المثلث الاستراتيجي) المكون من روسيا والصين والهند، كان بريماكوف ثاقب النظر، لا يعيش فقط في حاضره الصعب آنذاك القائم على الهيمنة الامريكية، بل كان يعتقد أن المستقبل سيكون في صالح بلاده إذا تحالفت إستراتيجياً مع الصين والهند في معارضة تلك الهيمنة، ولو كان حيًا اليوم لشهد على صوابية رؤيته، لاسيما وأن قادة المثلث الاستراتيجي الثلاث عملوا خلال سنواتٍ عديدة على مناهضة الهيمنة وترسيخ اسس النظام الدولي الجديد الذي باتت ملامحه اليوم تتكشف تدريجيًا ، على الرغم من كل الضغوط الامريكية والاوروبية.
إن ما يحصل اليوم بعد ما يقارب ثلاثة عقود على رؤية بريماكوف، يُظهِر أن “المثلث الاستراتيجي” قد انتقل من فكرة نظرية إلى واقعٍ ملموس، تجسّده قمة شنغهاي 2025 بما تحمله من رسائل صريحة إلى النظام الدولي المترنح، فالرمزيات التي توالت في القمة لم تكن محض صدفة، إذ يُصادف هذا العام الذكرى ال(80) للانتصار في الحرب العالمية الثانية وكذلك الذكرى ال(80) لتأسيس الامم المتحدة التي تعد اهم مؤسسة من مؤسسات نظام يالطا والتي باتت اليوم لا تعاني من فشل الحوكمة بل شللها، وهو ما دفع الرئيس الصيني شي جيبينغ خلال قمة شنغهاي 2025 الى طرح مبادرة “الحوكمة العالمية” التي دعا فيها الى حوكمةٍ أكثر عدلاً، حيث تميزت مبادرته بمجموعة مبادئ اهمها: المساواة في السيادة بين جميع الدول والامتثال لسيادة القانون الدولي وممارسة التعددية القطبية.

لقد دعا الرئيس الصيني في القمة الى عدم وجود المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية، والى عدم فرض القواعد المحلية لبعض الدول (ويقصد الولايات المتحدة) على الدول الاخرى. وهذا يعني أن الصين وروسيا والهند ومعهم أكثر من 17 دولة أخرى قد اقاموا اصطفافاً استراتيجياً في تكتلٍ شرقي صاعد بات يشكل تهديداً لاسس وقواعد النظام الدولي التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية معلنين عزمهم على تعديل النظام الدولي بمؤسساته ومعاييره من خلال تعديل دور الامم المتحدة كمنصة للحوكمة العالمية، عبر إزالة الهيمنة الاحادية على المنظمة فضلاً عن ازالة المعايير التي فرضتها الولايات المتحدة واوروبا على العالم، وكذلك تضييق الفجوة الاقتصادية والمعرفية بين دول الشمال والجنوب، ما يضع الكثير من الدول التي كانت تُعرف بأنها دول نامية او هشة على قدم المساواة مع الدول الغربية وسواها من الدول المتقدمة.
إن الاصطفاف الاستراتيجي في قمة شنغهاي لم يكن تكتلًا بسيطًا. بل هو تجمع لدول يوحدها غضب ورفض مشترك للمعايير الغربية التي تُفرض على الآخرين دون أن يلتزم بها الغرب نفسه، فهذا الرفض المشترك من قبل هذه الدول لاسيما بعد الحرب الروسية الاوكرانية والقطيعة بين روسيا والغرب وكذلك الخلاف الكبير الذي نشب بين الولايات المتحدة والهند نتيجة لفرض الرسوم الجمركية على الهند، دفع بهذه الدول ودول اخرى من الناقمين والرافضين للسياسات الامريكية الى تعزيز تعاونهم والتكتل لصالح إنهاء النظام الدولي الحالي أو تعديله إن أمكن، فيمكن تشبيه منظمة شنغهاي بأنها تمثل “حزب المعارضة” للنظام الدولي الحاكم، فهي معارضة سلمية تهدف الى التغيير من داخل النظام لكن إن واجهت قوةً ورفضاً من الغرب الحاكم، فأنها قد تتحول الى معارضة راديكالية تعمل على تغيير النظام بشكل شامل وتغيير كل مؤسساته واستبدالها باخرى، وهذا ما قد تسير عليه الامور في حال حدوث حروب جديدة بين الولايات المتحدة و حلفائها من جهة، وبين دول الصين وروسيا والهند وايران أو كوريا الشمالية من جهةٍ أخرى.
لقد كانت مبادرة الرئيس الصيني في القمة تمثل إعلانًا أو بيانًا عامًا للمعارضة الدولية للهيمنة الامريكية، من خلال الدعوة الى قواعد دولية جديدة للعلاقات بين الدول اساسها الإصغاء بدلاً من فرض الإملاءات والتضامن بدلاً من التفوق وتعزيز النمو المشترك بدلاً من تحقيق المكاسب لبعض الدول على حساب الدول الاخرى، مما يصيب قلب النظام الدولي الراهن بمقتل، فالنظام الدولي الراهن قائم على المنافسة والاحتكار وفرض الشروط والإملاءات من قبل الدول الكبرى المتقدمة على الدول الاضعف أو الأكثر هشاشة، وهو ما قد يشجع المزيد من الدول النامية والهشة على الانضمام لهذا التكتل الدولي.
لقد ارتقت منظمة شنغهاي الى مرتبة اعلى في سلم التنظيم الدولي، فقد كانت نواة نشوء المنظمة اطارًا تعاونياً يجمع بين 6 دول من بينها الصين وروسيا عام 1996 وذلك للتعاون في تحقيق الامن الاقليمي في المنطقة، لكن في عام 2001 تحول هذا الاطار التعاوني الى منظمة عرفت بمنظمة شنغهاي للامن عام 2001 نسبة الى مؤتمر شنغهاي الذي تأسست عقد في ذلك العام، لقد اقتصرت مهام المنظمة على تعزيز التعاون الامني في بادئ الامر لكنها لاحقا توسعت في مهامها لتشمل مجالات اخرى للتعاون، فتحولت الى منظمة اقليمية، لكنها اليوم بعد القمة الاخيرة قد أصبحت منظمة عالمية تضم دول من اقاليم مختلفة وكذلك تنسق التعاون بينهم في مجالات متعددة وتطمح أن تلعب دورًا مؤثرًا في إدارة النظام الدولي المتعدد الاقطاب لمرحلة ما بعد الاحادية القطبية.
لقد شهدت قمة شنغهاي 2025 أيضًا استعراضًا للجيش الصيني وكذلك جملة من الرمزيات في الصور التي التقطت والتصريحات، وقد شكل حضور الرئيس الايراني وحضور رئيس كوريا الشمالية شكلا آخر من اشكال تحدي النظام الدولي القائم الذي كان يعزل هذه الدول عن العالم، ويحتكر إصدار الاحكام وقرارات القبول والمنع لقادة الدول كما يشاء، لقد كسر هذا التجمع وهذا الحضور الاحتكار الغربي للقرارات الدولية، ما يعني عمليًا تشكل نظام دولي متعدد الاقطاب.
الخاتمة
إن النظام الدولي الحالي، بما يعتريه من تغيرات متسارعة ومحاولات متضادة بين واشنطن من جهةٍ، وكل من بكين وموسكو ونيودلهي من جهةٍ أخرى، بدأ يتحول من الاحادية القطبية الى التعددية القطبية، حيث باتت ملامحُ التعددية تظهرُ تدريجيًا، فالتنسيق عالي المستوى بين دول المثلث الاستراتيجي مع دول اسيا وعدد من دول افريقيا بات يفرض واقعًا جديداً في النظام الدولي على الدول الاوروبية او دول الحضارة الغربية التي لم تعد قادرة على احتكار آليات عمل النظام لوحدها، في وقت تواجه به انقسامات حادة بينها وبين الولايات المتحدة، فبعد أن تخلّت الأخيرة، مع وصول ترامب، عن دورها في قيادة قوى الحضارة الغربية في مواجهة الصعود الشرقي، تراجعت أسسُ ذلك التكتّل. صحيحٌ أن الهيمنة الأميركية على النظام الدولي كانت قائمةً بشكلٍ أحادي، لكنها لم تكن لتتحقّق لولا تكتّل دول الغرب جميعها تحت قيادة الولايات المتحدة، التي كانت تراعي مصالح شركائها وتحفظ أمنهم لضمان استمرار قيادتها للعالم. أمّا اليوم، فالرئيس دونالد ترامب يرى أن الولايات المتحدة بمفردها يمكن أن تكون قوية وتقود العالم، لذا تخلّى عن شركائه الأوروبيين في كتلته الغربية وقرّر أن تخوض بلاده التنافس وحدها. وبذلك أصبحت الولايات المتحدة كقائدٍ يقاتل وحده خصومه وجنوده معًا، ما يتيح أمام التكتّل الشرقي أن يعيد تشكيل النظام الدولي الجديد ويجبر دول أوروبا على تشكيل كتلتها بشكلٍ منفصل عن الولايات المتحدة. فهل ستتمكّن الولايات المتحدة من تدارك الأمر وتجميع شتات تكتّلها المنهَك لمواجهة التكتّل الشرقي الصاعد والحفاظ على هيمنة التكتّل الغربي؟ أم أنّ التغيير في النظام الدولي سيمضي قدمًا نحو تعديل التوازنات بما يؤدّي إلى عالمٍ متعدّد الأقطاب؟ فالتاريخ لا يكرّر نفسه، لكنه لا يتركنا نبدأ من الصفر أيضًا. وما يجري في شنغهاي اليوم قد يكون «يالطا الغد».



