الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

التجربة التركية بين التعددية الثقافية والحكم غير الديمقراطي

مفاوضات أردوغان مع حزب العمال الكردستاني تسعى إلى السلام وربما إلى التعددية ولكن دون ديمقراطية فهل ستنجح؟

بقلم: سينم آدار/ المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية

ترجمة: صفا مهدي عسكر/ مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

تحرير: د. عمار عباس الشاهين/ مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

في حفل مُنظَّم بعناية أُقيم في 11 تموز، في السليمانية (العراق) أقدم 30 عضوًا من حزب العمال الكردستاني (PKK) على إحراق أسلحتهم رمزيًا، وقد شكّل هذا التصرف غير المسبوق بادرة حسن نية تجاه أنقرة في خضم محادثات السلام الجارية التي يأمل الطرفان أن تُنهي الصراع الكردي المستمر منذ عقد في تركيا.

لطالما تصوّر المراقبون الليبراليون ودعاة السلام أن حل هذا الصراع يُمثل خطوة أساسية في مسار دمقرطة تركيا، مصحوبًا بمنح كامل الحقوق المدنية للمجتمع الكردي في البلاد، إلا أن عملية السلام الراهنة وعلى النقيض من ذلك تبدو موجهة بشكل مباشر نحو تعزيز سلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا نحو الانفتاح الليبرالي. والسؤال المطروح الآن هل يمكن لأردوغان وحزب العمال الكردستاني إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع في تركيا وإعادة تعريف حدود المشاركة السياسية، دون اتخاذ أي خطوات فعلية نحو الديمقراطية؟ بصيغة أخرى هل يمكن لأردوغان أن يضفي طابعًا تعدديًا على السلطوية التركية؟

لطالما كانت علاقة تركيا بسكانها الأكراد محكومة بإيديولوجيا الدولة القومية المركزية التي قمعت التنوع الإثني لصالح هوية تركية موحدة، ومنذ اندلاع النزاع المسلح الشامل بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني عام 1984 سقط عشرات الآلاف من الضحايا ونُزِحَت مجتمعات بأكملها وتكبدت البلاد أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة، ورغم محاولات الحل السياسي منذ تسعينيات القرن الماضي لم يسبق لأيٍّ منها أن بلغ هذا الحد من التقدم.

انتهت عملية السلام التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية بين عامي 2013 و2015 إلى موجة جديدة من العنف هي من بين الأشد في تاريخ الصراع ما أدى إلى دمار واسع في مراكز المدن جنوب شرق البلاد، ومنذ عام 2016 شنت أنقرة عمليات عسكرية في شمال العراق لاستهداف قواعد حزب العمال الكردستاني وفي شمال سوريا لاحتواء نفوذ الإدارة الذاتية ذات القيادة الكردية هناك، وفي الداخل تزامن ذلك مع تصاعد القومية المعادية للأكراد وحملات قمع قانونية شاملة استهدفت السياسيين الأكراد وتراجع في الحيز الديمقراطي المتاح للتمثيل الكردي. المبادرة الحالية للحوار أُطلقت رسميًا من قبل دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف الذي يشارك حزب العدالة والتنمية في الحكم، ويُعد بهجلي من أبرز المعارضين منذ وقت طويل لأي تسوية سياسية للصراع الكردي، إلا أنه فاجأ الجميع في تشرين الأول 2024 بدعوته الرسمية في البرلمان لعبدالله أوجلان الزعيم المؤسس والمعتقل لحزب العمال الكردستاني إلى المطالبة بنزع سلاح الحزب وحلّه، ومنذ ذلك الحين لعب حزب الشعوب الديمقراطي الذي بات يُعرف الآن باسم حزب المساواة والديمقراطية دورًا محوريًا في تسهيل التواصل بين أوجلان وأنقرة إلى جانب انخراطه في الحوار مع المعارضة والجمهور والجهات الكردية الإقليمية.

وجّه أوجلان رسالة علنية إلى حزب العمال الكردستاني في أواخر شباط حملت موقفًا واضحًا “الاندماج الطوعي مع الدولة والمجتمع التركي”، وقد رفض أوجلان صيغ الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو إقامة دولة مستقلة وحتى توسيع الحقوق الثقافية بوصفها حلولًا ممكنة مؤكِّدًا أن الظروف التاريخية التي أدت إلى نشأة الحزب لم تعد قائمة، فقد انتهت الحرب الباردة ولم تعد تركيا تنكر وجود الأكراد وتقدمت حرية التعبير كما أشار الزعيم الذي لا يزال يحظى بمكانة كبيرة في أوساط الحزب. أصبح مصطلح “الاندماج” في الآونة الأخيرة حجر الزاوية في خطاب النخب السياسية الكردية، فسجّل صلاح الدين دميرتاش الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي والمسجون حاليًا دعمه لمبدأ المصالحة من خلال اندماج الأكراد في النظام السياسي التركي، ويرى دميرتاش أن التعايش ليس مرغوبًا فقط بل لا مفر منه “الأكراد مندمجون بالفعل في تركيا – فهم في كل مكان”، ويُردّد السياسي الكردي المخضرم أحمد ترك الرؤية ذاتها قائلاً “لا يمكن للأكراد أن يسعوا لحياة عادلة وتحرر ذاتي إلا جنبًا إلى جنب مع الأتراك”.

ومع ذلك يبقى معنى هذا الاندماج غير واضح تمامًا، فقد اقترح بهجلي تمثيلًا رمزيًا كأن يُعيَّن نائب رئيس كردي وآخر علوي في إشارة إلى شمولية رمزية، وهو الذي كان ليعدّ مثل هذا التوجه سابقًا مدمرًا لوحدة البلاد، بات الآن يرى فيه تأكيدًا على وحدة الأمة “الأكراد والعلويون جزء منّا من الأمة التركية”. وبالنسبة لبهجلي وأردوغان فإن السلام مع الأكراد لا يقتصر على المصالحة الداخلية، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز تركيا داخليًا في مواجهة ما يصفانه بـ التهديدات الخارجية وعلى رأسها (إسرائيل)**، حتى أن بعض المعلقين الموالين للحكومة وبعض المتشددين السابقين اقترحوا إمكانية إعادة توظيف حزب العمال الكردستاني كمقاتلين موالين لتركيا. في خطوة رمزية لافتة أقدم ثلاثون عضوًا من حزب العمال الكردستاني (PKK) يوم 11 تموز في مدينة السليمانية العراقية على إحراق أسلحتهم ضمن مراسم منظمة بعناية، وقد مثّلت هذه الخطوة غير المسبوقة بادرة حسن نية تجاه أنقرة، في ظل محادثات السلام الجارية التي يأمل الطرفان أن تفضي إلى إنهاء الصراع الكردي المستمر منذ عقود في تركيا. لطالما نظر أنصار الليبرالية ودعاة السلام إلى تسوية هذا الصراع باعتبارها خطوة محورية في مسار دمقرطة تركيا تضمن منح الأكراد حقوقهم المدنية كاملة، غير أن عملية السلام الحالية لا تستهدف الانفتاح الديمقراطي بقدر ما تسعى إلى تعزيز سلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهنا يُطرح تساؤل جوهري هل يمكن لأردوغان وحزب العمال الكردستاني إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع وإعادة تعريف شروط المشاركة السياسية دون اتخاذ خطوات حقيقية نحو الديمقراطية؟ بعبارة أخرى هل يستطيع أردوغان أن يمنح السلطوية التركية غطاءً تعدديًا؟

تاريخيًا لطالما شكّلت العلاقة بين الدولة التركية والأكراد ساحةً لصراع الهويات في ظل إيديولوجيا قومية مركزية قمعَت التعددية الإثنية لصالح هوية تركية أحادية، وقد أفضى النزاع المسلح بين الدولة وحزب العمال الكردستاني منذ اندلاعه عام 1984 إلى مقتل عشرات الآلاف وتهجير مجتمعات فضلًا عن تكبّد البلاد كلفة سياسية واقتصادية باهظة، وعلى الرغم من محاولات التسوية السياسية منذ تسعينيات القرن الماضي فإن أياً منها لم يحقق تقدمًا مماثلًا للمسار الحالي.

انهارت محاولة التسوية السابقة (2013–2015) التي قادها حزب العدالة والتنمية في ظل تصاعد العنف بشكل غير مسبوق ما ألحق دمارًا واسعًا بالمدن الكردية، منذ عام 2016 شنّت أنقرة عمليات عسكرية في شمال العراق ضد قواعد الحزب وأخرى في شمال سوريا للحد من نفوذ الإدارة الذاتية الكردية هناك، محليًا ترافق ذلك مع تصاعد القومية المعادية للأكراد وتضييق واسع على الفضاء السياسي الكردي بما في ذلك سجن قيادات ونواب وعزل رؤساء بلديات منتخبين. وفي مفارقة لافتة أطلق دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف المتحالف مع أردوغان المبادرة الحالية رغم مواقفه التاريخية الرافضة لأي حل سياسي للقضية الكردية، ففي تشرين الأول 2024 دعا علنًا عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل إلى دعوة حزبه لنزع السلاح والحل، ومنذ ذلك الحين لعب حزب المساواة والديمقراطية (DEM) دور الوسيط من خلال تسهيل التواصل بين أوجلان وأنقرة والانخراط في حوار مع المعارضة والشارع الكردي والفاعلين الإقليميين.

وفي رسالة بعث بها أوجلان في شباط دعا الحزب إلى “الاندماج الطوعي مع الدولة والمجتمع التركي”، مستبعدًا الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو توسيع الحقوق الثقافية كحلول مقبولة ومعتبرًا أن الظروف التاريخية التي أوجبت تأسيس الحزب قد انتهت، وفي السياق ذاته تبنّى سياسيون أكراد بارزون مثل صلاح الدين دميرتاش وأحمد ترك خطاب الاندماج كمسار لتحقيق العدالة والكرامة.

لكن مدلول هذا الاندماج يظل غامضًا، فبينما يقترح بهجلي تعيين نواب رؤساء من الأكراد والعلويين كمؤشر رمزي على الشمول يرى مراقبون أن ذلك محاولة لإضفاء شرعية وطنية على مشروع الهيمنة، ووفق خطاب أردوغان وحلفائه فإن السلام مع الأكراد لا ينفصل عن سعي تركيا لبناء جبهة داخلية متماسكة لمواجهة التهديدات الخارجية وفي مقدمتها (إسرائيل)، حتى أن بعض الأصوات المحسوبة على السلطة تذهب إلى اقتراح إعادة توظيف مقاتلي حزب العمال الكردستاني كقوة موالية للدولة. في خدمة هذا التوجه أعاد أردوغان إحياء سرديات تاريخية تمجّد ألف عام من الأخوّة التركية -الكردية، مشيرًا في خطاب له بتاريخ 12 تموز إلى معركة ملاذكرد وحصار القدس وحرب الاستقلال التركية كمحطات تاريخية جمعت الأتراك والأكراد في مواجهة الآخرين، في هذا الخطاب يُقدَّم الإسلام كعامل توحيد، والقيادة التركية كضمانة للاستقرار المشترك. تُعزز هذه السردية سرديات موازية داخل حزب العمال الكردستاني نفسه إذ يعزو الحزب جذور المظالم الكردية إلى السياسات الجمهورية المبكرة، لا سيما دستور عام 1924 بوصفها لحظة قطيعة مع التعددية العثمانية، وفي كلتا الروايتين – الحكومية والكردية – يتم تحميل حزب الشعب الجمهوري، المؤسس للجمهورية والممثل الرئيسي للمعارضة اليوم مسؤولية الخطأ التاريخي.

لكن الأهداف السياسية تبقى حاضرة بقوة خلف هذا الخطاب التصالحي، تنتهي ولاية أردوغان الرئاسية عام 2028 ولا يحق له الترشح من جديد إلا بتعديل دستوري أو انتخابات مبكرة، ويتطلب ذلك دعمًا برلمانيًا لا يتوفر لتحالف العدالة والتنمية–الحركة القومية ما يجعل استمالة حزب DEM خيارًا استراتيجيًا لضمان بقاء أردوغان في الحكم، من جهته يرى بهجلي أن إنهاء الصراع المسلح قد يُسهم في ترسيخ النظام الرئاسي واستقرار السلطوية مع تحييد المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري. تسعى الحكومة حاليًا إلى تنفيذ إستراتيجية مزدوجة وهي قمع المعارضة العلمانية خصوصًا حزب الشعب الجمهوري، وإعادة دمج الفاعلين السياسيين الأكراد بحذر، ويهدف هذا التوجه إلى إعادة تشكيل الحقل السياسي وتهميش المنافسين وتعزيز السيطرة المركزية.

أما حزب DEM فيبدو أنه غيّر من أولوياته السياسية، فبعد سنوات من التحالف مع المعارضة العلمانية بهدف دمقرطة النظام توصل إلى قناعة بفشل هذا المسار وأن التفاوض مع أردوغان بات أكثر واقعية، ومن هذا المنطلق يسعى الحزب إلى تحقيق مكاسب ملموسة للأكراد ولو عبر تسوية انتقائية، ويرى بعض قادته أن وقف سجن السياسيين الأكراد حتى إن اقترن بقمع خصومهم من المعارضة يُعد خيارًا أفضل من السجن الجماعي للجميع. وقد يبدو هذا الطرح نَفعيًا، غير أن الحزب وأوجلان يؤكدان أن نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وتوسيع الحقوق الكردية قد يؤديان إلى توسيع الهامش الديمقراطي لجميع القوى بمن فيهم حزب الشعب الجمهوري، ويدعون الأخير إلى الانضمام إلى لجنة برلمانية تُعنى بوضع إطار قانوني لحل الحزب ونزع سلاحه باعتباره خيارًا وطنيًا جامعًا.

مع ذلك تبقى التحديات الداخلية والخارجية قائمة، فعلى الصعيد الداخلي فإن الحملة القمعية ضد المعارضة تقوّض شرعية العملية وتغذي النزعة القومية الرافضة لأي تسوية مع الأكراد بوصفها خيانة وطنية، كما يُثير تقاسم السلطة بين النخب الإسلامية والكردية المخاوف القديمة لدى المعارضة العلمانية من تهميشها الكامل. أما على الجانب الكردي، فثمة تباينات بنيوية تعقّد أي مسار دمج سلس، ورغم استمرار تأثير أوجلان، إلا أن التعددية السياسية الكردية والرفض الشعبي للهيمنة القومية قد يفرضان مقاومة قوية لمحاولات الاحتواء.

إقليميًا تبقى مسألة مستقبل الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا مصدر قلق استراتيجي لأنقرة، التي ترى أن نزع سلاح حزب العمال يجب أن يشمل كافة المكونات المرتبطة به لا سيما قوات سوريا الديمقراطية، غير أن هذه الأخيرة تتريّث في ظل غياب أي أفق واضح لتسوية سياسية مستقرة في سوريا، رغم المفاوضات الجارية مع دمشق.

باختصار تمثّل عملية السلام الراهنة رهانًا عالي المخاطر لإعادة هندسة النظام السياسي التركي، وإذا نجحت فستُنتج شكلًا جديدًا من السلطوية التعددية التي تُكرّس إرث أردوغان وبهجلي وأوجلان معًا، لكنها في غياب سيادة القانون وتمثيل متكافئ ومقاربات عادلة قائمة على الحقوق، ستظل بعيدة عن تحقيق العدالة السياسية الشاملة لمواطني تركيا.

* Sinem Adar, Can Turkey Make Multicultural Authoritarianism Work? Erdogan’s negotiations with the PKK seek peace and possibly pluralism without democracy. Will they succeed? FOREIGN POLICY, July 30, 2025.

**  لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى