الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

أميركا و”إسرائيل” تتفقان على قائد غزة الجديد

إدارة ترامب تراهن في خطتها للسلام على شخصية غير معروفة على نطاق واسع هي علي شعث لقيادة مستقبل غزة

 

بقلم: أنشال فوهرا

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

 

علي عبد الحميد شعث المسؤول المكلّف بإدارة غزة في إطار خطة السلام الأميركية المؤلفة من 20 بنداً للمنطقة يعتزم نقل الركام المتناثر في أنحاء القطاع إلى البحر المتوسط، ومن شأن هذه الخطوة أن تتيح مساحة إضافية لسكان غزة الذين كانوا يعيشون أصلاً في شريط ضيق ومكتظ من الأراضي حتى قبل اندلاع الحرب، وقال شعث إذا جلبتُ جرافات ودَفعتُ الركام إلى البحر فسأتمكن من استصلاح أراضٍ جديدة لغزة وفي الوقت نفسه إزالة الركام، ولن يستغرق ذلك أكثر من ثلاث سنوات”.

ومن نواحٍ عدة يبدو شعث الشخص المناسب لقيادة اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) التي شكّلتها الولايات المتحدة، فقد وُلد عام 1958 في خان يونس بقطاع غزة وهو مهندس مدني درس الهندسة في القاهرة وبلفاست وشغل لاحقاً منصب نائب وزير التخطيط ووزير النقل والاتصالات في حكومة السلطة الفلسطينية، ويتمتع شعث بخبرة واسعة في التعامل مع الجهاز البيروقراطي الفلسطيني والجهات المانحة الدولية، كما لديه خبرة في الإدارة المدنية.

ويدرك شعث كذلك آليات التمويل الدولي ويصفه الموقع الإلكتروني للجنة الوطنية لإدارة غزة بأنه شخصية قادرة على “إدارة ميزانيات معقدة بملايين الدولارات وبناء شراكات رفيعة المستوى مع الحكومات ومصارف التنمية والمستثمرين من القطاع الخاص”، وقد التقى شعث بالفعل مبعوث الاتحاد الأوروبي الذي يمثل أكبر تجمع للجهات المانحة، وقال مسؤول أمني “إسرائيلي” ** سابق تحدث إلى فورين بوليسي إن شعث خضع للتدقيق قبل الإعلان رسمياً عن تعيينه رئيساً للجنة الوطنية لإدارة غزة. وفي كانون الثاني قال شعث، متحدثاً عن فريق يضم نحو 12 عضواً من أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، كُلّفوا بإدارة شؤون القطاع خلال المرحلة الانتقالية نحن عقول فلسطينية، ولسنا أسلحة”.

وباختصار قد يتمكن شعث من دفع عجلة التعافي في مجال البنية التحتية والتنمية الاقتصادية بما يخدم الفلسطينيين، لكنه في الوقت نفسه يحظى بقبول “إسرائيل” كما أن خبرته في إدارة الملفات الاقتصادية تجعله مناسباً لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على السلام من خلال التنمية الاقتصادية في المنطقة، ويرى ترامب أن تحقيق الرفاه الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلًا إلى المصالحة بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين رغم أن خطته المعروفة بإسم (ريفييرا غزة) تعرضت لانتقادات واسعة ووصفت بأنها تفتقر إلى الحساسية تجاه الفلسطينيين.

ويتطلع الفلسطينيون بشدة إلى إعادة إعمار غزة حتى إن حماس أعلنت استعدادها لتسليم إدارة القطاع إلى هذا التكنوقراط، غير أن هناك شعوراً متزايداً لدى الفلسطينيين بأن شعث واللجنة الوطنية لإدارة غزة يمثلان جزءاً من استراتيجية أوسع، قوامها إطلاق مسار للرخاء الاقتصادي بهدف تهميش النضال الوطني وتعميق الانقسامات داخل الصف الفلسطيني.

وقال محمد شحادة الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “سيؤدي شعث الآن مهام كانت السلطة الفلسطينية تضطلع بها سابقاً في غزة مثل إدارة معابر رفح وتوفير الكتب للطلاب وغير ذلك، وقد ينطوي ذلك على خطر تفكيك التنسيق القائم بين غزة والضفة الغربية”. وسيتعين على شعث أن يتحرك بحذر حتى لا يُنظر إليه باعتباره “دمية” أو أداة بيد أطراف أخرى بما يؤدي إلى فقدانه مصداقيته لدى الفلسطينيين، وإذا تحولت اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى مكوّن دائم في منظومة حكم القطاع، فقد تؤدي إلى تعميق الانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية وغزة، وإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية. وقال إران ليرمان العقيد المتقاعد في جهاز الاستخبارات ونائب مستشار الأمن القومي “الإسرائيلي” سابقاً، والذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن “لا يوجد جدول زمني محدد لإنهاء عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في القطاع”.

 

 

وبحسب نص خطة السلام المؤلفة من 20 بنداً، تتمثل المهمة الرئيسية للجنة الوطنية لإدارة غزة في توفير الخدمات العامة “اليومية” إلى أن تستكمل السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها وتصبح مستعدة لتولي مسؤولية إدارة القطاع.

وقد تبدو الخطة بسيطة للوهلة الأولى لكنها تواجه عقبات عديدة، فالتحديات التي تنتظر شعث لا تقتصر على تلك التي قد تفرضها “إسرائيل” بل تشمل أيضاً مواجهة استحقاق أكثر جوهرية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، أما التحدي الأول أمامه فهو البدء بالعمل فعلياً، فبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على تعيينه رئيساً للجنة الوطنية لإدارة غزة لا يزال شعث يقيم في أحد فنادق القاهرة برفقة أعضاء فريقه، فيما لم تبدأ عملية إعادة إعمار غزة حتى الآن.

وافقت حماس على تخزين أسلحتها لكن “إسرائيل” لا تعتبر ذلك نزعاً للسلاح كما رفضت الالتزام بالحفاظ على الاتفاق القائم قبيل الانتخابات البرلمانية “الإسرائيلية” المقرر إجراؤها في تشرين الأول، وتشتبه “إسرائيل” في أن حماس لن تتخلى أبداً عن قبضتها على القطاع ولن توافق على نزع سلاحها بالكامل كما أنها لا تريد التخلي عن أوراق الضغط التي اكتسبتها من خلال إعادة احتلال غزة، في المقابل يشكك الفلسطينيون في أن “إسرائيل” كانت تنوي الانسحاب أصلاً. ويخشى البعض أن تسعى “إسرائيل” إلى استغلال شعث واللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفهما نموذجاً للحكم يمكن تطبيقه لاحقاً في الضفة الغربية، بحيث يصبح الازدهار الاقتصادي، لا التحرر الوطني، محوراً للحكم. وقال شحادة “بموجب خطة ترامب للسلام المؤلفة من 20 بنداً يتعين على اللجنة الوطنية لإدارة غزة تسليم إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ إصلاحات ضرورية وإن كانت غير محددة، لكن ثمة خشية من ألا يحدث ذلك، وأن تتولى اللجنة بدلاً من ذلك إدارة الضفة الغربية”.

وقال ليرمان إن “إسرائيل” لديها تحفظات بشأن توسع نفوذ السلطة الفلسطينية ليشمل غزة، وأضاف “ليس واضحاً ما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستؤدي دوراً في غزة في نهاية المطاف” مشيراً إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد توفر بمرور الوقت نموذجاً يمكن تطبيقه في الضفة الغربية، لكنه أكد أنه لا توجد في الوقت الراهن خطة لاستبدال السلطة الفلسطينية. وقال ليرمان “قد تصبح اللجنة الوطنية لإدارة غزة مؤشراً إلى الكيفية التي يمكن أن تبدو عليها الحوكمة الأفضل في مرحلة ما بعد عباس” في إشارة إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس البالغ من العمر 90 عاماً والذي يتولى قيادة السلطة منذ عقدين، وأضاف “لا يتعلق الأمر بالضرورة بإسقاط السلطة الفلسطينية واستبدالها باللجنة الوطنية لإدارة غزة وإنما بالتأكيد بإرساء معايير جديدة من شأنها تغيير طريقة إدارة الأمور في رام الله أيضاً”.

وعلى الرغم من أوجه القصور الكثيرة في الجانب “الإسرائيلي”، يقر الفلسطينيون أيضاً بأن قيادتهم السياسية بحاجة إلى الإصلاح وإنقاذ الحركة الوطنية المتعثرة، وهناك أمل حذر في أن تجري السلطة الفلسطينية انتخابات في تشرين الثاني وربما انتخابات رئاسية في العام المقبل، وأن تتمكن الفصائل السياسية من تجاوز خلافاتها وتحقيق ذلك.

ويرى بعض الفلسطينيين أن السبيل الوحيد القابل للتطبيق للخروج من الانقسام بين غزة والضفة الغربية يتمثل في الانتخابات، وقال شحادة “هناك ثلاث مسارات أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، فالمقاومة المسلحة لن تؤدي إلا إلى منح “إسرائيل” ذريعة لقتل المزيد من الفلسطينيين، أما الحركة السلمية فلا يمكن أن تنجح إذ سيُطلق النار على أي شخص يقترب من الخط الأصفر” في إشارة إلى الحدود الفعلية لقطاع غزة التي تنتشر عندها القوات “الإسرائيلية”، وأضاف “السبيل الوحيد للمضي قدماً هو الانتخابات”. وكان عباس قد طالب الفصائل السياسية والمرشحين بالتخلي عن العنف والاعتراف “بإسرائيل” شرطاً للمشاركة في الانتخابات في خطوة متعمدة لإقصاء حماس التي فازت في انتخابات عام 2006، وفي ذلك الوقت أدت الاشتباكات المسلحة بين الحركة وفتح التي كانت تهيمن على السلطة الفلسطينية، إلى انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية بين غزة التي تديرها حماس والضفة الغربية الخاضعة لحكم السلطة الفلسطينية. ولم تتخلَّ حماس عن العنف لكنها قد تجد صيغة تتيح لها خوض الانتخابات، وقال شحادة إن عدداً من الفصائل السياسية بدأ بالفعل التواصل مع حماس لتشكيل تحالف انتخابي وإن الحركة قد تقدم مرشحين بصفتهم مستقلين، وأعلنت حماس أنها ستشارك في الانتخابات ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن، غير أنها لم تعترف “بإسرائيل” قط ولم تطرح سوى هدنة أو وقف لإطلاق النار وليس تسوية دائمة. ويرى محللون فلسطينيون أن حماس تعرضت لضربات قاسية لكنها لم تُقضَ عليها، ولا تزال تملك فرصة للبقاء والمنافسة، وقد انتخبت الحركة الشهر الماضي خليل الحية رئيساً جديداً لها. وكتب إبراهيم دلالشة من مركز الأفق في رام الله “لم تتناول أي من الخطط العديدة المطروحة لإدارة غزة كيفية احتواء بقايا منظومة حماس غير الرسمية، التي صمدت رغم تدمير مؤسسات الحركة الرسمية الحاكمة، ويمكنها الحفاظ على نفوذها إلى أجل غير مسمى”.

وعلى مدى سنوات دعا عدد من النشطاء الفلسطينيين إلى المصالحة بين فتح وحماس، وقد هنأ حسين الشيخ نائب عباس وخليفته المفترض الحية مؤخراً على اختياره لكن لا توجد مؤشرات حتى الآن على حدوث تقارب أوسع بين الطرفين. وفي حال إجراء الانتخابات، قد تتمكن السلطة الفلسطينية أو بصورة أوسع كيان يختاره الفلسطينيون، من تعزيز مطالبتها بإدارة غزة في مواجهة اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي تخضع لسيطرة مجلس السلام التابع لترامب. ومن شأن ذلك أن يحول دون زيادة تفكك الأراضي الفلسطينية، لكن سيتعين على حماس التخلي عن العنف حتى تحظى بالقبول بوصفها طرفاً سياسياً من جانب المجتمع الدولي، في حين سيتعين على فتح والفصائل الأخرى تقبل احتمال تفوق حماس وحلفائها في الانتخابات إذا ما جرت. وفي هذه المرحلة ليس من المؤكد أصلاً أن الانتخابات ستُجرى، ففي عام 2021 ألغى عباس الانتخابات في اللحظة الأخيرة بسبب رفض “إسرائيل” السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالإدلاء بأصواتهم، وإذا لم تُجرَ الانتخابات فقد تمتد ولاية شعث لفترة أطول مما تتطلبه عملية إعادة إعمار غزة.

ويعيش سكان غزة حالة من اليأس وهم يتطلعون إلى توفير الاحتياجات الأساسية كما يرحب الفلسطينيون عموماً بالتنمية الاقتصادية لكن ليس على حساب حقهم في تقرير مصيرهم، ولا يملك شعث نفوذاً كبيراً على الحسابات الانتخابية الأوسع أو على الخطط “الإسرائيلية”، سواء المعلنة منها أو المشتبه فيها لكنه يواجه معضلة بالغة الخصوصية:

 

كيف يحسن حياة الفلسطينيين من دون المساس بقضيتهم الوطنية؟

 

اسرائيل واميركا تتفقان على قائد غزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى