الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
أمننة الذكاء الاصطناعي.. الولايات المتحدة وسباق الذكاء الفائق

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
اعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 ايلول 2026 بأمر رئاسي إعادة تسمية (الذكاء الاصطناعي) AI بـ (الذكاء الفائق) SI في الوثائق الرسمية الامريكية وانشاء هيئة (قوة الذكاء الخارق) مع تعيين مدير الاستخبارات الوطنية جون كلايتون مديراً للقوة، ويطرح هذا القرار الجديد تساؤلات بشأن دلالاته السياسية والاستراتيجية، ومدى ارتباطه بتوجه الإدارة الامريكية ترامب نحو تعزيز التفوق التكنولوجي ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في حسابات الامن القومي وصولاً لتحقيق المستوى التقني المفترض للذكاء الاصطناعي الفائق والذي يمثل أعلى مراحل الذكاء الاصطناعي، وتحاول هذه المقالة تفسير ابعاد هذه الخطوة وانعكاساتها المحتملة على بنية الامن القومي الأمريكي، في ضوء المنافسة التكنولوجية مع الصين وتأثيرات هذه المنافسة على بنية النظام الدولي.
أولاً: بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق
في البداية من الضروري التمييز بين مفهوم الذكاء الاصطناعي ومفهوم الذكاء الفائق، حيث ان الفرق بينهما كبير جداً تقنياً وليس لغوياً، حيث يشير الذكاء الاصطناعي الى عملية محاكاة ذكاء الانسان من قبل برامج الحاسوب الالي بشكل يمكنه من محاكاة طريقة تفكير البشر([1]).
واليوم تستخدم النماذج اللغوية العصبية باعتبارها الشكل الأكثر تطوراً في الوقت الراهن من أنظمة الذكاء الاصطناعي والتي تعتمد على تقنيات التعلم العميق حيث يتم تدريب هذه النماذج على كميات هائلة من النصوص البشرية مما يمكنها من تعلم التنبؤ بالكلمة التالية في الجملة.
اما الذكاء الاصطناعي الفائق فهو نموذج افتراضي ونظري لم يتم التوصل اليه حتى الان من قبل المطورين وهو نموذج يفوق بقدراته المعرفية والعلمية والادراكية كل العقول البشرية مجتمعة في كافة المجالات المعرفية والعلمية.
وبشكل عام يختلف الخبراء في تحديد مستويات الذكاء الاصطناعي ومدى تطوره لكن في بعض الاحيان يتم تقسيمه الى ثلاث مستويات هي:
الذكاء الاصطناعي الضيق.
الذكاء الاصطناعي العام.
الذكاء الاصطناعي الفائق.
وفي الوقت الراهن مازال العالم وشركات التكنولوجيا تسابق الخطى للوصول الى المستوى الثاني وهو الذكاء الاصطناعي العام الذي يمثل مفهوماً افتراضياً يشير إلى نظام يمتلك قدرة عامة على التعلم والاستدلال والتكيف وتنفيذ طيف واسع من المهام المعرفية عبر مجالات مختلفة، بدلاً من اقتصار قدراته على مهام محددة. لكن الشركات لم تحقق حتى الان هذا المستوى، مما يعني انه مازال امام الخبراء وقت أطول نسبياً للوصول الى مستوى الذكاء الفائق او الخارق بالمعنى التقني.

ثانياً: الذكاء الفائق بدلاً من الاصطناعي هل ستكون مجرد دلالة لغوية؟
في خطابه امام الأمم المتحدة اختار الرئيس الأمريكي ترامب ان يطلق تسمية (الذكاء الفائق) على تقنية الذكاء الاصطناعي بدلاً من وصفه بالاصطناعي معتبراً ان هذه التقنية تمثل ذكاءً حقيقياً وان وصف هذا الذكاء بالاصطناعي يعطي إحساس بأنه ذكاء زائف بينما هو في الواقع ذكاء باهر وفائق، ويبدو ان وصف ترامب للذكاء بالفائق يتعدى مجرد الدلالة اللغوية في وصف معنى هذه التقنية ووظائفها التي تؤديها، حيث انه لم يقتصر في امره الرئاسي على استعمال مصطلح الذكاء الفائق في الوثائق الرسمية بدلاً من الذكاء الاصطناعي بل أنه أيضاً عمل على تأطير هذا التغيير بشكل مؤسسي من خلال انشاء (قوة الذكاء الفائق) التي تتلخص مهامها بتنسيق جهود الحكومة الفيدرالية وضمان ريادة الولايات المتحدة العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتتألف من 4 من المسؤولين الأمريكيين هم([2]):
-
جاي كلايتون: مدير الاستخبارات الوطنية، ويترأس القوة الجديدة بدور يشبه “قيصر الذكاء الاصطناعي”.
-
أندرو فيرجسون: رئيس لجنة التجارة الفيدرالية (نائب للرئيس) للإشراف على تنظيم المنافسة وحماية المستهلك.
-
إميل مايكل: وكيل وزارة الحرب للأبحاث والهندسة (نائب للرئيس).
-
سكوت كوبور: مدير مكتب إدارة شؤون الموظفين (نائب للرئيس) لتحديث القوى العاملة الحكومية التقنية.
ويعكس اختيار هؤلاء المسؤولين اتساع نطاق القضية فالاستخبارات الوطنية أهمية خاصة بالنظر إلى تداخل الذكاء الاصطناعي مع قضايا الأمن القومي والاستخبارات والأمن السيبراني والقدرات العسكرية، فيما تعنى لجنة التجارة بالتنظيم وسلامة الأنظمة، اما سكوت كوبور فيمثل اهتمام الإدارة ببناء القدرات البشرية والتقنية داخل الجهاز الحكومي، في حين يعكس وجود إميل مايكل أهمية الذكاء الفائق في التطبيقات العسكرية والبحث والتطوير الدفاعي([3]).
ومن اللافت ان الأسماء التي تم تعيينها والمناصب التي يشغلونها تعكس الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي في بنية الامن القومي الأمريكي، حيث تسعى الولايات المتحدة لتستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي كأداة تضمن لها الحفاظ على هيمنتها داخل النظام الدولي لاسيما في منافسة خصومها الرئيسيين، وبنفس الوقت تعمل على الحد من التأثيرات السلبية للتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي على نواحي الامن القومي المختلفة.
وتمثل مبادرة “قوة الذكاء الفائق” انتقالاً في إدارة ملف الذكاء الاصطناعي الى مستوى الإدارة الفيدرالية حيث تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الامن القومي والثقة المجتمعية، إذ تحاول إدارة ترامب تسريع عملية تطوير الذكاء الاصطناعي لضمان التفوق والريادة الامريكية بينما يتم مطالبتها بمزيد من الضبط للمخاطر التكنولوجية([4]).
ثالثاً: أمننة الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل بنية الأمن القومي الأمريكي
لا يمكن فصل القرار الجديد لإدارة ترامب عن الأهمية المتزايدة التي اكتسبها الذكاء الاصطناعي في حسابات الامن القومي الأمريكي، فالقرار لا يقتصر على اعتماد مصطلح جديد في الخطاب الرسمي فحسب بل، يندرج في سياق تزداد فيه الروابط بين تطوير التقنيات المتقدمة وبين المنافسة الاقتصادية والتحديث العسكري والتكنولوجي والاستخباري. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المبادرة بوصفها مؤشراً على سعي الإدارة الامريكية لوضع الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها الاستراتيجية، مع التمييز بين التوجه السياسي وبين ما تحقق فعلياً من تقدم تقني.
وتظهر أولى تأثيرات تغيير المصطلح على الأسلوب الخطابي، إذ يمكن أن تؤثر المصطلحات المستخدمة في توصيف التكنولوجيا في الطريقة التي تُعرض بها أهميتها أمام المؤسسات الحكومية والرأي العام. فالتعبير عن الذكاء الاصطناعي باعتباره (ذكاءً فائقاً) قد يربطه في الخطاب السياسي بسباق التفوق التكنولوجي والأمن القومي، بدلًا من حصره في تطبيقاته التجارية والخدمية.
وفي هذا الصدد اعلن بيت هيغسيث وزير الحرب في إدارة ترامب عن مشروعه لانشاء ما سماه بـ(قيادة الحرب الذاتية) (Auto War Command) وهو قرار ارسل كمشروع قانون من البنتاغون الى الكونغرس والذي في حال الموافقة عليه من قبل الكونغرس ستشكل قيادة قتالية تابعة للعنوان العاشر* على غرار (قيادة العمليات الخاصة، وقيادة قوات الفضاء)،([5]) وهي حالة تشير الى ان إدارة ترامب لا تسعى لجعل الامر خطابياً فحسب بل تحاول مأسسة الذكاء الفائق وادماجه ضمن المؤسسات العسكرية.
حيث يمكن ان يعزز استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمعناه “الفائق” الذي يقصده ترامب في توفير عدة فوائد للقوات المسلحة منها تحليل المعلومات الاستخبارية بسرعة وكفاءة عالية، ودعم عمليات الاستطلاع والمراقبة، وترشيد عمليات التخطيط والقيادة والسيطرة، فضلاً عن تطوير أنظمة التشغيل بدرجات متفاوتة، وقد ساهم تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تعزيز وصول المعلومات بسرعة اكبر وتحليلها بوقت قياسي مما يساعد صانع القرار في غرفة العمليات على اتخاذ القرارات ويعزز لديه الوعي الظرفي بساحة المعركة.
بالتالي فأن القرار الجديد لا يقتصر على بعده اللغوي بل يهدف الى تعزيز قدرات الولايات المتحدة على المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي منافسة لا تقتصر على انشاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة واحتكارها بل تشمل ايضاً ضمان الوصول الى معدات ومكونات هذه التطبيقات مثل الوصول الى اشباه الموصلات وامتلاك مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وموارد الطاقة فضلاً عن الموارد والكفاءات البشرية اللازمة لانشاء وتشغيل هذه الأنظمة.
وفي هذا المجال تظهر الصين كمنافس رئيسي للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي حيث تهدف الولايات المتحدة ليس لضمان وصولها الى هذه الموارد والمعدات أعلاه بل أيضاً الى حرمان الصين من الوصول اليها لضمان تفوقها على الصين في السباق العالمي لتحديث الذكاء الاصطناعي، مما حول الاخير الى تكنولوجيا تحدد توازنات القوى العالمية، حتى بات السباق الأمريكي-الصيني نحو تحديث الذكاء الاصطناعي يشكل حرب باردة تكنولوجية.([6])
لكن بالمقابل تعمل الصين على تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي وتستثمر في بعض قرارات إدارة ترامب في هذا الاطار ففي حين قلصت الإدارة الامريكية من عمليات وصول العاملين والخبراء الأجانب الى الولايات المتحدة للعمل في الشركات الامريكية وذلك بغية دعم الكفاءات الامريكية، فأن الصين فتحت باب التسهيلات لاستقطاب العقول الأجنبية من كافة الجنسيات، مما زاد من الاقبال على الشركات الصينية من الجنسيات المختلفة، وهي ميزة كانت تمتاز بها الولايات المتحدة وساهمت بشكل كبير في تعزيز ريادتها العالمية في مجال التكنولوجيا.
وتشير التقارير الى ان بكين تعمل على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في المنظومة الرقمية اليومية لـ أكثر من 700 مليون مستخدم صيني في قطاعات مختلفة مثل (التجارة، المدفوعات، والخدمات، والخدمات العامة)، مما يعزز من تفوقها الواقعي في قيادة عملية التحول في نمط الحياة الرقمية للبشرية.
في حين تقترب شركات صينية من كسر الهيمنة الامريكية على الذكاء الاصطناعي حيث باتت افضل النماذج الصينية مثل ديب سيك (DeepSeek) تتخلف بمقدار 3% عن النماذج الامريكية وفقاً لمعايير القياس المرجعية، مقارنة بفجوة بلغت حوالي 15% في بداية العام، وهو تقدم بات يثير شكوك بالنسبة للمحللين حول جدوى القيود الامريكية الصارمة المفروضة على تصدير التقنيات الامريكية المتقدمة للصين كتلك المفروضة على شركة تصنيع الرقاقات أنفيديا(NVIDIA) ، والتي صممت اساساً لابطاء تقدم الصين تكنولوجياً وضمان استدامة التفوق الأمريكي([7]).
مما يعني ان عملية الامننة للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الجانب العسكري بل تدخل في جوانب المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين على الريادة والتفوق داخل النظام الدولي وهو السبب الذي حول قضية عالية التقنية مثل الذكاء الاصطناعي وكل ما يتعلق بها الى قضية امن قومي تستوجب تغيير التسمية نحو الذكاء الفائق وانشاء قوة مهام للذكاء الفائق.
خاتمة
يمكن القول ان القرار الرئاسي الذي أصدرته إدارة ترامب باعتماد مصطلح الذكاء الفائق بدلاً من الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من دلالته السياسية والاستراتيجية التي تتناسب مع اهداف الإدارة الامريكية في تحقيق التفوق والوصول السريع للذكاء الاصطناعي الفائق، الا ان التسمية الجديدة لا تعني انها ترمز للذكاء الاصطناعي الفائق، كما انها لا تعني ان الولايات المتحدة ستحقق التفوق المطلوب، لاسيما في ظل تسارع وتيرة المنافسة والتطوير الصينية، وانما هي تمثل اشبه بدلالة خطابية تشير الى ادماج الذكاء الاصطناعي في بنية الأمن القومي الأمريكي اصطلاحياً ومؤسسياً وعسكرياً ، بالتالي فإن القرار الرئاسي يمثل مؤشراً على توجه الإدارة الأمريكية نحو إدماج الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق في بنية الأمن القومي، وإعادة تأطيره بوصفه أحد عناصر القوة الوطنية وأدوات المنافسة على قيادة النظام الدولي. غير أن تحقيق التفوق في هذا المجال لن يتوقف على القرارات السياسية أو تغيير المصطلحات، بل سيتحدد بقدرة الولايات المتحدة على تطوير نماذج متقدمة، وتأمين الموارد والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها، واستقطاب الكفاءات البشرية، وتحويل التقدم التقني إلى قدرات اقتصادية وعسكرية واستخبارية فعالة.
في المقابل، فإن استمرار التقدم الصيني وقدرة بكين على تطوير بدائل تقنية محلية قد يحدّان من قدرة الولايات المتحدة على احتكار مصادر التفوق التكنولوجي، ويفتحان المجال أمام عدة مسارات لمستقبل النظام الدولي؛ من استمرار التفوق الأمريكي في بعض المجالات، إلى تقارب القدرات بين القوتين، أو تشكل بيئتين تكنولوجيتين متنافستين تتباينان في المعايير وسلاسل الإمداد والتطبيقات الاستراتيجية.
وعليه، فإن أهمية القرار لا تكمن في التسمية الجديدة بحد ذاتها، ولا في دلالتها على بلوغ مرحلة الذكاء الفائق تقنياً، وإنما في ما قد تعكسه من تحول في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مورداً استراتيجياً يرتبط بتوزيع القوة عالمياً. وسيظل أثر هذا التحول مرهوناً بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل توجهاتها السياسية والمؤسسية إلى نتائج تقنية وعملية، وبكيفية استجابة الصين وبقية القوى الدولية لهذا التنافس.



