الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الناتو أمام انقسام استراتيجي

رؤيتان متنافستان لمارك كارني ومارك روته ترسمان ملامح مستقبل التحالف عبر الأطلسي

بقلم: إيما أشفورد

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

حظيت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة التي عُقدت في أنقرة بتركيا بإشادة واسعة بوصفها نجاحًا لافتًا، فمن جهة تمكن القادة الأوروبيون من تجنب صدام مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر الحرص على تقديم ما يرضيه والمتمثل في إظهار أدلة ملموسة على الزيادة الكبيرة في إنفاقهم العسكري، وفي المقابل اقترب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحقيق هدفه المتمثل في رفع العقوبات الأمريكية التي قد تتيح لتركيا أخيرًا شراء مقاتلات F-35.

كما برز البيان الختامي المشترك وهو وثيقة طالما شكلت مصدرًا للخلاف خلال فترة رئاسة ترامب، صحيح أن بيان أنقرة جاء تقليديًا ومتحفظًا إلى حد كبير إلا أنه تضمن جميع العبارات المألوفة والمصطلحات المتعارف عليها داخل الحلف، بدءًا من تأكيد الحلفاء “التزامهم الراسخ بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن” وصولًا إلى تأكيدهم اعتماد نهج شامل بزاوية 360 درجة في مجالي الردع والدفاع. ولم يغادر القادة القمة من دون هدية تذكارية إذ قدّم أردوغان لكل منهم مسدسًا محفورًا عليه اسمه ومحشوًا بالذخيرة، في خطوة قد تُعد لفتة رمزية مدروسة أو كابوسًا بيروقراطيًا تبعًا للقوانين السارية في الدولة التي ينتمي إليها كل قائد، وحتى الاستئناف المفاجئ للغارات الجوية على إيران أثناء انعقاد القمة لم يؤدِّ إلى تعطيل مجريات أعمالها، حتى هذه اللحظة يبدو كل شيء على ما يرام.

ومع ذلك يلفت الانتباه أن قادة الناتو رغم التزامهم بعقد اجتماعات مستقبلية لم يحددوا موعدًا للقمة المقبلة في الصيف القادم، ويعكس ذلك قناعة متزايدة داخل الحلف بأن قمم الناتو في عهد ترامب لم تعد تمثل أكثر من مناسبات مرشحة للتوتر والانفجارات السياسية من جانب الرئيس الأمريكي، فضلًا عن كونها تعيق سير العمل المؤسسي المنتظم داخل الحلف.

ورغم الأجواء الإيجابية وفرص التقاط الصور التي رافقت القمة، فقد كشفت أيضًا أنه وعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة في تقاسم الأعباء ولا سيما فيما يتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن الدول الأعضاء الأخرى في الناتو ما تزال منقسمة حول سؤال جوهري:

 

ما الغاية التي تسعى إلى تحقيقها من وراء كل هذا الإنفاق العسكري الإضافي؟

 

ويجسد الماركان طرفي هذا الخلاف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ورغم أن الفارق بين الرجلين يبدو للوهلة الأولى مقتصرًا على الأسلوب والخطاب إذ يُبدي كارني استعدادًا لمواجهة ترامب علنًا، في حين أصبحت مجاملة روته المفرطة للرئيس الأمريكي موضع سخرية فإن الحقيقة هي أنهما يقدمان رؤيتين مختلفتين جذريًا بشأن مستقبل التحالف عبر الأطلسي، وهو ما وصفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنه يمثل “قطبي نقاش مستمر منذ سنوات وصل الآن إلى نقطة الغليان في أوروبا”.

يتصدر مارك روته هذا التوجه، فمنذ توليه منصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) اكتسب لقب “هامس ترامب”، في إشارة إلى قدرته على استمالة الرئيس الأمريكي والتعامل معه بمهارة بما قد يسهم في الحيلولة دون انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، ويستند روته في هذا المسعى إلى ورقة الإنفاق الدفاعي وهي ورقة يمتلك فيها خلافًا لسابقيه في المنصب، حصيلة ملموسة يمكن الاستناد إليها. فمنذ تسلمه منصبه تعهدت كندا والدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي بما يصل إلى 1.2 تريليون دولار، وتعتزم ألمانيا وحدها تخصيص نحو 125 مليار دولار للدفاع في عام 2027 فيما تستهدف بولندا رفع إنفاقها العسكري إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، كما بدأت الدول الأوروبية تتعامل بجدية أكبر مع مسألة بناء قدراتها العسكرية الذاتية وإن كانت لا تزال تختلف بشأن سياسات المشتريات الدفاعية وأولويات الموازنات وحماية الصناعات العسكرية الوطنية. غير أن روته شدد في أكثر من مناسبة على أن هذه الزيادة في الإنفاق لا تستهدف إحلال القدرات الأوروبية محل القدرات الأمريكية وإنما تهدف إلى ضمان استمرار الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا في المستقبل، ويندرج ضمن هذا التوجه تبني سياسة (اشترِ المنتجات الأمريكية) بدلًا من إعطاء الأولوية لتطوير قاعدة صناعية دفاعية أوروبية مستقلة، فعلى مدى سنوات ساد اعتقاد لدى العديد من القادة الأوروبيين بأن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تدفع الولايات المتحدة إلى تقليص التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا، أما روته فقد طرح رؤية معاكسة مفادها أن تعزيز الإنفاق العسكري يمثل رسالة ثقة وشراكة إلى واشنطن ويُعد وسيلة لإقناع الرئيس الأمريكي بالإبقاء على القوات الأمريكية المنتشرة في القارة الأوروبية.

 

 

في المقابل برز مارك كارني باعتباره أحد أبرز منتقدي ترامب وهو موقف لا يثير كثيرًا من الدهشة، فقد أسهمت انتقادات ترامب المتكررة لكندا وتهديداته المتواصلة بفرض رسوم جمركية عليها بل وحتى تلميحاته غير المبررة بشأن غزو الجار الشمالي للولايات المتحدة في تعزيز فرص كارني الانتخابية، ومع ذلك ورغم المكاسب السياسية التي قد يجنيها من مهاجمة الرئيس الأمريكي فإن مواقفه اتسمت بطابع استراتيجي يتجاوز حدود الاعتبارات السياسية الآنية. وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مطلع هذا العام فاجأ كارني المشاركين بتأكيده أن القوى المتوسطة مثل كندا وشركائها الأوروبيين مطالبة بإعادة تعريف دورها في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية إذا أرادت تجنب التحول إلى ضحية لتنافس القوى الكبرى، وقد حظي هذا الخطاب باهتمام واسع لأنه ألمح وإن بصورة غير مباشرة إلى أن الولايات المتحدة والصين قد تمثلان نموذجًا لهذه القوى الكبرى ذات النزعة الافتراسية، وأعقب كارني ذلك بزيارة إلى بكين في خطوة هدفت إلى تأكيد رسالته الأساسية ومفادها أن حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة وجيرانها مثل كندا أصبحوا مطالبين بتبني سياسة التحوط الاستراتيجي.

وفي قمة أنقرة واصل كارني حشد تأييد القوى المتوسطة داخل الناتو داعيًا إياها إلى تعزيز تماسكها في مواجهة الولايات المتحدة التي قال” إنها تعيد تقييم أولوياتها“، وعلى خلاف روته يرى كارني أن الدول الأعضاء في الحلف باستثناء الولايات المتحدة ينبغي أن تعمل على تطوير قدرات دفاعية مستقلة، ليس فقط تحسبًا لاحتمال تراجع الالتزام العسكري الأمريكي وإنما أيضًا للحد من الاعتماد المفرط على واشنطن وتقليص مستوى التعرض لتقلبات السياسة الأمريكية التي أصبحت أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ. ولم يكن اختيار أنقرة لطرح هذا التصور أمرًا عابرًا، فلو تبنت الدول الأوروبية أو كندا هذا النهج فقد تقترب سياساتها تدريجيًا من النموذج التركي إذ ظلت تركيا رغم كونها عضوًا محوريًا في حلف الناتو تتعامل مع التزاماتها داخل الحلف بمنطق يخضع في المقام الأول لمصالحها الوطنية، فمنذ الحرب على الإرهاب مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية دعمت أنقرة الحلف عندما انسجم ذلك مع مصالحها وأولوياتها الاستراتيجية، لكنها لم تتردد في انتهاج سياسات مستقلة عندما اقتضت مصالحها ذلك. وتشير مخرجات قمة أنقرة إلى أن الدول الأوروبية رغم توافقها المتزايد على ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات العسكرية لا تزال منقسمة بشأن الغاية النهائية من هذا التحول، فقد تبنى قادة وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرؤية التي يدافع عنها كارني منذ سنوات، بل إن فرنسا كانت سباقة إلى طرح مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية عن الولايات المتحدة في مرحلة كانت فيها هذه الفكرة تُعد خروجًا على الثوابت السائدة في السياسات الأوروبية، وفي المقابل حظي روته بدعم عدد من القادة من بينهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي يبدو أن خليفته المحتمل لن يبتعد كثيرًا عن هذا النهج.

وتحمل هذه الرؤيتان المتنافستان انعكاسات استراتيجية بعيدة المدى إذ تؤثران بصورة مباشرة في طبيعة الاستثمارات الدفاعية التي ينبغي للدول الأوروبية توجيه مواردها إليها خلال المرحلة المقبلة، فهل يكفي رفع مستويات الإنفاق العسكري؟ أم أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لتطوير قدرات نوعية ومستقلة بوتيرة متسارعة؟ وفي الوقت الراهن لا يحظى أي من الطرحين المتطرفين بقبول واسع فلا الدعوات إلى فك الارتباط الكامل مع الولايات المتحدة تبدو واقعية ولا العودة إلى نموذج ما قبل ترامب تحظى بإجماع، بما في ذلك مقترح وزارة الدفاع الأمريكية بشأن (الناتو 3.0) الذي يدعو إلى الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. ومع ذلك وسواء رجحت كفة رؤية كارني أو رؤية روته، فإن قادة الناتو خرجوا من قمة أنقرة بقدر من الارتياح بعدما مرت أعمالها من دون مواجهة جديدة مع ترامب، غير أن ذلك لا يغيّر حقيقة أن التحديات البنيوية التي تواجه الحلف أعقد بكثير من أن تُحل بالمجاملات الدبلوماسية أو بالصور التذكارية الجماعية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى