الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
العودة إلى وستفاليا الأطلسية
كيف تعيد الأزمات الداخلية لأوروبا تعريف علاقاتها مع الولايات المتحدة؟

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
على مدار سبعة عقود شكل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمؤسسات التابعة له (الاتحاد الأوروبي في صيغته السياسية، مجموعة السبع، وصندوق النقد الدولي) نسيجاً من التحالفات جمعت ضفتي الأطلسي تحت مسمى “الغرب”. كان هذا المسمى أكثر من مجرد تسمية جغرافية فهو يشير إلى مجتمع أمني وقيمي، تُعرّف فيه التهديدات بشكل موحد، وتُسنّ فيه العقوبات بشكل منسق، وتخاض فيه الحروب أو تمنع تحت راية قيادة أميركية مقبولة من قبل عواصم أوروبا.
لكن منذ عام 2022 (الحرب الروسية الأوكرانية) ومروراً بقانون خفض التضخم الأميركي (2022-2023) وصولاً إلى أزمة مضيق هرمز في نيسان 2026، بدأت ملامح “الغرب” تتآكل ليس من الخارج بل من الداخل. الورقة الحالية لا تقدم مجرد وصف للخلافات، بل تؤطر هذه التحولات ضمن مفهوم نسميه “العودة إلى وستفاليا الأطلسية”. نقصد بذلك عودة الدولة القومية الأوروبية بأزماتها الاقتصادية والسياسية الداخلية كمحدد أول وأخير لسلوكها الخارجي، متجاوزة التزاماتها تجاه التحالف الأطلسي. وهذا يتناقض جوهرياً مع النموذج الليبرالي المؤسساتي الذي ظل سائداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
أولاً: من الغرب الموحد إلى التعددية القومية
في النظرية الواقعية للعلاقات الدولية، تظل الدولة القومية هي الوحدة المركزية، وتتحالف فقط لمواجهة تهديدات مشتركة أو لتحقيق مكاسب نسبية. لكن النموذج الأطلسي بعد الحرب الباردة كان استثنائياً، لم يعد هناك عدو واضح، ومع ذلك استمر الحلف وتوسع، مدفوعاً بـالتوافق الليبرالي الذي يفترض أن المؤسسات والقيم المشتركة أقوى من المصالح الآنية. هذا التوافق تزعزع على ثلاث جبهات:
-
الجبهة الأمنية: بعد انسحاب أمريكا الفوضوي من أفغانستان (2021) وترددها في الالتزام طويل الأمد تجاه أوكرانيا رغم المساعدات، أدركت العواصم الأوروبية أن الردع الأميركي لم يعد مضموناً، وأن السيادة الأمنية تعني بالتالي قدرة أوروبا على حماية نفسها. لكن المفارقة أن أوروبا لم تبنِ هذه القدرة، فوجدت نفسها بين مطرقة التهديد الروسي وسندان التقلص الأميركي.
-
الجبهة الاقتصادية: قانون خفض التضخم الأميركي لعام 2022 أعطى إعانات ضريبية ضخمة للصناعات الخضراء والأوروبية بشرط الانتقال إلى أمريكا. بالنسبة للأقتصاد الألماني والفرنسي، كان هذا طعنة في الظهر، لم يعد أمريكا حليفاً اقتصادياً بل منافساً يمارس حمائية بتكشيفة خضراء. هذا كسر الإجماع حول اقتصاد السوق الحر.
-
الجبهة السياسية الداخلية الأوروبية: صعود أحزاب اليمين الشعبوي واليسار القومي في ألمانيا، فرنسا (التجمع الوطني)، إيطاليا (إخوة إيطاليا) جعل أي حكومة وسطية تدفع ثمناً باهظاً مقابل أي تنازل لأمريكا. هذه الأحزاب تتبنى شعار “أوروبا للأوروبيين” وتنتقد إرسال الأسلحة أو الانخراط في حروب أمريكا (مثل الخليج أو تايوان). الضغط الجماهيري جعل القادة الأوروبيين يتبنون خطاباً أكثر قومية، بعيداً عن “القيم الغربية”.
نحن إذن أمام تحول من نموذج مجتمع أمني متكامل إلى نموذج توازن المصالح الهش. أي تحالف قائم على الحاجة اللحظية، وليس على الهوية المشتركة. هذا هو جوهر “العودة إلى وستفاليا” عودة التعريف الواقعي للسيادة. وأزمة هرمز كانت كاشفة لهذه العودة.
ثانياً: أزمة هرمز – نقطة الفصل الأميركي- الأوروبي
بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة بين البحرية الأميركية والقوات الإيرانية، أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام جميع السفن. مضيق هرمز الذي يمر عبره 21% من النفط المنقول بحراً و28% من الغاز الطبيعي المسال عالمياً أصبح بيد إيران سلاحاً للضغط.
ردت واشنطن فوراً بإرسال حاملة الطائرات “جيرالد فورد” ومجموعة من المدمرات إلى الخليج، ودعت رسمياً الدول الأوروبية عبر الناتو للمشاركة في “عملية حارس المضيق”، لتأمين الملاحة. لكن الرد الأوروبي كان صادماً من حيث الوحدة في الرفض، والتنوع في الذرائع:
-
فرنسا أعلنت رفضها القاطع للمشاركة العسكرية، قائلة إن أوروبا ليس لها مصلحة في أن تصبح وقوداً لحرب أميركية-إيرانية، ونحن لم نُستشر في التصعيد. كما رفضت السماح للطائرات الأميركية بعبور الأجواء الفرنسية، وهو حق دبلوماسي من شأنه تعطيل خطوط الإمداد الأميركية.
-
ألمانيا لم ترفض رسمياً لكنها وضعت شروطاً مستحيلة كموافقة برلمانية وعقوبات مضادة على إيران، علماً أن الحكومة الألمانية تعلم أن إيران ردت بتهديد استهداف المصالح الألمانية. ألمانيا اختارت الهروب النشط.
-
إيطاليا وإسبانيا أعلنتا أنهما ستشاركان فقط إذا دفع الأمريكيون تكاليف العمليات (وقود، ذخائر، تأمين)، وهو مطلب لم يسمع به في تاريخ الناتو.
-
بولندا ودول البلطيق أبدت استعدادها الاسمي، لكن قدراتها البحرية تكاد تكون معدومة في الخليج.

هذا الرفض المتعدد الأوجه لم يكن مجرد خلاف تقني بل كان اعترافاً ضمنياً بأن تهديد هرمز ليس تهديداً أوروبياً بالدرجة الأولى. أوروبا تحصل على 40% من غازها الطبيعي عبر خطوط الأنابيب من النرويج وشمال أفريقيا (وليس الخليج)، ونفطها يأتي بشكل متزايد من قزوين وغرب أفريقيا. التهديد الحقيقي لأوروبا هو ارتفاع الأسعار، وليس انقطاع الإمداد الكامل. وأوروبا استنتجت أنها إذا انحازت لأمريكا عسكرياً، فستتحمل التكلفة المزدوجة لحرب مباشرة (هجمات إيرانية على قواعد أوروبية) ارتفاع أسعار النفط كعقاب إيراني. أما أمريكا فهي معزولة جيولوجياً، وتستطيع خوض حرب الخليج الثالثة دون أن تمس أراضيها.
نتيجة لذلك، تشكل “تحالف المضيق” من أمريكا و”إسرائيل” فقط، مع دعم اسمي من بريطانيا وأستراليا واليابان. الأتحاد الأوروبي اكتفى بإصدار بيانات استنكار، ودعا إلى المفاوضات، ورفض فرض عقوبات بحرية جديدة على إيران.
أزمة هرمز إذن كشفت أن الحلف الأطلسي لم يعد مجتمع أمني بل تحالف اختياري تماماً، يشارك فيه الأوروبيون فقط حين تتوافق مصالحهم الوطنية الضيقة. وهذا بالضبط نموذج العودة إلى وستفاليا، دول ذات سيادة تحسب التكاليف بشكل فردي، وليس بشكل جماعي. لكن ما العمق الهيكلي لهذا التحول؟ الجواب في الأزمات الاقتصادية الداخلية لأوروبا.
ثالثاً: الأزمات الاقتصادية الداخلية- التضخم، الطاقة، والديون كقيود صلبة على التضامن
لا يمكن فهم رفض أوروبا الاصطفاف في هرمز بمعزل عن الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه القارة. منذ 2022، تعرضت أوروبا لصدمات ثلاثية: صدمة طاقة ارتفاع أسعار الغاز نتيجة قطع الإمدادات الروسية، صدمة تضخمية وصل التضخم في ذروته إلى 11% في منطقة اليورو، وإلى 14% في دول البلطيق، وصدمة تنافسية نتيجة السياسات الحمائية الأميركية. هذه الصدمات لم تنته بعد، بل تفاقمت في 2025- 2026.
-
قانون خفض التضخم الأميركي كسرقة منظمة
أقر قانون خفض التضخم في 2022، لكن آثاره ظهرت بالكامل في 2025. النص يقدم إعانات ضريبية بقيمة 369 مليار دولار للسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بشرط أن يتم التصنيع في أمريكا أو مع شركاء تجارة حرة (المكسيك، كندا). لم يشمل البند أوروبا. النتيجة؟ نقلت شركات مثل فولكسفاجن استثماراتها في البطاريات الكهربائية إلى كندا والولايات المتحدة (مصنع بقيمة 7 مليارات دولار في أونتاريو)، وأعلنت نورثفولت السويدية تأجيل مصنعها في ألمانيا وبناء مصنع بديل في كاليفورنيا. وفقاً لدراسة ألمانية خسرت أوروبا ما يقدر بـ 30 مليار يورو من الاستثمارات المرتقبة بين 2023 و2025 لصالح أمريكا الشمالية.
بالنسبة للمواطن الألماني أو الفرنسي، هذا يعني فقدان وظائف وارتفاع البطالة. وبالنسبة للحكومة، يعني ذلك عجزاً ضريبياً. الاستياء من الشريك الأميركي وصل إلى درجة أن المفوضية الأوروبية هددت بفرض رسوم انتقامية على السلع الأميركية، وهو ما لم تنفذه في النهاية خوفاً من حرب تجارية، لكنه زرع بذور العداء.
-
أزمة الطاقة المستمرة (2025- 2026)
بعد عامين من قطع الغاز الروسي، تمكنت أوروبا من استبدال الإمدادات عبر الغاز الطبيعي المسال من أمريكا وقطر، لكن بأسعار أعلى بـ 4 أضعاف من الغاز الروسي سابقاً. على سبيل المثال، في كانون الثاني 2026، بلغ سعر الغاز الطبيعي في هولندا حوالي 55 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، بينما في الولايات المتحدة كان السعر أقل من 15 يورو. هذا يعني أن الصناعة الأوروبية (الكيماويات، الأسمدة، الزجاج، السيراميك) تدفع فواتير طاقة أعلى بكثير من منافستها الأميركية.
الحكومة الألمانية اضطرت لدعم فواتير الطاقة بمليارات اليوروهات، مما زاد الدين العام (وصل دين ألمانيا إلى 68% من الناتج المحلي في 2025، مقارنة بـ 60% قبل الأزمة). إيطاليا تجاوز دينها 145% من الناتج المحلي. أكثر من ذلك، وجّه المسؤولون الأوروبيون انتقادات صريحة لواشنطن قالت أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية) في خطاب تشرين الثاني 2025 “لم نتوقع أن يستغل صديق حاجتنا بهذه الطريقة”. وكانت تشير إلى شركات الطاقة الأميركية التي حققت أرباحاً قياسية تجاوزت 200 مليار دولار في 2024 بفضل تصدير الغاز المسال إلى أوروبا.
أما فيما يخص أزمة هرمز فإن أي تصعيد هناك سيعني على الفور قفزة جديدة في أسعار الغاز المسال (لأن خطوط الملاحة ستصبح أكثر خطورة وتحتاج تأمينات أعلى)، وهذا ما لا تستطيع أوروبا تحمله. لذا اختارت أوروبا عدم المشاركة.
-
التضخم والركود والاحتجاجات
بحلول أوائل 2026، كان معدل التضخم في منطقة اليورو لا يزال عند 4.5% (بعد أن انخفض من ذروته)، لكن معدلات البطالة بدأت في الارتفاع نتيجة لتباطؤ النمو الاقتصادي. الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا (أكبر اقتصاد) تقلص بنسبة 0.3% في الربع الأخير من 2025، مما يعني أنها دخلت في ركود فني. فرنسا تتعثر بميزانية عجز تتجاوز 6%.
المشهد الاجتماعي متوتر، إضرابات المزارعين في هولندا وبلجيكا بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، احتجاجات “السترات الصفراء” تعود بشكل محدود في فرنسا، وإضرابات قطارات في ألمانيا. الحكومات الأوروبية تعيش في حالة دفاع مستمر، وأي مغامرة عسكرية جديدة في الخليج ستكون بمثابة انتحار سياسي.
في هذا السياق أصبحت “النزعة القومية الاقتصادية” هي الرد الطبيعي، حماية السوق الداخلية، خفض الإنفاق العسكري (على حساب الناتو)، وتعزيز العلاقات التجارية مع الصين والهند حتى لو أزعجت واشنطن.
قد تعيش العلاقات الأوروبية- الأميركية تحولاً بنيوياً عميقاً، ربما يكون الأهم منذ تأسيس الناتو. ليس لأن العدو المشترك اختفى (روسيا لا تزال موجودة، والصين تبرز)، بل لأن التضامن لم يعد يقدم فوائد تتجاوز تكاليفه. اثبتت أزمة هرمز ذلك بشكل جلي، أوروبا المنهكة بديونها وتضخمها واحتجاجاتها، غير قادرة على الاصطفاف في حرب لا تلمس أمنها الإقليمي المباشر. وقانون خفض التضخم الأميركي والغاز المسال بأسعار مضاعفة جعل جزءاً كبيراً من النخب الأوروبية يرى في أمريكا “شريكاً مفترساً” وليس حليفاً.
نحن نشهد ولادة نظام أطلسي جديد يمكن تسميته بـ”وستفاليا الأطلسية”: دول ذات سيادة كاملة تتعاون حيث تلتقي مصالحها، وتنسحب حيث تتعارض. الكلمات مثل “الغرب” و”القيم المشتركة” و”المجتمع الأطلسي” أصبحت مجرد خطابات احتفالية، لا تملك قوة إلزامية. الناتو قد يصمد كهيكل مؤسساتي، لكن روحه ماتت. هذا لا يعني أن أوروبا وأمريكا ستتصادمان عسكرياً، بل يعني أن التحالف أصبح مؤقتاً، قائماً على “توازن المصالح” المتغير وليس على “مجتمع الأمن” الدائم.



