الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

القبة الذهبية وأميركا أولاً.. ملامح القوة الجديدة

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر / السودان

 

تمثل وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني (NDS) لعام 2026، والتي أبصرت النور في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2026، نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر. فهي لا تأتي كمجرد تحديث دوري للمهام العسكرية، بل تُمثل الذروة العملياتية لتحول هيكلي شامل في العقيدة الخارجية للولايات المتحدة. وقد سبقت هذه الوثيقة بأسابيع قليلة صدور استراتيجية الأمن القومي (NSS) لعام 2025، مما يعكس رغبة حثيثة من الإدارة الأمريكية الثانية للرئيس ترامب في ترسيخ واقع جيوسياسي جديد بجدول زمني متسارع. إن هذا التتابع في الإصدارات الاستراتيجية يهدف بشكل مباشر إلى نظام “الواقعية القومية” الذي يضع حماية السيادة المطلقة والازدهار الاقتصادي المباشر فوق أي اعتبارات دولية أخرى.

تتجاوز هذه الوثائق الجديدة مفهوم التغيير في الأولويات السياسية لتصل إلى إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأمريكية في أضيق حدودها الممكنة. ففي ظل هذه العقيدة، يتحول دور الولايات المتحدة إلى “قوة عظمى ذات مصالح محددة” ومحسوبة بدقة. هذا التحول الجذري يفرض إعادة توجيه الموارد القومية الضخمة من المسارح البعيدة في أوروبا و”الشرق الأوسط”، التي استنزفت الميزانية الأمريكية لعقود، نحو الجبهة الداخلية، ونصف الكرة الغربي، والمنافسة التكنولوجية والإنتاجية الشرسة مع الصين. إن الهدف النهائي هو تحصين “القلعة الأمريكية” اقتصادياً وعسكرياً ضد أي تهديدات خارجية قد تمس جوهر الرفاهية للمواطن الأمريكي.

 

وزارة الحرب الأميركية – البنتاغون

 

تؤسس استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 لإطار فكري يرفض بشكل قاطع التدخلات العسكرية التي تهدف إلى “بناء الدول” وفق الوصفة الأمريكية أو نشر قيم بالقوة، وتصف هذه المحاولات السابقة بأنها “مغامرات أيديولوجية” استنزفت الجاهزية العسكرية الأمريكية وأضعفت مكانتها الدولية. بدلاً من ذلك، تطرح الاستراتيجية مبدأ “السلام من خلال القوة”، وهو مفهوم لا يستند فقط إلى التفوق العسكري العددي، بل يرتكز بالأساس على القوة الإنتاجية الصناعية والتحرر من الالتزامات الدولية التي لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة. وهذا يعني عملياً أن واشنطن لن تسعى بعد الآن للحفاظ على هيمنة عالمية مطلقة في كل بقعة من بقاع الأرض، بل ستكتفي بتحقيق توازن قوى إقليمي يمنع ظهور قوى معادية، مما يسمح لها بالتركيز الكامل على تعزيز جبهتها الداخلية وأمن حدودها.

وعند مقارنة هذه الرؤية الجديدة باستراتيجية عام 2022 التي تبنتها إدارة بايدن، نجد تبايناً حاداً في الرؤى الكونية؛ فبينما كانت الإدارة السابقة تؤمن بنظام قائم على القواعد والمؤسسات الدولية والعمل متعدد الأطراف، ترتكز استراتيجية 2025/2026 على السيادة الوطنية المطلقة والاتفاقيات الثنائية النفعية. وفي حين كان يتم تعريف الصين كمنافس استراتيجي وروسيا كتهديد حاد يتطلب ردعاً عالمياً، تركز الإدارة الحالية على المنافسة الجيو- اقتصادية وتجنب المواجهات العسكرية غير الضرورية التي لا تمس السيادة الأمريكية مباشرة. كما انتقلت الأولوية الجغرافية من “أوروبا والمحيط الهادئ بالتساوي” لتصبح “الوطن ونصف الكرة الغربي” في المقام الأول، مع تحول مفهوم الأمن القومي من شمولية قضايا المناخ وحقوق الإنسان إلى التركيز الحصري على الحدود، التجارة، والتفوق الصناعي.

يُظهر تحليل استراتيجية الدفاع الوطني 2026 أن إعادة استخدام مسمى “وزارة الحرب” لم يكن مجرد تغيير رمزي، بل تأكيد على طبيعة المهام القتالية البحتة للدفاع عن الوطن. وقد وضعت هذه الاستراتيجية حماية الحدود الأمريكية في قمة هرم الأولويات العملياتية، مما يعني توجيه ميزانيات ضخمة لحماية الحدود الجنوبية وتطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي متطورة داخل القارة. هذا التوجه يمثل إعادة إحياء فعلية لـ “مبدأ مونرو” برؤية عصرية تناسب القرن الحادي والعشرين، حيث تعتبر واشنطن أي نفوذ صيني أو روسي متزايد في أمريكا اللاتينية بمثابة تهديد وجودي يتطلب رداً حاسماً، معتبرة أن أمن القارة الأمريكية هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.

وفيما يخص الحلفاء الأطلسيين، انتقل الخطاب الرسمي من “الطمأنة المستمرة” إلى “الاشتراط الصارم”. لم يعد الدعم الأمريكي لأوروبا شيكاً على بياض أو التزاماً أخلاقياً ثابتاً، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الدول الأوروبية على تحمل المسؤولية الكاملة عن دفاعها التقليدي. تصف الاستراتيجية الجديدة أوروبا بأنها منطقة غنية تمتلك من الموارد ما يكفي لحماية نفسها، وبالتالي فإن استمرار ما تصفه بـ “الركوب المجاني” على حساب دافع الضرائب الأمريكي لم يعد مقبولاً من الناحية السياسية أو الاستراتيجية في واشنطن. هذا التحول وضع حجر الأساس لفرض واقع جديد خلال قمة لاهاي التي عقدت في حزيران 2025، حيث تم إجبار الحلفاء على قبول التزام مالي وعسكري غير مسبوق في تاريخ حلف الناتو.

تعتبر “خطة لاهاي للاستثمار” التي تم إقرارها في حزيران 2025 حجر الزاوية في السياسة الدفاعية الجديدة تجاه القارة العجوز، حيث فرضت الولايات المتحدة معياراً جديداً للإنفاق الدفاعي يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. إن هذا الالتزام يتجاوز مجرد كونه رقماً مالياً، بل هو إعادة هندسة شاملة للبنية الدفاعية الأوروبية لتصبح مستقلة وظيفياً عن القدرات الأمريكية التقليدية في غضون العقد القادم. وتتوزع هذه النسبة الطموحة بين متطلبات دفاعية أساسية بنسبة 3% كحد أدنى لتغطية نفقات الأفراد والعمليات وشراء المعدات الثقيلة، وبين 2% إضافية تُخصص لتعزيز القدرة على الصمود والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية والابتكار التكنولوجي. وبموجب هذا الاتفاق، يتعين على الدول الأوروبية تقديم خطط طريق وطنية مفصلة بحلول منتصف عام 2026، مع إجراء مراجعة استراتيجية شاملة في عام 2029 لضمان الجدية في التنفيذ.

وبكل تأكيد هذا التحول سيضع العواصم الأوروبية أمام معضلة تاريخية صعبة، حيث ستضطر للاختيار بين الحفاظ على برامج الرفاهية الاجتماعية التقليدية وبين تلبية متطلبات الأمن القومي الجديدة التي تفرضها واشنطن. وتؤكد وثيقة الدفاع الوطني 2026 أن الدور الأمريكي في حلف الناتو سيتقلص تدريجياً ليقتصر على توفير “المُمكنات الحرجة” فقط، وهي المجالات التي تتفوق فيها التكنولوجيا الأمريكية بشكل ساحق مثل الردع النووي، والاستخبارات الاستراتيجية، والقدرات الدفاعية الفضائية. أما فيما يخص القوات البرية والجوية اللازمة لردع أي تحرك روسي محتمل، فقد أصبح لزاماً على الأوروبيين توفيرها بالكامل من مواردهم الخاصة، مما يعني إنهاء حقبة الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية التي استمرت لثمانية عقود.

لا يتوقف التحول عند الجوانب العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل نقدًا أيديولوجيًا لاذعًا للمسار السياسي والاجتماعي للاتحاد الأوروبي. تصف استراتيجية الأمن القومي 2025 أوروبا بأنها تواجه ما تسميه “خطر المحو الحضاري” نتيجة لسياسات الهجرة الجماعية وتآكل الهوية الوطنية والبيروقراطية التنظيمية التي تعيق الابتكار التكنولوجي. هذا الخطاب يمثل انزياحاً خطيراً من دعم المؤسسات العابرة للحدود الوطنية، مثل الاتحاد الأوروبي، إلى تشجيع “الدول ذات السيادة” والحركات الوطنية داخل القارة. وقد أثار الحديث الوارد في الوثائق حول ضرورة “زراعة المقاومة للمسار الأوروبي الحالي” صدمة في بروكسل، حيث اعتُبر ذلك دعوة صريحة للتدخل في الشؤون الداخلية ودعم القوى السياسية التي تتماشى رؤيتها مع “عقيدة ترامب”.

وفيما يخص الملف الأوكراني، تضع استراتيجية الدفاع الوطني 2026 إنهاء الحرب كشرط أساسي لإعادة التوازن العالمي وتوجيه الموارد نحو الصين. وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار استنزاف الموارد الغربية في أوكرانيا يخدم المصالح الصينية بالدرجة الأولى، ويمنع واشنطن من تطبيع علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا لضمان استقرار القارة الآسيوية. ومن هنا، تبرز ملامح خطة السلام المقترحة المكونة من 28 نقطة، والتي تضغط واشنطن على طرفي النزاع لقبولها. تتضمن هذه الخطة تنازلات إقليمية مؤلمة تشمل اعترافاً فعلياً بالسيادة الروسية على القرم ودونيتسك ولوهانسك، مع تجميد الصراع على الخطوط الحالية في خيرسون وزابوريزهيا.

تتضمن هذه التسوية المفروضة أيضاً تعديلات دستورية أوكرانية للتخلي عن طموحات الانضمام للناتو مقابل ضمان “حق” الانضمام للاتحاد الأوروبي، مع وضع سقف للقوات المسلحة الأوكرانية لا يتجاوز 600 ألف جندي. وتطرح الخطة نظام مراقبة بقيادة أمريكية لضمان وقف إطلاق النار، مع اشتراط أن أي هجوم أوكراني على العمق الروسي سيسقط الضمانات الأمنية الأمريكية فوراً. وبينما تثير هذه الخطة مخاوف عميقة في بولندا ودول البلطيق التي تراها “مكافأة للعدوان”، تؤكد واشنطن أن عبء إعادة بناء أوكرانيا اقتصادياً كدولة قابلة للحياة يقع على عاتق الأوروبيين، معلنة بذلك انتهاء زمن الدعم العسكري والمالي المفتوح من الخزانة الأمريكية.

 

صور تعرض القبة الذهبية لأميركا

 

تمثل مبادرة “القبة الذهبية لأمريكا” (The Golden Dome for America) التحول الأكثر طموحاً وكلفة في تاريخ الدفاع الصاروخي العالمي، وهي تجسيد تقني لمبدأ “حصن أمريكا”. وتهدف هذه المنظومة إلى إنشاء درع دفاعي متعدد الطبقات يغطي كامل الأراضي الأمريكية، ليكون قادراً على تدمير الصواريخ الباليستية والفرط صوتية في مراحل انطلاقها الأولى. وتعتمد هذه المنظومة بشكل غير مسبوق على دمج تقنيات الفضاء، حيث تشير التقارير الاستراتيجية إلى دور محوري لشركات القطاع الخاص، وعلى رأسها شركة “سبيس إكس” (SpaceX)، في بناء كوكبة ضخمة تضم 600 قمر صناعي مخصصة لتتبع واعتراض الأهداف المعادية من المدار.

من الناحية العملياتية، يقود هذا المشروع الفريق أول مايكل غيتلين، قائد قوة الفضاء الأمريكية، مع جدول زمني يهدف للتشغيل الكامل قبل نهاية الولاية الثانية للرئيس ترامب في عام 2029، مع عرض تجريبي مرتقب في عام 2028. وتتراوح التكلفة التقديرية لهذا المشروع الضخم بين 100 مليار دولار وفقاً لتقديرات البيت الأبيض، وتريليونات الدولارات حسب بعض الدراسات المستقلة. وقد بدأ التمويل الفعلي بالفعل عبر قانون “One Big Beautiful Bill” الذي خصص 40 مليار دولار في عام 2025 و35 مليار دولار إضافية لعام 2026. إن هذا التوجه نحو “عسكرة الفضاء” ينهي التردد الأمريكي التاريخي في نشر أسلحة اعتراضية مدارية، ويضع واشنطن في مسار تصادمي مع المعاهدات الدولية القائمة.

أما في المحيط الهادئ، فتبنت استراتيجية الدفاع الوطني 2026 نهجاً يجمع بين القوة العسكرية الفائقة والدبلوماسية الواقعية، تحت مسمى “الردع بالإنكار”. والهدف هنا ليس السعي لهزيمة الصين أو تغيير نظامها السياسي، بل منعها من تحقيق هيمنة إقليمية قد تهدد المصالح التجارية الأمريكية. وتعتمد الاستراتيجية على بناء خطوط دفاعية قوية على طول “سلسلة الجزر الأولى”، مع التركيز على توجيه ضربات مدمرة من داخل الأراضي الأمريكية أو عبر غواصات متطورة قادرة على اختراق الدفاعات الصينية. واللافت في هذه الوثائق هو تراجع ذكر “تايوان” في الأجزاء غير المصنفة، مما يشير إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بهامش مناورة واسع في مفاوضاتها مع بكين، أو ربما تحويل قضية الجزيرة إلى “ملف إقليمي” يتحمل الحلفاء المحليون مثل اليابان والفلبين العبء الأكبر في إدارته.

وعلى الصعيد الاقتصادي مع بكين، تدعو استراتيجية الأمن القومي إلى “إعادة توازن” العلاقات التجارية باستخدام التعريفات الجمركية كأداة للأمن القومي. ويتجه النهج الأمريكي نحو “فك الارتباط” في القطاعات الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن الأرضية النادرة، مع الحفاظ على التبادل التجاري في السلع غير الحساسة، وهو ما تصفه الوثيقة بـ “الواقعية العملية”. هذا التوجه يهدف إلى حماية القاعدة الصناعية الأمريكية ومنع الصين من استخدام التبعية الاقتصادية كسلاح جيوسياسي ضد واشنطن.

وفيما يخص “الشرق الأوسط“، أعادت الاستراتيجية تعريف الدور الأمريكي جذرياً؛ حيث لم يعد الإقليم مسرحاً رئيساً لتخطيط وتوزيع القوات الأمريكية. بدلاً من ذلك، ترى واشنطن في دول الخليج (السعودية، الإمارات، وقطر) “مزودي أمن إقليميين” يجب أن يتحملوا مسؤولية تأمين طرق الملاحة ومكافحة الوكلاء الإقليميين. وتلتزم الولايات المتحدة بتقديم “عمل حاسم ومركز” عند الضرورة القصوى، مثل عمليات “Midnight Hammer” ضد المنشآت النووية الإيرانية، بدلاً من الانخراط في حروب استنزاف طويلة. والهدف النهائي هو توسيع “اتفاقيات أبراهام” وتحويل المنطقة إلى منصة للابتكار والاستثمار، حيث تدعم الاستثمارات الخليجية القاعدة الصناعية والتكنولوجية الأمريكية في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء.

عموماً، تؤكد وثائق 2025 و2026 أن العالم بصدد تحول استراتيجي غير مسبوق منذ عقود، حيث تعود الولايات المتحدة إلى سياسة “القومية الواقعية”. وهذا يعني أن الحلفاء يجب أن يستعدوا لعالم لا تكون فيه المظلة الأمنية الأمريكية تلقائية أو مجانية. وبينما تسعى واشنطن لحماية سيادتها عبر “حصن أمريكا”، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة اكتشاف “استقلالها الاستراتيجي” تحت ضغوط مزدوجة من الشرق والغرب. إن نجاح هذا التحول يعتمد في النهاية على قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة انسحابها المنظم دون خلق فراغات أمنية قد يستغلها الخصوم، ومدى مرونة الحلفاء في التكيف مع متطلبات “تقاسم الأعباء” القاسية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى