الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الحروب الأبدية الجديدة.. كيف تتورط أميركا في صراعات حلفائها؟

بقلم: دافنا هـ. راند
ترجمة وتحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
كما يتضح جلياً من مأزق الولايات المتحدة في إيران فإن إيقاف الحروب غالباً ما يكون أصعب بكثير من إشعالها، فعلى مدى السنوات الثمانين الماضية لم تنتهِ سوى أقل من 20% من الحروب التي رصدها برنامج بيانات النزاعات في أوبسالا والتي بلغ عددها نحو 300 حرب بانتصار واضح لأحد الطرفين، وانتهت نسبة أقل بقليل بتسوية تفاوضية بينما لم تشهد أكثر من 60% منها أي نهاية رسمية، وكلما طال أمد النزاع ازدادت صعوبة التوصل إلى تسوية وفي دراسة أخرى وجدت أن الوساطة نجحت في الحروب التي دارت رحاها بين عامي 1945 و1989 بنسبة 37% عندما بدأت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من القتال بينما لم تتجاوز نسبة نجاحها 19% عندما بدأت المفاوضات بعد مرور عام أو أكثر على اندلاع الحرب.
لم تكن حرب الولايات المتحدة التي استمرت عقدين في أفغانستان وحروبها التي امتدت لأكثر من عقد في العراق استثناءً من ذلك، في أعقاب تلك الصراعات سعت واشنطن جاهدةً لتجنب التورط في ما يُسمى بالحروب التي لا نهاية لها وذلك بتجنب نشر قوات برية، في بعض الحالات يعني هذا أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على القوة الجوية كما هو الحال في إيران وهو نهج ينطوي على تحديات عسكرية خاصة به، لكن في حالات أخرى كثيرة وبدلاً من المشاركة المباشرة تقوم الولايات المتحدة بتجهيز حلفائها المقربين لمواجهة التهديدات المشتركة والخصوم المشتركين، بين عامي 2010 و 2025 ضاعفت واشنطن مساعداتها الأمنية السنوية للحلفاء بأكثر من ثلاثة أضعاف من 15 مليار دولار إلى 46 مليار دولار كما زادت من دعمها الاستخباراتي ومبيعاتها من الأسلحة.
دعمت الولايات المتحدة حروباً عديدة لحلفائها في السنوات الأخيرة ففي عام 2015 بدأت واشنطن تنسيق الدعم الاستخباراتي والعسكري الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثــ ــيين في اليمن، ومنذ عام 2022 دعمت أوكرانيا في دفاعها ضد الغزو الروسي، كما قدمت الولايات المتحدة الدعم “لإسرائيل” ** طوال حرب غزة عقب هجمات حماس في 7 تشرين الأول 2023 وفي الحملات الثلاث زودت واشنطن أو باعت الحصة الأكبر من المعدات العسكرية والدعم الاستخباراتي والتدريب والدعم الدبلوماسي، ومع ذلك أسفرت جهودها عن نتائج متباينة، فقد عزز الدعم الأمريكي بشكل كبير القدرات العسكرية للحلفاء لكن في كل حالة وجدت واشنطن نفسها عاجزة عن التأثير في كيفية خوض هذه الحروب والأهم من ذلك متى وكيف ستنتهي.
غالباً ما يكون دعم المجهود الحربي للحلفاء في مصلحة الولايات المتحدة لكن إذا أرادت واشنطن المشاركة في الصراعات عن بُعد فهي بحاجة إلى استراتيجية أفضل للحفاظ على نفوذها على الأطراف المتحاربة الرئيسية، عليها أن تدخل الحرب برؤية واضحة لأهدافها وكيفية تحقيقها وعليها أن تضمن التزام شركائها بالأهداف نفسها وأن تكون صريحة معهم بشأن مدى الدعم الأمريكي وأن تضع آليات تضمن التزام جيش الشريك بالمعايير الأمريكية في القتال، في نهاية المطاف لن يُحقق استمرار دعم حروب الحلفاء دون استراتيجية مشتركة ودون شروط واضحة للمساعدة المزايا التي تسعى إليها الولايات المتحدة بل سيؤدي فقط إلى مزيد من التوتر مع الحلفاء المقربين ومزيد من الصراعات التي لا تنتهي.
فخ الرافعة المالية
بالتعاون مع زملائي في معهد بروكينغز أمضيتُ العام الماضي في إجراء مقابلات مع أكثر من 30 مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى ومراجعة مئات التصريحات والوثائق العامة واستشارة مسؤولين أجانب وذلك لرسم صورة شاملة لكيفية تعامل واشنطن مع شركائها خلال النزاعات الأخيرة في الخارج وكيف قوبلت تلك الجهود الأمريكية، وقد وجدنا أن الولايات المتحدة تميل إلى مواجهة العديد من المشكلات نفسها عندما تدعم حروب حلفائها، حتى وإن اختلفت تفاصيل كل حالة اختلافاً كبيرا. في بداية أي نزاع تمتلك واشنطن نفوذاً أكبر بكثير في التأثير على قرارات شركائها مقارنةً بما يحدث لاحقاً في الحرب، فعندما يتعرض الحلفاء للهجوم يشعرون بالذهول وانعدام الأمان ويميلون إلى طلب دعم واشنطن لاعتقادهم أنهم سيحتاجون إلى القوة العسكرية الأمريكية لتحقيق النصر، ومع ذلك تفشل الحكومة الأمريكية باستمرار في استغلال نفوذها في المراحل المبكرة، فبحلول الوقت الذي تحاول فيه الضغط على شركائها لتغيير خططهم العملياتية أو تعديل تكتيكاتهم للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين أو حتى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، يكون نفوذها قد تآكل بالفعل. يمكن عزو هذا الفشل جزئياً إلى الضغط السياسي والمعنوي الهائل الذي تشعر به واشنطن لتقديم دعم غير مشروط عندما يتعرض حليف مقرب للهجوم كما حدث مع أوكرانيا عام 2022 أو “إسرائيل” عام 2023، قد يُنظر إلى المطالبة بتنازلات استراتيجية من حليف مُحاصر على أنها خيانة، لكن التردد يؤجل إجراء محادثات حاسمة حول الأهداف والأساليب وحدود المساعدات الأمريكية.

لنأخذ أوكرانيا مثالاً بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب ربطت إدارة بايدن علناً المكاسب الميدانية الأوكرانية في أيار 2022 بهدف تحسين موقف أوكرانيا التفاوضي مع روسيا مُلمحةً إلى أن واشنطن قد تتوقع من كييف بدء مناقشة شروط السلام قبل أن تتمكن من استعادة كامل أراضيها، لكن ليس من الواضح ما إذا كان القادة الأوكرانيون قد فهموا أو قبلوا الاستراتيجية الأمريكية، وكما ذكر أحد المسؤولين الأمريكيين “ليس الأمر أننا لم نُمعن النظر في أهداف المهمة بل فعلنا”، لكن واشنطن “أدركت منذ البداية” أن أهدافها المتمثلة في ضمان بقاء أوكرانيا دولة ذات سيادة قابلة للحياة والحفاظ على وحدة حلف الناتو وتجنب حرب أمريكية روسية “ربما لم تكن هي نفسها أهداف أوكرانيا”، ونتيجةً لذلك شعر المسؤولون الأمريكيون بالتردد في دفع أوكرانيا نحو مفاوضات دبلوماسية لا سيما في ظل تقدم الجيش الأوكراني واستمرار الدعم البرلماني القوي لتقديم المساعدة الأمنية. غابت المحادثات الجادة مع الحلفاء في الأيام الأولى للصراع في قطاع غزة واليمن، لم تطالب الولايات المتحدة في الأسابيع التي تلت السابع من تشرين الاول “إسرائيل” بوضع خطة “اليوم التالي” لإدارة غزة بعد أن يُضعف الجيش “الإسرائيلي” حركــ ــة حمــ ــاس بشكل كافٍ أو حتى الاتفاق على تعريف “إضعاف حمـ ـاس”، لو فعلت ذلك لكان لواشنطن نفوذ أكبر على كيفية إدارة “إسرائيل” للحرب مُصرّةً على السماح لقوات الأمن والقوى السياسية غير التابعة لحماس بالعمل في غزة بعد أن تقضي القوات “الإسرائيلية” على أعداد كبيرة من قادة حماس في مناطق مُحددة، بدلاً من ذلك ومع استمرار الحرب اتسعت الفجوة بين هدف الولايات المتحدة المتمثل في التحضير لإدارة غزة بعد سقوط حمـ ـاس وهدف “إسرائيل” المتمثل في تدمير حمـ ـاس والتحضير لإعادة احتلالها عسكرياً.
وبالمثل في بداية الصراع في اليمن عام 2015 وعدت السعودية والإمارات إدارة أوباما بإنهاء الصراع في غضون ستة أسابيع، ولم يُصرّ المسؤولون الأمريكيون على الاطلاع على خطط شركائهم للتفاوض مع الحوثـ ــيين ولا سيما كيفية تعاملهم مع مطلب الحوثـ ــيين بالانضمام إلى الحكومة اليمنية، أمضت واشنطن معظم السنوات الأولى من الصراع في تكثيف دعمها للتحالف الذي تقوده السعودية بدلاً من السعي إلى مفاوضات تعالج جذور الحرب السياسية وكان الاستثناء الوحيد فترة وجيزة في نهاية ولاية إدارة أوباما لكن في تلك المرحلة جمّدت الأطراف المفاوضات حتى تولّت إدارة ترامب السلطة، كما تمكّنت إدارة بايدن من التوسط في وقف إطلاق نار استمر حتى 7 تشرين الأول 2023 لكن الحرب استؤنفت بعد ذلك والحوثـ ـيون الآن أقوى من أي وقت مضى.
نافذة ضيقة
يتضاءل الدعم الشعبي والسياسي الأمريكي لمساعدة الحلفاء في حروبهم بمرور الوقت، ويعود جزء من هذا التراجع إلى الإرهاق العام من الحروب (والإرهاق من تقديم المساعدات الخارجية) لكن الدعم قد يتراجع بوتيرة أسرع إذا اعتبر الأمريكيون سلوك الحليف في الحرب غير عادل، ففي اليمن على سبيل المثال انهار الدعم البرلماني من الحزبين للتحالف الذي تقوده السعودية في غضون عام من بدء النزاع، وخلال تلك الفترة وبحسب مصدر الإحصاءات تراوح عدد القتلى المدنيين بين 3000 و9000 وتشير معظم التقديرات إلى أن أكثر من 60% من هذه الوفيات – فضلاً عن الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية المدنية كالطرق والمصانع – يُعزى مباشرةً إلى الغارات الجوية التي كان الجيش الأمريكي يدعمها، وبحلول عام 2016 بدأ أعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين يتساءلون علنًا عن سبب دعم الولايات المتحدة لهذه الغارات الجوية، وفي عام 2019 أصدر الكونغرس قرارًا بشأن صلاحيات الحرب يُلزم الرئيس بمنع القوات الأمريكية من تقديم أي نوع من الدعم اللوجستي لحملة القصف بما في ذلك التزود بالوقود جوًا وتبادل المعلومات الاستخباراتية (استخدم الرئيس دونالد ترامب حق النقض ضده ولم يقم الكونجرس بإلغاء حق النقض). في حالة “إسرائيل” بدأ الدعم السياسي والشعبي الأمريكي مرتفعًا للغاية لكنه سرعان ما بدأ بالتراجع الحاد، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في خريف عام 2023 أن 50% من الأمريكيين يؤيدون الحملة العسكرية “الإسرائيلية” بينما يعارضها 45% بل إن بعض استطلاعات الرأي الأخرى رصدت مستويات تأييد أعلى، ومع ذلك سرعان ما أثارت الخسائر في صفوف المدنيين في غزة وتدمير “إسرائيل” للبنية التحتية وتقييدها للمساعدات الإنسانية مخاوف واسعة، لم تتمكن إدارة بايدن إلا من تغيير سلوك “إسرائيل” في مناسبات محدودة وركزت بشكل مكثف على تحسين الأوضاع الإنسانية لا على محاولة الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين جراء العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، فخلال الأسابيع الأولى التي أعقبت هجمات 7 تشرين الاول على سبيل المثال أقنعت “إسرائيل” بالتراجع عن قرارها بقطع المياه والكهرباء والإنترنت عن غزة وفي نيسان 2024 وبعد أن قتلت القوات “الإسرائيلية” عمال إغاثة من منظمة “وورلد سنترال كيتشن” الأمريكية اتصل الرئيس الأمريكي جو بايدن غاضبًا برئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو وحصل على رفع مؤقت للقيود “الإسرائيلية” المفروضة على المساعدات الإنسانية، لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقف تراجع التأييد الأمريكي للحملة “الإسرائيلية” في غزة بحسب استطلاعات غالوب أعرب 55% من الأمريكيين عن عدم موافقتهم على العمليات العسكرية في خريف عام 2024 و60% عن عدم موافقتهم بعد عام.
اتخذ الدعم لأوكرانيا منحىً مختلفًا لم يُطعن قطّ في سلوك الجيش الأوكراني بشكل جدي ويتفق معظم الأمريكيين على أن موسكو هي المعتدية وأن كييف تخوض حربًا عادلة ذات تداعيات جيوسياسية هامة، ومع ذلك أظهر النقاش المطوّل في الكونغرس حول مشروع قانون تمويل إضافي والذي امتد من ايلول 2023 إلى نيسان 2024 كيف يمكن أن يتراجع الدعم، فبعد أن شكّك ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة بحلول آذار 2024 في حجم المساعدات المُرسلة إلى أوكرانيا تذبذب موقف العديد من الجمهوريين في الكونغرس مما فاجأ مسؤولي إدارة بايدن، ولكن كما قال أحد المسؤولين كان “الإرهاق من أوكرانيا” قد بدأ بالفعل في أوساط بعض قطاعات الحزب الجمهوري ولم يكن ترامب سوى مُحفّز له.
في كل صراع يمتلك صناع السياسة الأمريكيون فرصة قصيرة قبل أن يبدأ التأييد الشعبي لدعم حرب خارجية بالتضاؤل، ومع تراجع الدعم الشعبي يصبح من الصعب بشكل متزايد تمرير مشاريع القوانين في الكونغرس التي توفر للحليف مساعدات أمنية أو اقتصادية، ويبدأ الرئيس بمواجهة ضغوط من الناخبين لإظهار دعم أقل للحليف مما يضر بعلاقة واشنطن مع الشريك الذي تسعى لمساعدته والتأثير فيه في آن واحد.
عقولهم الخاصة
من العوامل الأخرى التي تحدّ من نفوذ الولايات المتحدة على مسار حرب حليفها قدرة هذا الحليف على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، فكثيراً ما يلجأ القادة الأجانب الأقوياء إلى علاقاتهم مع الكونغرس والدبلوماسية العامة ووسائل الإعلام لمقاومة مطالب واشنطن، ولنتنياهو تاريخ طويل في استخدام هذه الأساليب وقد فعل ذلك مجدداً خلال حرب غزة، ففي عام 2024 شنّ حملة علاقات عامة لانتقاد بايدن لتأخيره نقل الأسلحة إلى “إسرائيل” مع أن التأخير الوحيد كان يتعلق بشحن قنابل زنة 2000 رطل والتي اعتبرتها إدارة بايدن كبيرة جداً لاستخدامها في منطقة مكتظة بالسكان كغزة. وقد أظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مهارة مماثلة، إذ ضغطت مناشداته المباشرة للكونغرس للحصول على أسلحة محددة على البيت الأبيض للموافقة على عمليات النقل هذه في السنوات الأولى من الحرب كما فعل انتقاده لتأخير إدارة بايدن في تسليم أنظمة أكثر تطوراً، خوفاً من تغذية رواية زيلينسكي بأن واشنطن لم تكن جريئة بما يكفي في دعمها، تردد بعض المسؤولين الأمريكيين في دفع كييف نحو المفاوضات أو ممارسة الضغط عندما اختلف الجيش الأمريكي مع الخطط العملياتية لأوكرانيا.
بسبب ترددها المفرط في التعامل مع حلفائها أضاعت واشنطن في بعض الأحيان فرصاً لتغيير سلوكهم، فعندما واجه مشروع قانون المساعدات الإضافية لأوكرانيا عقبات في أواخر عامي 2023 و2024 كان بإمكان بايدن اغتنام الفرصة للتحدث بصراحة مع زيلينسكي حول حدود الدعم الأمريكي وضرورة استكشاف سبل التفاوض في ظل الدعم الشعبي القوي في الولايات المتحدة، وكان بإمكان إدارة بايدن إرسال المزيد من الخبراء الفنيين وأعضاء السلك الدبلوماسي من المستوى المتوسط إلى “إسرائيل” للتعبير عن قلقها بشأن قواعد الاشتباك “الإسرائيلية” في وقت مبكر من أواخر عام 2023، عندما اتضح أن البلدين لم يتفقا على اختيار “إسرائيل” للأهداف والأسلحة وعلى نهجها في أول هجومين رئيسيين لها في مدينة غزة وخان يونس. بدت الجهود اللاحقة من هذا النوع ناجحة كما حدث عندما أقنع البنتاغون الجيش “الإسرائيلي” باستخدام ضربات محدودة أدت إلى تقليل الأضرار المباشرة التي لحقت بالمدنيين خلال هجوم أيار 2024 على رفح أو عندما أرسل وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان رسالة في تشرين الاول 2024 يصران فيها على أن تخفف “إسرائيل” من معوقاتها أمام إيصال المساعدات الإنسانية، لو استخدمت واشنطن تكتيكات مماثلة في وقت مبكر لربما حققت نجاحًا أكبر في حماية المدنيين وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية، ودفع “إسرائيل” نحو استراتيجيات عملياتية من شأنها الحد من الأضرار التي لحقت بالمدنيين وتكون أكثر فعالية ضد حماس.
الفرص الضائعة
لكن جزءاً من المشكلة يكمن في هيكل الحكومة الأمريكية نفسها، فمع استمرار الصراع يصبح الحفاظ على استراتيجية متماسكة ضمن جهاز بيروقراطي ضخم للأمن القومي أكثر صعوبة، غالبًا ما يكون لدى الرئيس وكبار مستشاريه هدف نهائي محدد في أذهانهم عندما تقرر واشنطن دعم المجهود الحربي لشريك لكن مهمة بناء القدرات العسكرية لهذا الشريك وترجمة الأهداف السياسية السامية إلى استراتيجية دبلوماسية تقع على عاتق بيروقراطيين في مستويات أدنى بكثير من التسلسل القيادي. إذا لم يُمنح هؤلاء الأشخاص اتصالاً مباشراً بالدول الشريكة فلن يتمكنوا من نقل أهداف الولايات المتحدة أو معرفة المزيد عن غايات الشريك من خلال الممارسات اليومية للتدريب وتقديم المشورة، وبالتالي يستطيع حلفاء الولايات المتحدة تلبية طلباتهم للمساعدات العسكرية عن بُعد، متجنبين أشكال التواصل التي من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة نفوذاً على استراتيجياتهم العملياتية وأهدافهم السياسية. خلال الحرب في أوكرانيا على سبيل المثال ركز المسؤولون في القيادة الأوروبية الأمريكية ومجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية بشكل أساسي على تزويد الأوكرانيين بما يحتاجونه لتحقيق النصر في ساحة المعركة، في الوقت نفسه ونظرًا لغياب وجود دبلوماسي وعسكري أمريكي كبير داخل أوكرانيا ظل مسؤولو البنتاغون والبيت الأبيض في بعض الأحيان يجهلون الخطط الاستراتيجية والتكتيكية لكييف، ولم تبدأ الولايات المتحدة نفسها في مناقشة جدية لشروط إنهاء الحرب – وخاصة نطاق الضمانات الأمنية الثنائية التي قد تقدمها واشنطن لأوكرانيا – إلا في عام 2024، ويعود ذلك جزئيًا إلى وجود خلافات حادة داخل الحكومة حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الضغط على أوكرانيا نحو المفاوضات من الأساس. في نهاية المطاف يقع على عاتق صانعي السياسات استخدام الخبرات البيروقراطية والأدوات القانونية المتاحة لهم للضغط على الشركاء الأجانب، خلال الحرب في غزة أبدى خبراء من المستوى المتوسط في القانون الإنساني ومخططون عملياتيون اعتراضات على سلوك “إسرائيل” لكنهم لم يُمنحوا عمومًا إمكانية الوصول إلى الدائرة الضيقة من كبار المسؤولين الأمريكيين الذين اتخذوا قرارات حساسة بشأن السياسة تجاه “إسرائيل”، لم يستغل صناع القرار الرئيسيون الخبرة الواسعة في وزارة الدفاع بشكل كافٍ لتوجيه الجيش “الإسرائيلي” حول كيفية تحقيق مكاسب ضد حماس مع تقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين في البيئات الحضرية المكتظة في غزة. ولم تُفعّل إدارة بايدن قوانين ليهي وهي قوانين تمنع الولايات المتحدة من مساعدة وحدات الأمن الأجنبية التي تنتهك حقوق الإنسان أو المادة 620 من قانون المساعدة الخارجية، التي تحظر تقديم المساعدة الأمنية لشريك يعرقل وصول المساعدات الإنسانية الأمريكية للضغط على “إسرائيل”، وبالتالي تركت الإدارة بعض الأدوات التي كان من الممكن أن تساعدها في إجبار شريكها على التصرف بشكل مختلف في القتال.
ربما يكون تقاعس واشنطن عن استخدام جميع أدواتها المتاحة قد أدى إلى ضياع فرص السلام، ففي عام 2024 على سبيل المثال فوّضت إدارة بايدن مهمة إقناع حماس بالموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن إلى حلفائها العرب بدلاً من الضغط على الحركة نفسها، كما تجنّبت إلى حد كبير توجيه انتقادات علنية للحكومة “الإسرائيلية” عندما رفض شريكها الاتفاق نفسه لاعتقادها بأن أي توبيخ أمريكي سيزيد من تصلب موقف حماس ويجعل التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف أكثر صعوبة، وظل نتنياهو وقيادة حماس متشبثين بموقفهم واستمرت الحرب حتى عام 2025، ما كان ينبغي للولايات المتحدة أن تشعر بالحاجة للاختيار بين الضغط على حليفها لإنهاء الحرب والضغط عليه لتحسين سلوكه خلالها فكلاهما مهم ويمكن القيام به في آن واحد. مارست إدارة ترامب ضغوطًا إضافية على “إسرائيل” للموافقة على وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025 ما أنهى العمليات القتالية الرئيسية، إلا أن تقاعسها في وقت سابق من ذلك العام عن مواصلة الضغط على “إسرائيل” للسماح بوصول عمال الإغاثة والإمدادات الإنسانية أدى إلى ظروف شبه مجاعة في أجزاء من غزة كما أن تقاعسها الأخير عن الضغط على “إسرائيل” لوضع خطة عملية لما بعد الحرب مكّن “إسرائيل” من احتلال ما يصل إلى 70% من غزة دون إحراز أي تقدم ملموس نحو اتفاق سياسي مستقر، ومرة أخرى أدى عدم ممارسة الضغط إلى فقدان الولايات المتحدة السيطرة. في أوكرانيا ربما تكون واشنطن قد تأخرت كثيرًا في وضع استراتيجية لإنهاء الحرب، ففي البداية انصبّ تركيز العديد من المسؤولين الأمريكيين على ضمان ألا تؤدي شحنات الأسلحة إلى كييف إلى تصعيد نووي ما جعلهم يغفلون عن ضرورة وضع أوكرانيا في موقف تفاوضي قوي، في المقابل تردد آخرون في الضغط على أوكرانيا لإبرام اتفاق لعدم يقينهم من قدرتهم على تقييم قدرات البلاد العسكرية بدقة بعد أن قللوا من شأن قدرتها على صد جيش روسي أكبر حجمًا وأكثر قوة في الأسابيع الأولى من الحرب، لكن يعتقد بعض المسؤولين أن كييف كان بإمكانها التفاوض على اتفاق سلام في منتصف عام 2022 لو أن واشنطن ضغطت على حليفتها بقوة أكبر للانخراط في المفاوضات بعد نجاح هجوميها المضادين في خيرسون وخاركيف. كانت الظروف مواتية لاتخاذ إجراء حاسم فالكونغرس لا يزال يدعم أوكرانيا بقوة وأوروبا والولايات المتحدة تتشاركان التزامًا قويًا بالمجهود الحربي ووحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قد يُثبت النجاح العسكري الأوكراني الأخير اليوم أن السعي لتحقيق النصر في ساحة المعركة مهما طال الزمن كان الاستراتيجية الصحيحة لكن من المرجح أن يكون لواشنطن نفوذ أقل على أي مفاوضات مما كان عليه قبل أربع سنوات، فقد تراجعت مكانة الولايات المتحدة لدى حلفائها الأوروبيين بشكل كبير منذ عودة ترامب إلى منصبه ولن يرغب الكثير منهم في أن تملي واشنطن، بدعمها المشكوك فيه لحلف الناتو والأمن الأوروبي شروط السلام.
العودة إلى اللعبة
إذا أرادت واشنطن أن يكون لها دور في كيفية ووقت حسم حروب حلفائها فعليها إيجاد سبل للعمل معهم بشكل أكثر فعالية أثناء خوضهم المعارك، والدرس الأهم هو في الوقت نفسه أبسط الدروس وأصعبها: يجب على صانعي السياسة الأمريكيين استخدام نفوذهم في بداية أي نزاع بدلاً من انتظار فرصة قد لا تأتي أبدًا، ينبغي عليهم مطالبة الشريك بالموافقة على خطة استراتيجية مشتركة كشرط للدعم الأمريكي مهما كانت صعوبة التوصل إلى توافق في الآراء بشأن أهداف الحرب وخطط ما بعد الحرب ومعايير النجاح، ولإضفاء الطابع الرسمي على هذه الخطة المشتركة اقترح أحد المسؤولين الأمريكيين الذين أجرينا معهم مقابلة مطالبة الحلفاء بتوقيع اتفاقية مكتوبة تُراجع كل ثلاثة إلى ستة أشهر تحدد شروط الدعم الأمريكي والالتزامات المتبادلة بين الطرفين. من أهم عوامل النجاح الأخرى ربط المساعدات الأمنية الأمريكية بالتزام الشريك بقوانين النزاعات المسلحة، فعندما تدرك الولايات المتحدة أنها ستُبدي على الأرجح مخاوف بشأن سلوك شريكها – كما هو الحال في الحروب التي تشمل قتالاً في المدن أو عندما يقاتل الشريك جماعة غير حكومية مثل حماس أو الحوثيين التي تنتهك بدورها قوانين الحرب – ينبغي على واشنطن إنشاء آليات في أقرب وقت ممكن للفصل في الانتهاكات المحتملة للشروط التي تحددها، يجب أن تكون لجنة مراجعة دائمة مؤلفة من محامين وخبراء عسكريين بمنأى عن الضغوط السياسية وأن تُمنح صلاحية الموافقة على المساعدات الأمنية أو رفضها بناءً على معايير واضحة بما في ذلك استيفاء الشريك للمعايير الأمريكية للمساءلة العسكرية وإمكانية الوصول الإنساني كما هو منصوص عليه في قانون ليهي وقانون المساعدات الخارجية، وينبغي إبلاغ الشركاء الأمريكيين بهذه التوقعات مع بداية الحرب. يتعين على الولايات المتحدة أيضاً التفاوض مع الخصوم الذين يحاربهم شركاؤها، هذا ليس خيانة للحلفاء الأمريكيين بل هو جزء أساسي من إمكانية التوصل إلى تسوية، نادراً ما يتمكن شركاء الولايات المتحدة من إنهاء أي نزاع بشكل منفرد، إن ميل واشنطن إلى التركيز على التأثير في قرارات شركائها مع تفويض مهمة التعامل مع الخصم إلى وسطاء – مثل قطر في حالة حماس – يضمن افتقار القادة الأمريكيين إلى رؤية واضحة لما يتطلبه التفاوض بنجاح لإنهاء الحرب.
وأخيرًا من الضروري أن تُقلل الولايات المتحدة من حدة الصراع والارتباك بين فروع حكومتها ووزاراتها ووكالاتها، فعندما يتلقى الشركاء إشارات متضاربة من مسؤولين أمريكيين مختلفين يسهل عليهم استغلال تضارب المصالح بين الوكالات الأمريكية، ويتعلمون انتقاء الرسالة التي تُناسبهم وتجاهل الرسائل التي لا تُرضيهم، لذا ينبغي على جميع مستويات الحكومة الأمريكية التواصل واتباع استراتيجية متماسكة واحدة بدءًا من الرئيس وصولًا إلى جميع المستويات الإدارية. من المرجح أن تظل الولايات المتحدة في المستقبل المنظور منخرطة بشكل كبير في صراعات حلفائها، قد يقاوم بعض الشركاء توجيهات الولايات المتحدة بشأن كيفية ووقت شن الحرب وكيفية الالتزام بقوانين النزاعات المسلحة وما هي النتائج السياسية التي تخدم أمنهم وأمن واشنطن على أفضل وجه، في المقابل وبعد أن شهد آخرون التوترات التي نشأت بين واشنطن وحلفائها في السنوات الأخيرة فإنهم يحذون حذو “إسرائيل” وأوكرانيا في بناء قواعدهم الصناعية الدفاعية الخاصة لتقليل اعتمادهم على المساعدة الأمريكية. ومع ذلك في نهاية المطاف عندما يواجه حلفاء الولايات المتحدة احتمال الحرب سيلجأ الكثير منهم إلى الولايات المتحدة للحصول على المعدات العسكرية من الدرجة الأولى والدعم الأمني والاستخباراتي والدبلوماسي الذي لا يستطيع أي شريك آخر تقديمه، وسيكون على واشنطن أن تضمن عندما تقرر دعم شريك في الحرب أن تفعل ذلك بفهم واضح لما تملكه الولايات المتحدة من نفوذ وكيف يمكنها استخدام هذا النفوذ على النحو الأمثل لإبقاء شريكها على المسار الذي يؤدي إلى إنهاء الحرب، بأفضل الشروط الممكنة.




