الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
جغرافيا معقّدة وخيارات محدودة: 5 سيناريوهات لحرب برية أميركية ضد إيران

بقلم: أراش ريسينِجهاد
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
على مدى عقود جرى التعامل مع خيار الغزو البري الأمريكي لإيران بوصفه السقف الأقصى للتصعيد- خياراً باهظ الكلفة يصعب الشروع فيه وأشدّ زعزعةً للاستقرار من أن يمكن تحمّل تبعاته على المدى الطويل، غير أن هذه الفرضية أخذت في التآكل تدريجياً فمع احتدام الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية”** ضد إيران غدا ما كان يُعدّ سابقاً خارج نطاق التصوّر أكثر قابليةً للطرح، ولم يعد التساؤل مقتصراً على إمكانية الغزو البري بحدّ ذاته بل امتدّ ليشمل نقطة انطلاقه المحتملة ومدى قدرته على تحقيق نتائج استراتيجية ملموسة.
للوهلة الأولى توحي الأطراف الجغرافية لإيران بتعدّد منافذ الدخول الممكنة الممتدة من الخليج وخليج عُمان إلى حدودها الغربية، غير أن هذا التصوّر ينطوي على قدر كبير من التضليل إذ إن الجغرافيا ذاتها التي تجعل خيار الغزو ممكناً من الناحية النظرية هي التي تُفرغه عملياً من جدواه الاستراتيجية، فالبنية الجيوعسكرية لإيران تدفع بالقوى المهاجمة نحو نطاق محدود من نقاط الاختناق الساحلية ومراكز الطاقة الحيوية والممرات الحدودية- وهي مساحات لا تفتح آفاقاً للنجاح بقدر ما تستدعي ديناميات تصعيد أوسع، وبذلك فإن ما يبدو ظاهرياً كطيف من البدائل العملياتية ليس في حقيقته سوى خريطة مُكثّفة للعواقب المحتملة.
ويتجسّد هذا المنطق بوضوح في خمس عقد جغرافية رئيسية جزيرة خرج ومضيق هرمز وجزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى وممر جابهار- كونارك ومحور عبادان- خرمشهر، فبرغم ما توحي به هذه المواقع من إمكانات للوصول، فإن أياً منها لا يوفّر مساراً نظيفاً أو قابلاً للتحقق نحو إنجاز استراتيجي حاسم.
-
جزيرة خارك (خرج)
تُعدّ جزيرة خرج المثال الأوضح على الكيفية التي يمكن أن يتحوّل فيها عامل التفوّق الظاهري إلى مصدر خطر استراتيجي، فبوصفها عنق الزجاجة لصادرات النفط الإيرانية- حيث يمر عبرها نحو 90% من صادرات الخام- تمثّل الجزيرة نقطة إخفاق محتملة من الطراز الكلاسيكي، وهي بحكم انفصالها النسبي عن العمق الإيراني وصِغر مساحتها (نحو 8 كيلومترات طولاً و4 إلى 5 كيلومترات عرضاً) تبدو مدمجة ومكشوفة ومشبعة ببنية تحتية حيوية كثيفة، لذلك تُعدّ مركز الثقل الاقتصادي لإيران وأعلى نقاطها تركيزاً للقوة الاقتصادية والهشاشة في آنٍ واحد، ومن منظور عملياتي بحت تبدو هدفاً قادراً على إحداث أقصى درجات التعطيل دون الحاجة إلى توغّل عميق داخل الأراضي الإيرانية.
غير أن هذه المزايا الظاهرية هي ذاتها مصدر الخطورة، فأي ضربة تستهدف خرج لن تبقى في إطارها العسكري المحدود بل ستتجاوز سريعاً إلى أسواق الطاقة العالمية، إن استهداف العمود الفقري لصادرات النفط الإيرانية من شأنه أن يثير اضطرابات فورية في السوق ويغذّي مخاوف أوسع بشأن أمن البنية التحتية للطاقة في الخليج، والأهم من ذلك أنه سيستدعي تصعيداً مضاداً يُرجّح أن يدفع إيران إلى استهداف منشآت الطاقة في المنطقة.
وهنا تتجلّى المفارقة بوضوح فالعامل الذي يجعل خرج هدفاً مغرياً- أي مركزيتها في الاقتصاد الإيراني- هو ذاته ما يضمن أن أي هجوم عليها سيؤدي إلى تدويل الصراع بسرعة، وبذلك لا تُعدّ خرج مجرد هدف عسكري بل محفّزاً استراتيجياً قادراً على تغيير قواعد اللعبة.

-
مضيق هرمز
يظلّ مضيق هرمز الساحة الأكثر حساسية وحسماً في هذا الصراع، إذ يمر عبر هذا الممر البحري الضيّق ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية ما يجعله أهم نقطة اختناق للطاقة على مستوى العالم، وغالباً ما يُنظر إليه بوصفه أداة سيطرة تمنح من يهيمن عليه نفوذاً استراتيجياً هائلاً. غير أن هذا التصوّر ينطوي على تبسيط مُضلِّل، فمضيق هرمز ليس نقطة مفردة يمكن الاستيلاء عليها بل منظومة بحرية- إقليمية معقّدة، وأي محاولة جدّية للسيطرة عليه تقتضي عمليات عسكرية ضد بندر عباس- أكبر موانئ إيران- وكذلك جزيرة قشم أكبر جزرها وهما عنصران أساسيان في بنية الدفاع الإيرانية في الخليج، وعليه فإن السيطرة على المضيق تعني عملياً الانخراط في حرب على الأرض لا مجرد تحكّم بممر مائي.
وهنا يبرز التحدّي الجوهري فالحفاظ على سيطرة مستدامة يتطلب إضعاف الدفاعات الساحلية وتحييد القدرات الصاروخية وكبح القدرات البحرية غير المتكافئة فضلاً عن الإبقاء على وجود عسكري دائم في بيئة شديدة التنازع، وما يبدو للوهلة الأولى وسيلة لتحقيق نفوذ استراتيجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة، قد يتحوّل في الواقع إلى حملة طويلة الأمد كثيفة الموارد ومرتبطة مباشرة بالدفاعات الإقليمية لإيران مع ما يرافق ذلك من تداعيات ممتدة على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
-
الجزر الثلاث
تُمثّل جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى البوابة الغربية الاستراتيجية لمضيق هرمز، وعلى خلاف جزيرة خرج أو المضيق ذاته فإن هذه الجزر تفتقر إلى وزن اقتصادي يُعتدّ به، لكنها تنطوي على قيمة رمزية وجيوسياسية مرتفعة. فالسيطرة عليها لن تُفضي إلى تغيير حاسم في ميزان القوى العسكري كما أنها لا تفتح مساراً مباشراً نحو العمق الإيراني، غير أن تموضعها عند تقاطع السيادة الإيرانية مع المطالبات الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة يضفي على أي تحرّك عسكري تجاهها أبعاداً سياسية تتجاوز نطاقها الجغرافي المحدود.
وعليه فإن ما قد يبدو خطوة رمزية منخفضة الكلفة قد يتحوّل إلى محفّز لتوسيع نطاق الصراع دون تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة للولايات المتحدة، ويتسق هذا الطرح مع النمط العام الحاكم لبقية السيناريوهات (قيمة رمزية مرتفعة مقابل عائد استراتيجي محدود)، فكلما بدا الهدف أكثر سهولة من الناحية العملياتية تقلّ مساهمته في تحقيق نجاح استراتيجي حاسم وتزداد احتمالات انزلاق الصراع نحو تصعيد غير مواتٍ.
-
محور جابهار- كونارك
يقع أقلّ منافذ الدخول تناولاً في التحليلات على الســـاحل الجنوبي الشرقي لإيــــران حــيث يبرز ممر جابهار- كونارك بوصفه مساراً مختلفاً نسبياً، فمقارنةً بالخليج كثيف العسكرة يبدو هذا المحور أكثر انفتاحاً جغرافياً، وأقل ازدحاماً وأكثر قابلية- ظاهريا- لاستيعاب عمليات خارجية. غير أن هذه السهولة الظاهرية تخفي قيداً بنيوياً مهماً إذ يوفّر جابهار إمكانية الوصول دون أن يمنح رافعة نفوذ استراتيجية حقيقية، فهو بخلاف جزيرة خرج لا يقع في صميم شريان النفط الإيراني وبخلاف مضيق هرمز، لا يتحكّم في نقطة اختناق عالمية حاسمة، كما أن هذه المنطقة رغم انخفاض كثافة بنيتها التحتية الحيوية لا تخلو من عوائق طبيعية تعزّز مناعتها الدفاعية.
إلا أن الإشكالية الأبرز تكمن في عامل المسافة، فترسيخ موطئ قدم في هذا المحور سيُبقي أي قوة مهاجمة بعيدة عن مراكز الثقل الاقتصادية والسياسية لإيران، ما يحوّل الاختراق الأولي إلى حملة طويلة الأمد وعالية الكلفة لوجستياً، وبذلك فإن الموقع الذي يبدو أكثر سهولة من الناحية العملياتية، يظلّ أضعف من حيث الجدوى الاستراتيجية.
-
محور عبادان- خرمشهر
إذا ما اتخذ الغزو البري طابعاً أكثر حسماً فإن المحور الأكثر ترجيحاً يتمثل في منطقة عبادان- خرمشهر في جنوب غرب إيران الغني بالنفط، بوصفه أقصر الطرق وأكثرها مباشرة من الخليج نحو أراضٍ ذات قيمة استراتيجية. غير أن هذا المسار لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سياقه الإقليمي، فأي تقدّم عبره يُرجّح أن ينطلق من الكويت مروراً بجنوب العراق عبر البصرة وصولاً إلى إقليم خوزستان، على نحو يُحاكي المسار الذي سلكه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عند اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980.
إلا أن المشهد اليوم وبعد أكثر من أربعة عقود يختلف جذرياً، فالأراضي العراقية لم تعد مجرد ممرّ محايد بل فضاءً أمنياً معقّداً، ومن المرجّح أن تواجه أي حملة عسكرية ضغوطاً مباشرة من الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران ولا سيما “قوات الحشد الشعبي” حتى قبل بلوغ القوات الأمريكية الأراضي الإيرانية، وعليه لن يقتصر مسرح العمليات على حرب تقليدية بين دولتين بل قد يتخذ طابع صراع متشظٍ ومتعدد المستويات ضمن ما يمكن وصفه بحيّز جيوسياسي شيعي ممتد من جنوب العراق إلى جنوب غرب إيران.

وبذلك فإن ما يبدو المسار الأكثر مباشرة نحو الداخل الإيراني هو في الوقت ذاته الأكثر قابلية للاشتعال، إذ ينطوي على مخاطر توسيع نطاق الحرب لتشمل العراق إلى جانب إيران، فالعوامل التي تمنحه وجاهة عملياتية هي ذاتها التي تجعله محفوفاً بالمخاطر السياسية والعسكرية، وهنا يبلغ وهم الحسم ذروته- وكذلك حجم المخاطرة. ثمة عامل إضافي يستحق الاعتبار يتمثّل في الدور الذي قد تضطلع به القوى الكردية في أي من هذه السيناريوهات، إذ قد يترافق أي توغّل أمريكي مع انتفاضة كردية على طول الحدود الغربية لإيران، بما من شأنه أن يشتّت القدرات الدفاعية الإيرانية عبر جبهات متعددة.
وتاريخياً شهدت هذه الجبهة توترات مستمرة مع عدد من التنظيمات الكردية من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب حرية كردستان وحزب الحياة الحرة لكردستان إضافة إلى «خبات» و«كومله» بفصائلها المختلفة، والتي تشير بعض التقديرات إلى أنها اتجهت نحو قدر أكبر من التنسيق في مواجهتها لطهران.
غير أن هذا الخيار يظلّ مقيداً بجملة من المحددات البنيوية، فهذه الجماعات تعاني من التشرذم وتفاوت القدرات كما أن استعدادها لخوض مواجهة واسعة النطاق مع إيران يبقى موضع شك، إلى جانب ذلك تمتلك حكومة إقليم كردستان العراق دوافع قوية لتجنّب التصعيد، بالنظر إلى مخاطر الردّ الإيراني في حين قد تعمل الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق على تحويل الإقليم إلى ساحة صراع ثانوية، كما يشكّل الموقف التركي الرافض لعسكرة الفاعلين الأكراد قيداً إضافياً على هذا السيناريو. والأهم من ذلك أن هذه الاستراتيجية قد تنقلب بنتائج عكسية داخل إيران، إذ قد تُعيد تأطير الصراع بوصفه دفاعاً عن وحدة الأراضي، بما يعزّز التماسك الوطني والنزعة التعبوية بدلاً من إضعاف بنية الدولة.
عند النظر إلى هذه المنافذ مجتمعة يتّضح أنها لا تُشكّل استراتيجية لتحقيق النصر بقدر ما تمثّل خريطة للتصعيد، فكلّ منها يوفّر إمكانية الوصول غير أنّ أياً منها لا يتيح تنفيذ عمليات محدودة ذات نتائج قابلة للتنبؤ، إذ إن المسارات ذاتها التي تجعل الدخول ممكناً هي التي تجعل تحقيق النجاح أمراً بالغ الصعوبة واستدامته أكثر تعقيداً، فالأهداف القادرة على إحداث ضغط فعلي تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر إطلاق اضطرابات اقتصادية وإقليمية أوسع في حين أن محاولات احتواء الصراع ضمن نطاق ضيّق تفشل في تحقيق أثر استراتيجي يُعتدّ به، وهكذا فإن ما يبدو تعدداً في الخيارات ينتهي إلى معضلة واحدة إما القبول بتأثير محدود أو المخاطرة بانفلات التصعيد.
ومن المرجّح أن يشمل هذا التصعيد منظومة الطاقة الأوسع في الخليج فضلاً عن توليد ضغوط مضادة عند مضيق باب المندب، حيث تحتفظ جماعة أنصار الله الحوثــ ـــيين المتحالفة مع إيران بقدرة على تعطيل حركة الملاحة البحرية، والنتيجة المتوقعة هي نشوء أزمة متعددة نقاط الاختناق ذات تداعيات عالمية. وثمة خطر آخر يتمثّل في الوقوع في فخّ الاستنزاف، فقد حذّر جو كِنت المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب من أن السيطرة على جزر في مضيق هرمز قد تحوّل القوات الأمريكية من عنصر قوة إلى أهداف مكشوفة، معرّضة للعزلة والاستهداف بالألغام والصواريخ وأسراب الطائرات المسيّرة.
وبالطبع قد تلجأ الولايات المتحدة إلى خيارات أكثر محدودية مثل تنفيذ ضربات جوية محمولة بالمروحيات ضد مواقع كـنطنز أو فوردو، غير أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر عالية لا سيما في ظل احتمال توزيع نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب في مواقع غير معروفة ما يزيد من احتمالات سوء التقدير وتسارع وتيرة التصعيد، كما قد يُطرح خيار إنزال قوات جواً أو بالمروحيات باتجاه طهران، إلا أن محاولات تجاوز القيود الجغرافية وتسريع وتيرة الصراع ستصطدم ببنية دفاعية أُعدّت على مدى عقود لمواجهة مثل هذه السيناريوهات، فالنظام الإيراني، الذي تشكّل في سياق الثورة وخبرات الحرب غير المتكافئة مهيّأ لامتصاص الضغوط وخوض القتال في نطاقات قريبة وعليه فإن ما قد يبدأ كعملية سريعة قد يتحوّل سريعاً إلى مقاومة ممتدة ولا مركزية تصل إلى مستوى القتال من منزل إلى آخر بما يعمّق إشكالية السيطرة بدلاً من حلّها.
قد يبدو الغزو البري لإيران خياراً أكثر قابلية للتصوّر مما كان عليه في السابق غير أن هذا الانطباع يستند إلى قراءة قاصرة للجغرافيا، فإيران عبر الزمن لم تكتفِ بالتكيّف مع جغرافيتها بل عملت على توظيفها كأداة استراتيجية، فالجبال والصحارى والسواحل والجزر ونقاط الاختناق ليست عناصر محايدة في ساحة المعركة بل مكوّنات فاعلة في منظومة دفاعية مصمّمة لامتصاص الضغط وتفتيت القوة وفرض كلف باهظة على الخصم، وبهذا المعنى فإن جغرافيا إيران لا تقتصر على تشكيل العمليات العسكرية بل تسهم في تحويلها إلى أحداث ذات امتدادات عالمية.
* By Arash Reisinezhad, Five Scenarios for a U.S. Ground War on Iran A vexing geography offers no clean entry point, Foreign Policy March 31, 2026.,
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



