الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

مسار العلاقات السودانية العراقية عبر نصف قرن

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر / السودان

 

 

تأسست العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين جمهورية السودان وجمهورية العراق في الخامس من أيلول عام 1957، عقب نيل السودان استقلاله السياسي عام 1956، وجاء هذا التأسيس في ذروة حراك قومي عربي سعى إلى تمتين الروابط البينية ضمن إطار جامعة الدول العربية. ولم تكن هذه الروابط وليدة مصالح سياسية عابرة، بل استندت إلى إرث ثقافي وديني ولغوي مشترك، يتقاسم فيه البلدان الهوية العربية والإسلامية، بالرغم من تباين التركيبة المذهبية والسكانية لكل منهما. وشهدت العقود الأولى (1958 – 1972) تفاعلاً فكرياً وأكاديمياً وثيقاً بين النخب السياسية والثقافية في الخرطوم وبغداد. فقد وفّر المناخ التحرري السائد في تلك الحقبة مساحات للحوار المعمق حول قضايا التنمية المشتركة وبناء الدولة الحديثة والتحرر من ربقة الاستعمار التقليدي. هذه الركائز المعرفية والاجتماعية أسست لشبكة علاقات عابرة للحكومات الرسمية، وتجلت في حركية التبادل الثقافي المبكر وإرسال البعثات التعليمية، مما جعل من البعد الإنساني المحرك الأساسي لاستمرارية العلاقات حتى في أحلك الظروف السياسية والأمنية التي مر بها البلدان لاحقاً.

مع تولي صدام حسين قيادة الدولة العراقية عام 1979، دخلت العلاقات السودانية العراقية مرحلة بالغة الحيوية والتعقيد، حيث تداخلت فيها المصالح الحزبية الضيقة مع استراتيجيات حماية بقاء النظم السياسية. وتمثلت واحدة من أعقد المحطات الأمنية والدبلوماسية في عملية اغتيال المعارض ورجل الدين الشيعي العراقي البارز، السيد محمد مهدي الحكيم (نجل المرجع محسن الحكيم وأحد أبرز مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية)، في السابع عشر من كانون الثاني عام 1988 في بهو فندق هيلتون الخرطوم. كان الحكيم يزور السودان بدعوة للمشاركة في المؤتمر الثاني للجبهة الإسلامية القومية. ونُفذت العملية بواسطة عناصر تابعة للأجهزة الأمنية العراقية باستخدام سيارة ذات لوحات دبلوماسية تابعة للسفارة العراقية بالخرطوم للفرار. وأحدثت هذه الحادثة صدمة أمنية كبرى في الأوساط السياسية السودانية، وعقدت مسارات السياسة الخارجية للحكومة السودانية الديمقراطية آنذاك، متسببة في توتر حاد مع طهران والمعارضة العراقية في الخارج. ومع ذلك، كشفت طريقة إدارة الأزمة عن تغليب البراغماتية السياسية لاحقاً على حساب التداعيات القانونية والأمنية للحادثة.

شهدت السياسة الخارجية السودانية انعطافاً جذرياً عقب صعود الحكم العسكري الثالث في السودان بقيادة عمر البشير عبر انقلاب حزيران 1989. وتكشف البرقية رقم (020/10) الصادرة عن السفارة البريطانية في الخرطوم بتاريخ 28 آب 1989 عن تحرك الخرطوم السريع لإعادة تموضعها الإقليمي عبر التقرب من بغداد كبديل لشراكتها مع طهران. وبالرغم من التباين الأيديولوجي الشاسع بين التوجه الإسلامي الحاكم في السودان والتوجه البعثي العَلماني في العراق، فإن حاجة النظامين لتخفيف العزلة الدولية فرضت صياغة تحالف مصلحي وثيق. وقد انعكس هذا التقارب في دعم عسكري ولوجستي عراقي مباشر للجيش السوداني في مواجهة التمرد بجنوب السودان. وتبرز الذاكرة السياسية موقفاً تجسدت فيه هذه العلاقة، فخلال معارك استعادة مدينة الكرمك الاستراتيجية، تواصل وفد سوداني مع صدام حسين طالباً العون، فكان رده الحاسم: “البصرة والكرمك سيّان”. ووصل الدعم العسكري العراقي المتمثل في راجمات الصواريخ الثقيلة إلى الخرطوم قبل عودة الوفد السوداني، مما أسهم بشكل حاسم في تغيير موازين القوى الميدانية واستعادة المدينة.

 

في المقابل، أبدت بغداد التزاماً بفصل العلاقات الدبلوماسية مع الدول عن صراعاتها الحزبية الداخلية. فعندما زار نائب الرئيس السوداني اللواء عمر محمد الطيب بغداد، واشتكى من قيام البعــ ــثيين السودانيين بأنشطة تهدف لإسقاط النظام بالرغم من وقوف السودان مع العراق في حربه ضد إيران، رد صدام حسين متسائلاً عن جنسيتهم، فلما علم أنهم سودانيون، أجاب بحزم: وهل سألتك عن البعــ ــثيين الذين تعتقلونهم وتعذبونهم؟”. وبذلك رفض العراق التدخل في الشأن الداخلي السوداني مفضلاً الحفاظ على علاقة الدولة بالدولة. ولم تتأثر هذه العلاقات حتى بعد إقدام نظام البشير في نيسان 1990 على إعدام 28 ضابطاً سودانياً بتهمة قيادة محاولة انقلابية (حركة 28 رمضان)، بالرغم من أن عدداً من هؤلاء الضباط كانوا يحملون توجهات قومية وبعــ ــثية. وعقب حرب الخليج الثانية عام 1990، تبنى السودان موقفاً داعماً للعراق، مما عرضه لعزلة إقليمية خانقة. وخلال فترة العقوبات الدولية اللاحقة، تحولت الخرطوم إلى مركز لوجستي واستخباراتي رئيسي للشبكات العراقية في القارة الإفريقية. وقبيل الغزو الأمريكي للعراق بأشهر قليلة، سعى البلدان إلى تقنين علاقاتهما وتأمينها قانونياً، حيث أثمر ذلك عن تصديق بغداد للقانون رقم (48) لسنة 2002 المنشئ للجنة العليا المشتركة بين جمهورية العراق وجمهورية السودان، والقانون رقم (49) لسنة 2002 الخاص باتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والفني والثقافي المشترك.

أدى غزو العراق عام 2003 وإسقاط نظام البــ ــعث إلى انهيار كامل للبنية المؤسسية للدولة العراقية بالاخص الامنية والدبلوماسية منها، مما انعكس سلباً على قنوات التواصل الدبلوماسي والتعاون المشترك. ودخلت العلاقات الثنائية مرحلة غير مسبوقة من الشلل والتراجع نتيجة الهشاشة الأمنية التي شهدتها الساحة العراقية في السنوات الاولى وتصاعد عمليات استهداف البعثات الدبلوماسية الأجنبية من قبل الجماعات الارهــ ــابية. ووصلت الهشاشة الأمنية إلى ذروتها في الثالث والعشرين من كانون الأول 2005، عندما أقدمت جماعة مسلحة في بغداد على اختطاف ستة مواطنين سودانيين مدنيين ودبلوماسيين، وكان من بين المختطفين السكرتير الثاني للسفارة السودانية بجمهورية العراق، عبد المنعم محمد توم، وثلاثة من الموظفين الإداريين بالبعثة. هددت المجموعة الخاطفة بتصفية الرهائن ما لم تقرر الخرطوم سحب بعثتها الدبلوماسية بالكامل وقطع صلتها بالحكومة العراقية الانتقالية. ولتأمين سلامة الرهائن وتجنب تصفيتهم الجسدية، اتخذت وزارة الخارجية السودانية قراراً اضطرارياً بإغلاق سفارتها في بغداد بالكامل في الخامس من كانون الثاني 2006 وتجميد تمثيلها الدبلوماسي المباشر، ليعود الرهائن بعد إطلاق سراحهم إلى الخرطوم. مثل هذا الحادث علامة فارقة في انقطاع قنوات التنسيق الحكومي المباشر، وتراجع دور السودان الدبلوماسي في دعم عمليات الوفاق الوطني العراقي التي كانت ترعاها جامعة الدول العربية.

رغم وطأة الأزمات الأمنية، فرضت الجغرافيا السياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة محاولات دؤوبة لإعادة إحياء التعاون الثنائي. وفي ايلول 2013، بدأت خطوات جادة لكسر الجمود الدبلوماسي بزيارة وفد سوداني رفيع لبغداد، حيث عقد وزير التخطيط العراقي، علي الشكري، مباحثات رسمية مع السفير السوداني لدى العراق، جرى خلالها الاتفاق على تذليل العقبات أمام الشركات الاستثمارية السودانية للدخول إلى السوق العراقية لرفع معدلات التبادل التجاري الضعيفة. ويقوم التكامل الاقتصادي بين البلدين على توازن المزايا النسبية، حيث يسعى العراق إلى الاستثمار في الأراضي الزراعية الشاسعة والثروة الحيوانية الضخمة بالسودان لتأمين احتياجات أمنه الغذائي. وفي المقابل، يمتلك العراق خبرات متراكمة في مجالات استخراج وتكرير النفط والغاز، ويمثل شريكاً واعداً لمد السودان باحتياجاته من المشتقات النفطية والتدريب الفني المتخصص. إلا أن تنفيذ هذه الطموحات واجه تحديات مستمرة تمثلت في غياب الاستقرار السياسي والمؤسسي والمصرفي في كلا البلدين.

 

 

تعرضت آفاق التعاون الاقتصادي لانتكاسة جديدة مع اندلاع حرب السودان في الخامس عشر من نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومليشيا الدعم السريع. تسببت هذه الحرب على السودان في تدمير البنية التحتية، ونزوح الملايين، وإصابة القطاع الإنتاجي والتصديري بالشلل. وتظهر المؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن بنك السودان المركزي والجهات الدولية المختصة الفجوة الهيكلية الهائلة والتحديات التجارية المتبادلة بين البلدين. وفيما يتفوق الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للعراق بنحو 268.88 مليار دولار أمريكي مقارنة بـ 117.49 مليار دولار للسودان، فإن هذا التباين يتيح لبغداد لعب دور المستثمر في قطاع الزراعة السوداني. ومع ذلك، فإن العجز المتفاقم في الميزان التجاري السوداني والانهيار الحاد في صادرات المحاصيل نتيجة الحرب الحالية يعطل سلاسل الإمداد ويجهض فرص التصدير الزراعي، رغم ما يتيحه الذهب السوداني والنفط العراقي من فرص للمقايضة والتمويل المشترك.

يمثل التعاون التعليمي والثقافي العمود الفقري الذي حافظ على تماسك العلاقات السودانية العراقية واستمراريتها رغم انقطاع التمثيل الدبلوماسي الرسمي لسنوات طويلة. فقد أسهم آلاف الخريجين السودانيين من الجامعات العراقية في مجالات الطب والهندسة والعلوم الإنسانية في خلق رابطة مجتمعية وثقافية غير قابلة للكسر. وفي إطار سعي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية لاستعادة الريادة الأكاديمية للعراق وجذب الكفاءات العربية، أطلقت الحكومة العراقية مبادرة “ادرس في العراق (Study in Iraq)” للعام الدراسي 2025-2026. توفر هذه المبادرة فرصاً دراسية متميزة للطلاب السودانيين عبر مسارات متعددة تلبي الاحتياجات الأكاديمية المتنوعة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع التعليم في السودان جراء الحرب. وتتنوع هذه المسارات بين منح مجانية بالكامل للدراسات العليا بشروط معدل محددة ومزايا تشمل الإعفاء من الأجور وتوفير السكن والضمان الصحي، ومنح نصف مجانية للدراسة الأولية والعليا، وقنوات قبول على النفقة الخاصة تتيح القبول المباشر بالجامعات الحكومية والأهلية. تسهم هذه البنية التعليمية الممنهجة في رفد المجتمع السوداني بكفاءات علمية مدربة قادرة على إدارة مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، وتؤكد على محورية القوة الناعمة العراقية كأداة لبناء الجسور الدبلوماسية المستدامة التي تعوض فترات الجمود السياسي الرسمي.

 

 

رغم المقومات الكبيرة والفرص الواعدة، فإن تعميق العلاقات السودانية العراقية يواجه حزمة من التحديات الهيكلية والسياسية والأمنية، إذ يمثل الصراع الدائر في السودان منذ عام 2023 شللاً كبيراً للقدرة التخطيطية والاتصالية لمؤسسات الدولة السودانية، مما يجمد تفعيل الاتفاقيات المشتركة، كما أن تحديات الاستقرار الأمني ومكافحة الإرهــ ــاب في العراق تمثل تحدياً مستمراً يوجه أولويات بغداد نحو شؤونها السيادية الداخلية. وعلاوة على ذلك، يبرز غياب شبكات النقل والخدمات اللوجستية المباشرة، فلا توجد خطوط نقل بحري أو جوي مباشرة ومستدامة تربط البلدين، مما يرفع تكاليف شحن السلع والمنتجات الزراعية والحيوانية، ويجعل التبادل التجاري غير منافس مقارنة بالدول المجاورة. كما تعاني البيئة الاستثمارية في كلا البلدين من ضعف وتذبذب حجم الاستثمارات البينية جراء المخاطر السيادية المرتفعة وغياب التشريعات الجمركية والمصرفية المرنة، فضلاً عن تأثير الاستقطاب والتحولات الإقليمية للحكومة السودانية في تحديد بوصلة العلاقات الخارجية وتأخير القرارات الاستراتيجية للتقارب الثنائي الفعال.

تتوقف مسارات تطور العلاقات السودانية العراقية مستقبلاً على طبيعة التحولات السياسية والأمنية الجارية ضمن سيناريوهات واضحة، يتصدرها تفعيل محور الأمن الغذائي والطاقة المتبادل، ففي حال نجاح السودان في إنهاء الحرب الدائرة وتحقيق الاستقرار المؤسسي في القريب، فإن تفعيل اتفاقية اللجنة العليا المشتركة لعام 2002 سيمهد الطريق لبناء شراكة استراتيجية كبرى، يتمكن العراق بموجبها من استثمار مساحات زراعية شاسعة في السودان لتغطية العجز الغذائي المحلي، مقابل تزويد السودان بالنفط الخام وتقديم الدعم الفني اللازم لقطاع الطاقة وصناعة الغاز والنفط السودانية. كما يُتوقع أن يستمر قطاع التعليم العالي والبحث العلمي كقاطرة رئيسية لتمتين العلاقات من خلال مأسسة الدبلوماسية الأكاديمية والصحية، وتوسيع مجالات مبادرة “ادرس في العراق” وتوقيع اتفاقيات توأمة وتنشيط برامج التدريب الطبي. ويفتح رصيد المعاناة المشتركة الناتجة عن الحروب والدمار آفاقاً واسعة للتعاون وتبادل الخبرات بين القطاعين العام والخاص في مجالات التخطيط العمراني، وتوطين الصناعات، وبناء القدرات الأمنية والإدارية لمؤسسات الدولة. إن هذا التحول التاريخي والوجداني يمثل رصيداً استراتيجياً متيناً، فبالرغم من الهزات الأمنية والسياسية العنيفة واغلاق السفارات القسري في فترات صعبة، ظلت الروابط الشعبية والثقافية حية وفاعلة، ومن ثم، فإن إعادة تنشيط الشراكة وتجاوز إرث الماضي يتطلبان من صانعي القرار في الخرطوم وبغداد صياغة استراتيجية واقعية ومستدامة، قادرة على تحويل الفرص الكامنة والاتفاقيات القديمة الموقعة في ملف “العلاقات السودانية العراقية” إلى واقع اقتصادي وسياسي ملموس يسهم في تحقيق الازدهار والاستقرار لكلا الشعبين الشقيقين.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى