الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
المتهم في جرائم الفساد المالي والإداري والسياسي مدان حتى تثبت براءته

بقلم: م. د. أكرم كريم خضير
الجامعة التقنية الجنوبية / المعهد التقني العمارة
إن قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” هي قاعدة دستورية (م 19/خامساً) من دستور جمهورية العراق، وأخلاقية في النظام الجنائي، ليس كما معروف عنها تتصف بالأطلاق فهي قاعدة نسبية في بعض الجرائم. فلو نظرنا الى هذه القاعدة من جانب فني بحت وفق الهندسة التشريعية الجنائية، لتبينت لنا تلك النسبية، اذ إن فلسفة التجريم تُبنى تارة على الضرر، وهو الغالب، وتارة أخرى على الخطر، ومرد هذا الأمر إلى اختلاف درجة الحماية الجنائية التي يسبغها المشرع الجنائي على المصالح الاجتماعية، وبحسب تقديره لمقدار جسامة الاعتداء الموجب للمسؤولية؛ إذ يحمي بعض المصالح إذا ما تعرضت لاعتداء يصيبها بضرر، وهنا لا بد من انتظار الضرر لتحقق النتيجة، بينما يحمي بعض المصالح لمجرد تعرضها للخطر، حيث تتحقق نتيجة الجريمة قبل وقوع الضرر أو بدونه.
ومن الجرائم التي تُبنى على الخطر، ولا يُنتظر تحقق الضرر فيها، جرائم الفساد المالي والإداري، وخصوصاً جريمة اختلاس المال العام، بمعنى آخر أن الجريمة تقع بمجرد تغيير نية الحائز من حيازة ناقصة إلى حيازة كاملة؛ لأن المال يُسلَّم إلى الجاني بحكم وظيفته، وبذلك فإن الجريمة تتحقق دون أن يتوقف ذلك على تحقق ضرر. وهذا ما صرحت به المادة (315) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، حيث نصت على: (يعاقب بالسجن كل موظف أو مكلف بخدمة عامة اختلس أو أخفى مالاً أو متاعاً أو ورقة مثبتة لحق أو غير ذلك مما وجد في حيازته). فعبارة (مما وجد في حيازته) تجعله متهماً، وهذا الاتهام مبني على شك قضائي يكفي لإحالته إلى المحكمة المختصة، إلا إذا ثبت عكس ذلك، وارتفع ذلك الشك الفوري المتولد قبل إجراءات التحقيق.
وهكذا فإن قاعدة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) تتحول في جرائم الخطر إلى (المتهم مدان حتى تثبت براءته). والسياسة الجنائية المعاصرة تسعى إلى تكريس هذا التحول، خصوصاً في جرائم الاعتداء على المال العام؛ بسبب خطورة هذه الجرائم على الاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويتمثل هذا التحول في التوسع في التجريم الوقائي الذي يستند إلى الخطر لا الضرر، ويتم اللجوء إلى التجريم على أساس الخطر في جرائم الفساد المالي والإداري للتغلب على صعوبة إثبات بعض الجرائم، خصوصاً أن اشتراط النتيجة الضارة يصعب المهمة على الجهات التحقيقية. ومن المسوغات أيضاً مشكلة الرابطة السببية في هذه الجرائم وما تثيره من صعوبات، خصوصاً في الدول النامية، حيث تمتد أيدي الجهات السياسية والحزبية في هذه الجرائم من خلال الموظفين التابعين لها. فضلاً عن سرعة ضياع الأدلة في جرائم الفساد المالي والإداري، وهذا يقتضي التحول من البراءة إلى الإدانة في هذه الجرائم.
وهذا التحول ينصب على تغير الافتراض، فبعد أن كانت البراءة مفترضة تحل محلها الإدانة في ذلك الافتراض. ونوع الإدانة المسبقة التي نقصدها ليس الانتقاص من الضمانات الإجرائية التي كفلها الدستور والقانون، فحاشا لقضائنا الموقر، ولأجهزة العدالة الجنائية، أن تفعل ذلك، بل نقصد أسبقية الإدانة. والثوب الجديد لهذه القاعدة ينصب على الأموال التي جرى اختلاسها والتعدي عليها، وينصب على المعلومات التي يمتلكها المتهم المدان، حيث إن وجود الأموال الطائلة بحوزته يعجل من إدانته، ويجرده من أسبقية البراءة، ويجعله مداناً ابتداءً. فعلى الرغم من أن هذه القاعدة ذات طبيعة دستورية، إلا أن الموظف الذي يستغل وظيفته يهدر مبدأ قرينة البراءة، حيث يتخلخل أصل البراءة من خلال استغلال بعض التصرفات كدليل ضده، مثل التضييق من حق الصمت وغيرها. وقد يكون تفسيراً آخر لاضمحلال مبدأ البراءة من خلال سقوط الافتراض بمجرد تقديم الأدلة من قبل جهات إنفاذ القانون، دون بقاء افتراض المبدأ قائماً لحين صدور الحكم القضائي. وقد جرى التكريس التشريعي الفعلي لهذا الأمر في بعض الدول، حيث اعتبر قانون عائدات الجريمة البريطاني لعام 2002 أن تضخم أموال الموظف، وفشله في بيان الكيفية التي اكتسب بها تلك الأموال، يؤدي إلى إهدار مبدأ البراءة. حيث خفف النظام الجنائي في المملكة المتحدة من هذا المبدأ في جرائم الإرهــ ــاب والفساد، وكذلك الأمر في النظام الجنائي للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن أول قانون هدم مبدأ افتراض البراءة في جرائم الفساد هو القانون الهندي لعام 1947.
ونحن نأمل أن يتم وضع تشريع خاص بجرائم الفساد في العراق يتضمن أحكاماً موضوعية وإجرائية تُبنى على مطلقات السياسة الجنائية المعاصرة، أبرزها الحد من مبدأ افتراض البراءة. ونختم حديثنا بأن عبارة (الإدانة تُبنى على الجزم واليقين، والشك يفسر لصالح المتهم) هي مبادئ تحكم الإجراءات الجزائية، وتنصب على التوازن بين المصالح العامة والخاصة، وهي موجودة فعلاً، وليس لها علاقة بوجود مبدأ افتراض البراءة، خصوصاً في مثل جرائم الفساد المالي والإداري، إذ يمكن التخلي عنه مع بقاء الضمانات كافة للمتهم في هذه الجرائم. وهذا التخلي، في حقيقته، توازن بين الافتراضات، حيث يغلب المشرع الجنائي افتراض الركن المادي على افتراض البراءة، وبالتالي يكون المتهم في جرائم الفساد المالي والإداري والسياسي مداناً حتى تثبت براءته.



