الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
استقلالية القرار “الإسرائيلي” في مواجهة أجندة ترامب “الشرق أوسطية”

بقلم: أنشال فوهرا
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تعمل “إسرائيل” على بلورة استراتيجية تهدف إلى تحصين علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع مستويات الدعم التقليدي لها داخل واشنطن، سواء على مستوى الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب أو على مستوى المزاج العام داخل المجتمع الأميركي، ويُدرك صانعو القرار “الإسرائيليون” جيداً حجم اعتمادهم الاستراتيجي على الولايات المتحدة الحليف الذي وفّر لهم لعقود مظلة سياسية ودبلوماسية واسعة، إلى جانب إمدادات متواصلة من أحدث المنظومات العسكرية والتكنولوجية. غير أن هذا الإدراك لا يعني استعداد “إسرائيل” للتفريط بهامش استقلالها الاستراتيجي أو القبول بأن تصبح سياساتها الأمنية رهينة للتوجهات الأميركية، كما لا يمنع ذلك النخبة السياسية “الإسرائيلية” من تحميل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسؤولية أي تراجع في مستوى التنسيق مع واشنطن أو سوء إدارة العلاقة مع الحليف الأهم “لإسرائيل”. وقد برزت هذه الإشكالية بوضوح عقب إعلان الرئيس الأميركي التوصل إلى اتفاق مع إيران إذ بدا أن “إسرائيل” كانت بعيدة عن مركز عملية صنع القرار، إلى درجة أن نتنياهو نفسه أقرّ بعدم اطلاعه على جميع تفاصيل الاتفاق، وقد عكس ذلك تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين الجانبين، خاصة أن الإدارة الأميركية حرصت على إظهار نفسها بوصفها الطرف صاحب القرار النهائي في إدارة الملف الإيراني. وفي هذا السياق أكد ترامب أن “إسرائيل” وافقت على شروط الاتفاق، لكنه أوضح في تصريحات سابقة أن نتنياهو لن يمتلك هامشاً كبيراً للاعتراض أو المناورة، وفي تعبير يعكس رؤيته لطبيعة العلاقة قال الرئيس الأميركي “أنا من يحدد المسار، وأنا من يتخذ جميع القرارات”.
وأمام هذا الواقع وجد نتنياهو نفسه أمام معادلة سياسية واستراتيجية معقدة، فمن جهة يحتاج إلى الحفاظ على علاقة عمل مستقرة مع البيت الأبيض وتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع ترامب، ومن جهة أخرى يسعى إلى الحفاظ على صورة “إسرائيل” بوصفها دولة قادرة على اتخاذ قراراتها الأمنية بصورة مستقلة، لا سيما في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية وما تفرضه من اعتبارات سياسية.
ورغم محاولات نتنياهو التقليل من أهمية الخلافات مع واشنطن عبر وصف العلاقة بأنها “علاقة بين شركاء قد يتفقون أحياناً ويختلفون أحياناً أخرى”، فإن المؤشرات الصادرة عن الأوساط السياسية والإعلامية “الإسرائيلية” كشفت عن وجود حالة من التململ تجاه بعض بنود الاتفاق، وخصوصاً ما يتعلق بالمطالب الإيرانية الرامية إلى وقف العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في لبنان.

فمن منظور المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” لا يُنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها امتداداً مباشراً للمفاوضات مع إيران بل باعتبارها جبهة مستقلة ترتبط بأهداف “إسرائيلية” طويلة الأمد تتعلق بإضعاف حZب الله وتقليص قدراته العسكرية، ولهذا السبب حرصت “إسرائيل” على تأكيد استمرار حرية عملها العسكري في لبنان، وهو ما تجسد في الغارة التي استهدفت بيروت قبل ساعات من إعلان الاتفاق الأميركي-الإيراني. كما شدد وزير الدفاع “الإسرائيلي” على أن “إسرائيل” ستحتفظ بحقها في التحرك بصورة مستقلة لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، مؤكداً أن بلاده لا تنوي الانسحاب من المواقع والمناطق الأمنية التي تسيطر عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة. وتجلى هذا التوجه أيضاً عندما قرر نتنياهو المضي في تنفيذ ضربة ضد أهداف إيرانية رغم التحذيرات الأميركية الداعية إلى ضبط النفس، وقد عكس هذا السلوك إصرار القيادة “الإسرائيلية” على عدم السماح بأن تصبح اعتبارات التقارب الأميركي-الإيراني قيداً دائماً على خياراتها العسكرية.
ويرى عدد من الخبراء والاستراتيجيين “الإسرائيليين” أن امتناع “إسرائيل” عن الرد على الهجمات الإيرانية كان سيمنح طهران فرصة لإعادة صياغة السردية الإقليمية بطريقة تُظهر “إسرائيل” بوصفها الطرف المعتدي في لبنان، كما كان سيعزز الانطباع بأن السياسة الأمنية “الإسرائيلية” أصبحت خاضعة لمتطلبات التفاهمات الأميركية-الإيرانية، وهو ما تعتبره النخب الأمنية “الإسرائيلية” تطوراً بالغ الخطورة على مكانة الردع “الإسرائيلية”. ورغم أن “إسرائيل” نجحت حتى الآن في تجنب مواجهة مباشرة مع ترامب، فإن ذلك لا يبدد المخاوف “الإسرائيلية” من هشاشة الاعتماد المفرط على الإرادة السياسية الأميركية، فالتطمينات المؤقتة التي قدمها البيت الأبيض لا تكفي بالنسبة لدولة ترى نفسها محاطة ببيئة إقليمية شديدة الاضطراب وتواجه تهديدات أمنية متعددة المستويات.
ولهذا السبب تتجه “إسرائيل” بصورة متزايدة نحو تبني مقاربة تهدف إلى “تحصين” العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من التقلبات السياسية الداخلية الأميركية، ولا يقتصر الأمر على تجنب الاحتكاك مع الإدارات المتعاقبة، بل يشمل أيضاً البحث عن آليات تضمن استمرار تدفق المساعدات العسكرية والتعاون الدفاعي حتى في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة “لإسرائيل” داخل المجتمع الأميركي. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ضوء الاعتماد “الإسرائيلي” الكبير على المنظومات العسكرية الأميركية، فالقوة الجوية “الإسرائيلية” التي تمثل العمود الفقري للعقيدة العسكرية للدولة العبرية، تعتمد بصورة شبه كاملة على مقاتلات أميركية متطورة بما في ذلك طائرات إف-35 الشبحية وإف-15 وإف-16، ولذلك فإن أي تراجع في مستوى التعاون العسكري مع واشنطن من شأنه أن ينعكس مباشرة على القدرات العملياتية “الإسرائيلية”.
وفي هذا السياق أشار يعقوب عميدرور المستشار السابق للأمن القومي “الإسرائيلي” إلى حجم الترابط العسكري بين البلدين بقوله إن جميع الطائرات التي استخدمها سلاح الجو “الإسرائيلي” في العمليات ضد إيران كانت أميركية الصنع، في إشارة واضحة إلى أن استقلالية القرار “الإسرائيلي” لا تعني الاستغناء عن المظلة العسكرية الأميركية. وعليه فإن التحدي الذي تواجهه “إسرائيل” اليوم لا يتمثل في كيفية الاستغناء عن الولايات المتحدة بل في كيفية الحفاظ على حرية حركتها الاستراتيجية ضمن علاقة تعتمد فيها بصورة كبيرة على الدعم الأميركي، ومن المرجح أن تشكل هذه المعضلة أحد أبرز محددات السياسة “الإسرائيلية” خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا استمرت التحولات في المزاج السياسي الأميركي واتسعت الفجوة بين أولويات واشنطن وحسابات الأمن القومي “الإسرائيلي”.
تعتمد “إسرائيل” بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في تزويدها بالمنظومات العسكرية الهجومية ووسائل النقل العسكري، بما في ذلك طائرات الهليكوبتر من طراز أباتشي، وبلاك هوك وسي ستاليون، إضافة إلى الذخائر المختلفة مثل قذائف المدفعية عيار 155 ملم وذخائر الهاون عيار 120 ملم، وذخائر الدبابات، والقنابل الموجهة عالية الدقة.
كما أسهم التعاون العسكري الأميركي-“الإسرائيلي” في تطوير منظومات دفاع صاروخي متقدمة، من أبرزها القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس، والتي توفر مظلة حماية متكاملة للمدن “الإسرائيلية” وتحد من حجم الخسائر البشرية، مع تمكين “إسرائيل” في الوقت ذاته من تنفيذ ضربات عسكرية دقيقة ضد خصومها مع تقليل الأضرار الداخلية إلى الحد الأدنى.
وبموجب التشريعات الأميركية يتعين على واشنطن ضمان ألا يؤدي تسليح دول “الشرق الأوسط” إلى الإخلال بما يُعرف بـالتفوق العسكري النوعي “لإسرائيل” وهو مبدأ يضمن استمرار تفوقها النوعي في القدرات العسكرية، كما تلتزم الولايات المتحدة بمنح “إسرائيل” أولوية الحصول على أحدث الأنظمة التسليحية إلى جانب تقديم دعم استخباراتي واسع وحماية دبلوماسية داخل الأمم المتحدة، والتأثير في مواقف الحلفاء الأوروبيين، فضلاً عن تقديم مساعدات مالية وعسكرية ضخمة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات على مدى عقود. غير أن هذا النمط من الدعم قد لا يكون مضمون الاستمرارية في جميع الظروف، فمن الناحية النظرية يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يقيّد أو يوقف إمدادات السلاح في حال تعارضت السياسات “الإسرائيلية” مع التفاهمات الأميركية ولا سيما في الملفات المرتبطة بإيران أو لبنان، وفي هذا السياق وصف ديفيد شينكر المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية وقف مبيعات السلاح بأنه يمثل الخيار النووي في العلاقات الثنائية، نظراً لخطورته الشديدة على الشراكة الاستراتيجية. ورغم ذلك يُعتقد أن ترامب الذي يحظى بشعبية نسبية داخل “إسرائيل”، من غير المرجح أن يلجأ إلى إجراءات قصوى، إلا أن هناك خيارات أقل حدة قد تشمل تأخير شحنات السلاح، أو تقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية أو التلويح بتغيير الموقف الأميركي داخل الأمم المتحدة. وفي المقابل ترى “إسرائيل” أن الخطر الأكبر لا يتمثل في قرارات سياسية ظرفية بل في تراجع الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة على المدى البعيد، وتشير استطلاعات مركز بيو للأبحاث إلى أن نحو 60% من البالغين الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه “إسرائيل”، وهو مؤشر يعكس تحوّلاً في المزاج العام الأميركي.

وقد تفاقمت هذه التحديات بفعل تصاعد الانتقادات الصادرة عن بعض الأصوات المحافظة في الإعلام الأميركي مثل تاكر كارلسون الذي بات يشكك علناً في سياسات “إسرائيل” في غزة وفي مبررات الدعم العسكري الأميركي لها، وفي ظل هذا المناخ تواجه “إسرائيل” تراجعاً تدريجياً في التأييد الشعبي الأميركي، ما يثير مخاوفها من انعكاسات محتملة على مستوى التعاون العسكري الاستراتيجي. واستجابةً لهذه التحولات بدأت “إسرائيل” بوضع خطط تهدف إلى تقليل اعتمادها على الإمدادات الخارجية، من خلال تطوير قدراتها المحلية في إنتاج القنابل الثقيلة وزيادة تصنيع الذخائر وتوسيع أسطولها من المركبات المدرعة.
وفي هذا السياق قال يعقوب أميدرور المستشار السابق للأمن القومي “الإسرائيلي” إن الهدف يتمثل في تعزيز الاكتفاء الذاتي في مجالات محددة مثل إنتاج الذخائر وقطع الغيار وتطوير قدرات استخباراتية إضافية، لكنه في الوقت ذاته أقر بأن هناك حدوداً واضحة لهذه الاستراتيجية موضحاً أن “إسرائيل” لن تكون قادرة على إنتاج منظومات متقدمة مثل أباتشي أو مقاتلات إف-35 وإف-15، وأنها ستظل تعتمد على الولايات المتحدة في توفير هذه الأنظمة الأساسية. وأضاف أنه في حال تعذر استمرار هذا التعاون، فإن “إسرائيل” ستتجه إلى السوق الدولية البديلة لشراء احتياجاتها العسكرية من الدول المستعدة للتوريد. وأشار أميدرور أيضاً إلى البعد التاريخي للاعتماد العسكري “الإسرائيلي”، موضحاً أنه حتى ستينيات القرن الماضي لم تكن “إسرائيل” تعتمد على الولايات المتحدة في تسليحها، حيث خاضت حرب عام 1967 بأسلحة فرنسية واستخدمت في حرب 1948 أسلحة تم الحصول عليها من تشيكوسلوفاكيا، في ظل حظر أميركي آنذاك على تصدير السلاح إليها.
وفي المقابل يرى عدد من الاستراتيجيين “الإسرائيليين” أن تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية المباشرة قد يسهم في تعزيز استمرارية التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، عبر إعادة صياغة العلاقة على أساس الشراكة في الإنتاج والتطوير بدلاً من نموذج الدعم المالي التقليدي. وتتلقى “إسرائيل” حالياً حزمة مساعدات عسكرية أميركية تُقدّر بنحو 38 مليار دولار للفترة بين عامي 2018 و2028، وقد أشار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤخراً إلى رغبة “إسرائيل” في تقليص الاعتماد على هذه المساعدات تدريجياً، استجابةً للاعتبارات السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث تتصاعد الانتقادات لفكرة تمويل دولة تُعد من بين القوى العسكرية المتقدمة والغنية نسبياً. وفي هذا الإطار تتجه بعض الرؤى داخل “إسرائيل” إلى استبدال نموذج المساعدات المباشرة بنموذج التعاون الصناعي المشترك الذي يقوم على تمويل مشروعات الابتكار الدفاعي بشكل مشترك، وتطوير أنظمة تسليحية تُنتج عبر شراكات ثنائية، بما يعزز الترابط المؤسسي بين الصناعات الدفاعية في البلدين. ويرى بعض المسؤولين “الإسرائيليين” السابقين أن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة يجب ألا يقوم على المساعدات بقدر ما يقوم على الشراكة المتكافئة، وفي هذا السياق يقول إيرن ليرمان نائب مستشار الأمن القومي “الإسرائيلي” السابق، إن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تحويل العلاقة إلى شراكة مهنية مؤسسية بين الأجهزة الدائمة في البلدين، بعيداً عن التقلبات السياسية والاعتبارات الانتخابية.
وبذلك تسعى “إسرائيل” إلى إعادة تعريف علاقتها الدفاعية مع الولايات المتحدة بما يضمن استمرارها على المدى الطويل، عبر تقليل قابلية تأثرها بالتغيرات السياسية الداخلية في واشنطن، وتعزيز الاعتماد المتبادل في مجالات التكنولوجيا العسكرية والإنتاج الدفاعي.



