الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الفيتو ومأزق التوافق الدولي.. العقوبات على إيران في قلب صراع القوى الكبرى

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يكشف الخلاف الذي تجدد في الأمم المتحدة مطلع تشرين الأول 2026 حول العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران عن انتقال الصراع من خلاف بشأن السياسة تجاه البرنامج النووي الإيراني إلى خلاف أعمق حول من يملك حق تفسير الوضع القانوني للعقوبات وآليات تنفيذها داخل النظام متعدد الأطراف. فقد استخدمت روسيا والصين في 17 أيلول  حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي كان يقضي بتمديد ولاية فريق الخبراء المكلف بمراقبة تنفيذ العقوبات الأممية على الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد حصول المشروع على 11 صوتاً مؤيداً مقابل صوتين رافضين وامتناع عضوين عن التصويت. ثم انعقدت الجمعية العامة في 1 تشرين الأول، عملاً بآلية النظر في استخدام الفيتو، لمناقشة القرار وآثاره. ومن ثم فإن جوهر الأزمة لا يتمثل في سقوط العقوبات بفعل الفيتو، انما في تعطيل إحدى أهم آليات الرقابة عليها، بالتزامن مع استمرار الانقسام حول الأساس القانوني لعودة العقوبات أصلاً. في ضوء ما سبق تظهر نقطتين رئيسيتين كما في الاتي:

 

  1. الفيتو وإشكالية القوة والشرعية في النظام الدولي

تتجاوز الدلالة الاستراتيجية لاستخدام حق النقض في ملف العقوبات على الجمهورية الإسلامية في إيران حدود الخلاف حول سياسة عقابية بعينها، لتكشف عن إشكالية أعمق في بنية النظام الدولي تتمثل في العلاقة بين توزيع القوة والشرعية المؤسسية. فمجلس الأمن، على الرغم من استناده إلى قواعد قانونية وإجراءات محددة، لا يعمل بمعزل عن مصالح الدول الكبرى وتصوراتها للأمن الدولي، بل تتأثر قدرته على إنتاج قرارات ملزمة بمدى توافق هذه المصالح، ولا سيما بين الدول الخمس دائمة العضوية. ومن هذا المنطلق، لا يمثل الفيتو مجرد أداة لتعطيل قرار لا يحظى بقبول إحدى هذه الدول، وإنما يكشف أيضاً عن حدود التوافق الذي تقوم عليه إدارة الأزمات من خلال المؤسسات الدولية. وتبرز خصوصية الحالة الإيرانية في أن التنافس لا يدور حول الموقف السياسي من العقوبات وحده، بل يشمل تفسير الأساس القانوني لاستمرارها وحدود الاختصاص المؤسسي في متابعتها؛ الأمر الذي يضع الأطراف أمام خلاف يتصل بمضمون السياسة الدولية وبالقواعد التي يفترض أن تنظمها في آن واحد.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية عند التمييز بين القوة اللازمة لتمرير القرار والشرعية المرتبطة بأساسه القانوني وقبوله الدولي. فامتلاك دولة ما القدرة على تعطيل قرار داخل مجلس الأمن لا يعني بالضرورة أنها نجحت في إقناع المجتمع الدولي بصحة تفسيرها القانوني، كما أن حصول مشروع قرار على تأييد أغلبية أعضاء المجلس لا يحول دون سقوطه إذا عارضته دولة دائمة العضوية باستخدام حق النقض وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. وتكشف هذه المفارقة عن توتر بنيوي بين مبدأ المساواة السيادية للدول والامتيازات المؤسسية الممنوحة للأعضاء الدائمين، وهو توتر معروف في تصميم نظام الأمن الجماعي منذ تأسيس الأمم المتحدة. وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن حسم الخلاف القانوني بمجرد الاستناد إلى نتيجة التصويت، لأن التصويت يحدد مصير مشروع القرار داخل المجلس، لكنه لا يكفي وحده للفصل في جميع المسائل القانونية المتنازع عليها بشأن استمرار العقوبات أو انتهاء الأساس الذي تستند إليه.

ومن منظور السياسة الدولية، يمكن فهم الموقف الروسي–الصيني المشترك بوصفه ممارسة لتوازن مؤسسي داخل مجلس الأمن، لكنه لا يثبت بمفرده نشوء توازن دولي جديد أو اكتمال انتقال النظام إلى تعددية قطبية مستقرة. فالتصويت المشترك قد يعكس تقاطعاً في المصالح بشأن قضية محددة، في حين تظل طبيعة العلاقة بين موسكو وبكين وحدود تعاونهما مع طهران خاضعة لحسابات استراتيجية واقتصادية وأمنية مختلفة. كذلك، لا يعني تعثر مجلس الأمن أن أدوات التأثير الدولي قد اختفت، بل قد يدفع الأطراف إلى الاعتماد بصورة أكبر على العقوبات الوطنية والتدابير الاقتصادية والتحالفات الدبلوماسية والترتيبات الإقليمية خارج إطار التوافق الأممي. ومن هنا تنشأ مفارقة استراتيجية تتمثل في أن تعطيل آلية دولية قد يحد من قدرة المؤسسة على تنسيق الاستجابة الجماعية، لكنه قد يفتح المجال في الوقت نفسه أمام تعدد مسارات الضغط والتنفيذ، بما يزيد صعوبة توحيد المواقف الدولية.

وعليه، فإن المؤشر الأهم الذي تقدمه الحالة الإيرانية ليس انهيار الشرعية الدولية أو عجز مجلس الأمن بصورة مطلقة، وإنما اتساع الفجوة بين الاتفاق على القواعد والاتفاق على تفسيرها وتطبيقها. وتزداد خطورة هذه الفجوة عندما تتعلق المسألة بملف نووي ذي تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي ونظام عدم الانتشار، لأن غياب التوافق لا يقتصر أثره على مستقبل العقوبات، بل قد يمتد إلى الثقة في آليات التحقق والرقابة والحوافز التفاوضية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أزمة التوافق السياسي وبين زوال القواعد القانونية ذاتها؛ فالأولى قد تعطل تطبيق بعض الآليات أو تضعف فعاليتها، أما الثانية فتحتاج إلى إثبات قانوني مستقل لا يمكن استخلاصه من استخدام الفيتو وحده. وبذلك يصبح التحدي المركزي أمام النظام متعدد الأطراف هو قدرته على منع تحول الخلاف بين القوى الكبرى بشأن تفسير القواعد إلى انقسام دائم في آليات تنفيذها، بما يحافظ على الحد الأدنى من التنسيق الضروري لإدارة الأزمات الدولية.

 

 

  1. الفيتو بين الوظيفة المؤسسية والتوظيف الاستراتيجي

لا تقتصر دلالة استخدام حق النقض في ملف العقوبات على  الجمهورية الإسلامية في إيران على تعطيل مشروع قرار بعينه، الا انها تمتد إلى الكيفية التي توظف بها القوى الكبرى أدوات النظام متعدد الأطراف في إدارة تنافسها الاستراتيجي. فمن الناحية القانونية يمثل الفيتو امتيازاً مؤسسياً مقرراً للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في حين يتيح توظيفه سياسياً للدولة المعنية منع صدور قرارات ترى أنها تتعارض مع مصالحها أو مع تفسيرها للالتزامات الدولية غير أن استخدام روسيا والصين هذه الأداة في موقف واحد لا يكفي لإثبات وجود استراتيجية مشتركة متكاملة إذ قد يتقاطع موقفاهما في معارضة مسار محدد من دون تطابق حساباتهما بشأن إيران أو علاقتهما بالولايات المتحدة. وتبرز أهمية الحالة الإيرانية في أن الخلاف لا يتعلق فقط بمضمون العقوبات، وإنما يمتد إلى تفسير أساسها القانوني وآليات مراقبتها وتنفيذها. وبذلك يصبح الفيتو أداة للتأثير في القرار المؤسسي وفي الوقت نفسه مؤشراً على حدود التوافق بين القوى الكبرى؛ وهي حدود قد تنعكس على فاعلية مجلس الأمن، من دون أن تعني بالضرورة انهيار النظام متعدد الأطراف أو فقدانه قدرته على إدارة الأزمات. وسنفصل ذلك على النحو الآتي:-

 

أولاً: من صراع حول العقوبات إلى صراع حول شرعيتها وآليات مراقبتها

تعود جذور الخلاف إلى آلية «العودة التلقائية» للعقوبات المنصوص عليها في القرار 2231 لعام 2015. فبحسب الموقف الذي تتبناه الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أُعيد تفعيل مجموعة من قرارات العقوبات السابقة على الجمهورية الإسلامية في إيران في 27 أيلول 2025 بعد تفعيل الآلية من جانب فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وأصبحت تلك التدابير ملزمة للدول الأعضاء. ويؤكد موقع مجلس الأمن أن القرارات 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929 عادت إلى التطبيق اعتباراً من ذلك التاريخ. في المقابل، تتمسك روسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران بتفسير مختلف، مفاده أن القرار 2231 انتهى في 18 تشرين الأول 2025، وأن آلية العودة التلقائية لم تُفعّل بصورة صحيحة، وبالتالي لا أساس قانونياً لاستمرار التعامل مع النظام السابق للعقوبات بوصفه نظاماً نافذاً. وقد عبّرت موسكو وبكين عن هذا الموقف بوضوح في جلسة مجلس الأمن التي سبقت الفيتو، معتبرتين أن المجلس لم يعد مختصاً بالمسألة النووية الإيرانية بموجب القرار 2231. وهنا تظهر أهمية الفيتو في سياقه الصحيح: القرار الروسي–الصيني لم يُنهِ العقوبات وفقاً للموقف الغربي، ولم يُعدّها منتهية وفقاً للموقف الروسي–الصيني، وإنما أوقف تمديد أداة رقابية كان يفترض أن تساعد مجلس الأمن على التحقق من تنفيذها. وهذا يعني أن الخلاف انتقل من مرحلة مراقبة الامتثال إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بتحديد ما إذا كان النظام العقابي نفسه قائماً.

 

ثانياً: حسابات الولايات المتحدة وروسيا والصين

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل تمديد ولاية فريق الخبراء وسيلة للحفاظ على القدرة المؤسسية لمجلس الأمن على توثيق انتهاكات العقوبات ورصد آليات الالتفاف عليها ولذلك قدمت واشنطن الفيتو الروسي–الصيني باعتباره ضربة لشفافية النظام العقابي، مشيرة إلى أن غياب فريق مستقل يعني فقدان مصدر مهم للمعلومات القائمة على الأدلة بشأن الانتهاكات.

أما روسيا، فموقفها لا يمكن اختزاله في مجرد حماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. موسكو تنطلق من مصلحة أوسع تتمثل في رفض تحويل مجلس الأمن إلى أداة لإضفاء الشرعية على ما تعتبره إعادة فرض أحادية الجانب لعقوبات انتهى أساسها الزمني فضلاً عن أن استمرار الضغوط على الجمهورية الإسلامية في إيران ينسجم بدرجات متفاوتة مع تنافسها الأوسع مع الولايات المتحدة والغرب وفي الوقت نفسه، تمنح العلاقة الروسية–الإيرانية موسكو مصالح أمنية وسياسية واقتصادية مباشرة، وهو ما يجعل منع تكريس مسار عقابي غربي إضافي تجاه طهران مفيداً لها.

لكن من التبسيط تفسير الموقف الروسي والصيني المشترك باعتباره دليلاً على تحالف متكامل. فالصين تتحرك ضمن حسابات مختلفة نسبياً؛ فهي تؤكد حق الجمهورية الإسلامية في إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، لكنها تربط موقفها أيضاً بالحفاظ على مسار دبلوماسي وبمعارضة ما تعتبره توظيفاً سياسياً لمجلس الأمن. كما أن المصالح الصينية في الاستقرار الإقليمي والطاقة والتجارة تجعلها أقل ميلاً إلى الانخراط في مواجهة مفتوحة مع واشنطن مقارنة بموسكو وقد أظهرت تحليلات سابقة لمركز الأبحاث أن بكين وموسكو لا تتصرفان تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران بالطريقة نفسها، وأن دوافعهما وقدرتهما على تقديم دعم مباشر لطهران تختلفان بصورة واضحة. وعليه، فإن التقارب في التصويت يعكس تقاطعاً في المصلحة تجاه هذه المسألة المؤسسية والقانونية تحديداً، أكثر مما يثبت قيام جبهة استراتيجية موحدة بين موسكو وبكين وطهران.

 

ثالثاً: التداعيات المؤسسية والقانونية

تتمثل النتيجة الأكثر مباشرة للفيتو في إضعاف قدرة مجلس الأمن على إنتاج معلومات مستقلة ومنهجية حول تنفيذ نظام العقوبات. وقد أوضحت السجلات الأممية أن فريق الخبراء لم يكن يعمل بصورة كاملة خلال السنة السابقة بسبب عدم التوافق على تعيين أعضائه، ولذلك فإن التصويت لم يوقف جهازاً رقابياً كان يعمل بكامل طاقته بقدر ما منع إعادة تأسيس ولايته على أساس القرار الجديد.

لكن الأهم أن انتهاء ولاية فريق الخبراء لا يساوي قانونياً انتهاء العقوبات. فهذه ثلاث مسائل مختلفة: الأولى، استمرار أو انتهاء الأساس القانوني للعقوبات؛ والثانية، استمرار اللجنة المنشأة لمتابعة نظام العقوبات؛ والثالثة، وجود فريق خبراء مستقل لمراقبة التنفيذ. وقد أكد الموقف البريطاني أن الفيتو أضعف قدرة المجلس على معرفة كيفية تنفيذ العقوبات، لكنه لم يغيّر – وفق التفسير الغربي- من الطبيعة الملزمة للعقوبات.

وفي المقابل، ترى موسكو وبكين وطهران أن المسألة أعمق من الرقابة، لأنها تتعلق أصلاً بانتهاء القرار 2231 وبسلامة عملية «العودة التلقائية». ولذلك أصبحت الجمعية العامة في 1 تشرين الأول مساحة لكشف الانقسام القانوني والسياسي أكثر من كونها آلية لتسوية الخلاف؛ فهي تستطيع مناقشة استخدام الفيتو وتعزيز الشفافية السياسية، لكنها لا تستطيع ببساطة إلغاء الفيتو أو فرض نتيجة قانونية بديلة على مجلس الأمن.

 

رابعاً: الجمهورية الإسلامية في إيران والملف النووي

بالنسبة إلى  الجمهورية الإسلامية في إيران، يوفر الانقسام بين القوى الكبرى مساحة للمناورة الدبلوماسية، لأن طهران تستطيع التعامل مع موقف روسيا والصين بوصفه رافعة في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية، ولا سيما في الجدل حول شرعية العقوبات. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الجمهورية الإسلامية في إيران خرجت من دائرة الضغط؛ إذ إن الخلاف داخل مجلس الأمن لا يلغي العقوبات الأمريكية الأحادية، كما أن الولايات المتحدة وبلدان غربية واصلت خلال الفترة محل الدراسة التأكيد على استمرار نظام العقوبات الأممية وفق تفسيرها القانوني. وقد أصدرت مجموعة واسعة من الدول في 2 تشرين الأول بياناً مشتركاً يؤكد أن العقوبات الأممية عادت إلى النفاذ منذ 27 أيلول 2025.

وهكذا يصبح الانقسام الدولي نفسه جزءاً من حسابات طهران التفاوضية. فكلما تعذر إنتاج موقف موحد داخل مجلس الأمن، زادت قدرة الجمهورية الإسلامية في إيران على الفصل بين المسارات: التفاوض مع الغرب حول الملف النووي، والحفاظ على علاقات استراتيجية مع روسيا والصين، واستخدام الخلاف القانوني حول العقوبات للتقليل من أثر الضغوط الدولية. غير أن هذه المساحة لا تعني بالضرورة قدرة الجمهورية الإسلامية في إيران على التخلص من العقوبات، لأن فاعلية العقوبات لا تعتمد حصراً على آليات الأمم المتحدة، بل تتأثر أيضاً بقوة النظام المالي الأمريكي وبمدى استعداد الصين وروسيا والدول الأخرى لتحمل كلفة مخالفة الضغوط الغربية.

 

خامساً: الدلالة الاستراتيجية على النظام الدولي

لا تكفي هذه الأزمة للقول بانهيار النظام الدولي أو انتهاء الهيمنة الأمريكية؛ مثل هذه الاستنتاجات تتجاوز ما تسمح به الأدلة. لكن الحدث يكشف تحولاً أكثر تحديداً: أصبح مجلس الأمن ساحة للتنافس على قواعد إنتاج الشرعية الدولية نفسها، وليس فقط ساحة للتصويت على سياسات محددة. فالنزاع لم يعد محصوراً في سؤال:

هل ينبغي فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية في إيران؟

 

 بل أصبح: من يملك تفسير استمرارها؟ ومن يحدد آليات تنفيذها؟ وما حدود صلاحية المؤسسات الدولية عندما تختلف القوى الكبرى حول الأساس القانوني لقرار سابق؟

 

ومن هذه الزاوية، يمثل الفيتو الروسي–الصيني مثالاً على مشكلة بنيوية في النظام متعدد الأطراف: فعالية المؤسسة الدولية تعتمد في القضايا الكبرى على الحد الأدنى من التوافق بين القوى صاحبة القوة المؤسسية، وعندما يتحول الخلاف بينها إلى خلاف على الشرعية نفسها، يصبح المجلس أكثر قدرة على إدارة الصراع السياسي بين أعضائه من قدرته على إدارة الأزمة التي أنشئ لمعالجتها.

 

التقدير الاستراتيجي

استناداً إلى التطورات المتاحة حتى 6 تشرين الأول 2026 فقط، يبدو أن الاتجاه الأقرب هو استمرار الانقسام حول الملف الإيراني ما لم تظهر تسوية سياسية تعالج في الوقت نفسه الخلاف حول الوضع القانوني للعقوبات، ومستوى الرقابة النووية، ومسألة وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشروط استئناف التفاوض. أما إذا استمر كل طرف في التعامل مع تفسيره القانوني بوصفه حقيقة غير قابلة للتفاوض، فمن المرجح أن يتحول نظام العقوبات من أداة جماعية ذات آلية رقابة موحدة إلى نظام تتباين فيه درجة التنفيذ باختلاف مصالح الدول وقدرتها على مقاومة الضغوط.

وبذلك فإن أهمية الفيتو لا تكمن في أنه أنهى العقوبات على الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو استنتاج غير دقيق، بل في أنه كشف حدود قدرة مجلس الأمن على الحفاظ على وحدة القاعدة القانونية وآليات تنفيذها عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. ومن ثم فإن الحدث يمثل مؤشراً على تعمق التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين داخل المؤسسات متعددة الأطراف، لكنه لا يثبت بمفرده تحول النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب مكتمل الأركان؛ والأدق أنه يكشف عن تزايد الطابع التنافسي لإدارة النظام متعدد الأطراف وتراجع مساحة التوافق بين القوى الكبرى في القضايا الأمنية ذات الحساسية الاستراتيجية.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى