الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الدفاع الموزاييكي الإيراني.. إعادة بناء مفهوم الصمود الاستراتيجي في مواجهة التفوق العسكري

بقلم: بختیار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تبحث هذه الورقة في الدفاع الموزاييكي الإيراني بوصفه اتجاهاً في التفكير الاستراتيجي يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على الصمود أمام الضربات التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة، وتقليل احتمالات انهيار المنظومة العسكرية نتيجة فقدان عدد محدود من القيادات أو مراكز الاتصال.

تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الدفاع الموزاييكي لا يُفهم بصورة كافية باعتباره مجرد إعادة تنظيم للحرس الثوري الإيراني، بل ينبغي النظر إليه ضمن تصور أوسع للأمن القومي الإيراني، يقوم على توزيع القدرة على الاستمرار، وتوظيف العمق الجغرافي، والاعتماد على أدوات غير متكافئة لمواجهة خصوم يمتلكون تفوقاً تقنياً وعسكرياً.

وقد ارتبطت هذه العقيدة تاريخياً بتجربة الحرب العراقية–الإيرانية، وبالدروس التي استخلصتها طهران من انهيار الدولة العراقية عام 2003، فضلاً عن القلق من احتمال استهداف القيادة الإيرانية في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة أو “إسرائيل”. وتوثق دراسة منشورة في مشروع الجمهورية الاسلامية في إيران برايمر التابع لمعهد الولايات المتحدة للسلام أن الحرس الثوري أعلن إدماج مفهوم الدفاع الموزاييكي في عقيدته عام 2005، مع إعادة تنظيم قيادته الإقليمية ومنح القادة المحليين مرونة أكبر في التعامل مع التهديدات.

 

وتجادل الدراسة بأن القيمة الاستراتيجية لهذا النموذج تكمن في محاولته معالجة معضلة مزدوجة: كيف يمكن ضمان استمرار المقاومة عند تعطل القيادة المركزية، من دون أن يؤدي توزيع الصلاحيات إلى إضعاف وحدة القرار السياسي والعسكري؟

 

وتخلص إلى أن اللامركزية قد تعزز الصمود والردع، لكنها لا تضمن وحدها الفاعلية القتالية أو الانتصار. كما قد ترفع مخاطر التصعيد غير المقصود إذا تعذر التنسيق بين المستويات القيادية أو غابت آليات موثوقة لإيصال قرارات التهدئة.

شهدت الحروب المعاصرة تحولاً مهماً في العلاقة بين القوة العسكرية وبنية الدولة. فلم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بحجم القوات والأسلحة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة المؤسسات على الاحتفاظ بوظيفتها عندما تتعرض مراكز القيادة والاتصالات والبنية التحتية لضغط شديد.

وقد عززت تقنيات الاستطلاع والاتصال والضربات الدقيقة قدرة الجيوش المتقدمة على استهداف مراكز القيادة، الأمر الذي دفع دولاً عدة إلى التفكير في كيفية تقليل اعتماد قواتها على عدد محدود من المراكز الحيوية.

وفي هذا السياق، تمثل الجمهورية الاسلامية في إيران حالة تستحق الدراسة؛ لأنها طورت عقيدتها العسكرية في بيئة إقليمية تتسم بتفاوت كبير في القدرات التقليدية، وباستمرار التهديدات الخارجية والعقوبات الاقتصادية، وباعتماد متزايد على الردع غير المتكافئ.

وتشكل عقيدة الدفاع الموزاييكي أحد التعبيرات عن هذا التكيف. فهي تسعى إلى تقليل هشاشة المنظومة العسكرية أمام الضربات التي تستهدف مركزها، مع منح المستويات الإقليمية قدراً أكبر من القدرة على الاستجابة.

لكن هذا التوجه يطرح سؤالاً أعمق من مجرد البقاء العسكري: هل تستطيع الدولة التي توزع قدرتها على مواصلة القتال أن تحافظ، في الوقت نفسه، على وحدة القرار الاستراتيجي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ضرورية لفهم طبيعة الردع الإيراني، وتقدير حدود فاعلية العقيدة، وتحليل انعكاساتها المحتملة على استقرار “الشرق الأوسط”.

 

مشكلة الدراسة وأسئلتها

تتمثل مشكلة الدراسة في تحديد مدى قدرة الدفاع الموزاييكي على معالجة نقاط الضعف الناجمة عن مركزية القيادة، وما إذا كان توزيع الصلاحيات يعزز فعلاً القدرة على الصمود أم ينقل مواطن الضعف من المستوى المركزي إلى مستويات أخرى. وتنبثق من المشكلة الأسئلة الآتية: ما العوامل التاريخية والجيوسياسية التي أسهمت في نشأة الدفاع الموزاييكي؟ كيف يرتبط هذا النموذج بمفهوم الصمود الاستراتيجي والردع غير المتكافئ؟ ما الفرق بين استمرارية القيادة واستمرارية الفاعلية العسكرية؟ ما حدود اللامركزية في ظل الحاجة إلى التنسيق بين المؤسسات العسكرية والسياسية؟ كيف يمكن أن يؤثر هذا النموذج في استقرار “الشرق الأوسط”، ولا سيما في العراق والخليج؟

 

فرضية الدراسة

تفترض الدراسة أن الدفاع الموزاييكي يعزز قدرة الجمهورية الاسلامية في إيران على مقاومة الشلل القيادي، لكنه لا يلغي اعتمادها على التنسيق المركزي في القرارات الاستراتيجية الكبرى. كما أن نجاحه يتوقف على تحقيق توازن بين استقلالية الوحدات المحلية ووحدة القيادة، وعلى توافر الاتصالات والموارد والقدرة على إدارة التصعيد.

 

المنهج النظري للدراسة

  1. الصمود الاستراتيجي: قدرة الدولة على المحافظة على وظائفها الأساسية وتحقيق أهدافها السياسية والأمنية، حتى عند تعرضها لضغوط أو ضربات شديدة.

  2. الردع غير المتكافئ: استخدام أدوات وقدرات مختلفة عن أدوات الخصم بهدف رفع تكلفة المواجهة وتقليل فرص تحقيقه نصراً سريعاً.

  3. القيادة والسيطرة: المنظومة التي تتيح للقيادة إصدار القرارات، ونقلها إلى المؤسسات المعنية، ومتابعة تنفيذها، وتعديلها أو إيقافها عند تغير الظروف.

وتكمن أهمية الجمع بين هذه المفاهيم في أن الدفاع الموزاييكي لا يتعلق بمجرد بقاء القوات، بل بقدرتها على مواصلة أداء وظائفها ضمن غاية استراتيجية متماسكة.

 

الخلفية التاريخية لنشأة الدفاع الموزاييكي

  1. الحرب العراقية–الإيرانية بوصفها تجربة تأسيسية: شكّلت الحرب العراقية–الإيرانية، التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988، إحدى أهم التجارب التي أثرت في التفكير العسكري الإيراني. فقد كشفت الحرب عن أهمية التعبئة البشرية، والقدرة على تحمل الخسائر، واستمرار الإمدادات، وتطوير وسائل لمواجهة خصم يمتلك قدرات تقليدية كبيرة. كما أسهمت الحرب في تعزيز مفهوم الاعتماد على الذات، الذي أصبح عنصراً مهماً في الخطاب الأمني الإيراني. ومع انتهاء الحرب، لم تعد المسألة الإيرانية مقتصرة على إعادة بناء القوات، بل امتدت إلى البحث عن نموذج دفاعي يستطيع التعامل مع خصوم يتفوقون في مجالات الطيران والاستطلاع والتكنولوجيا العسكرية. ويرى مايكل كونيل، في دراسته عن العقيدة العسكرية الإيرانية، أن الخبرة التاريخية للحرب مع العراق ظلت مؤثرة في بناء العقيدة العسكرية الإيرانية، إلى جانب الدروس المستخلصة من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة.

  2. أثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 : أظهرت تجربة العراق عام 2003 أهمية القيادة والسيطرة في الحروب الحديثة. فالتفوق العسكري لا يقتصر على تدمير القوات المقابلة، بل قد يمتد إلى تعطيل قدرة الدولة على إصدار الأوامر والتنسيق بين مؤسساتها. ومن المنظور الإيراني، مثّل انهيار النظام العراقي درساً بشأن المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تعتمد منظومة الدولة على مراكز قيادة محدودة، أو عندما تتعطل الروابط بين القيادة العليا والوحدات التابعة لها. وفي هذا السياق، اتجه التفكير العسكري الإيراني إلى تعزيز المرونة التنظيمية، وتقليل احتمالات توقف العمليات عند استهداف القيادة المركزية.

  3. التحول التنظيمي عام 2005: وفقاً لمشروع الجمهورية الاسلامية في إيران برايمر، ارتبط إعلان إدماج الدفاع الموزاييكي في عقيدة الحرس الثوري عام 2005 باللواء محمد علي جعفري، الذي أسهم في تطوير هذا التوجه قبل توليه قيادة الحرس الثوري. وتضمنت إعادة التنظيم بناء منظومة قيادات إقليمية تضم 31 قيادة، بما يمنح المستوى المحلي مساحة أوسع للاستجابة للتهديدات. ويعكس هذا التحول انتقالاً من التفكير في الدفاع باعتباره وظيفة تنفذها قيادة مركزية واحدة إلى التفكير في منظومة متعددة المستويات، يمكن أن تحافظ على بعض وظائفها حتى عندما تتعرض أجزاء منها للتعطيل. غير أن وجود القيادات الإقليمية لا يعني أن جميعها تتمتع بصلاحيات متساوية، أو أن القرارات الاستراتيجية العليا أصبحت مستقلة عن القيادة المركزية.

 

البنية المفاهيمية للدفاع الموزاييكي

يمكن فهم الدفاع الموزاييكي بوصفه محاولة للجمع بين ثلاثة مبادئ: توزيع المسؤوليات، والقدرة على الاستمرار، والمحافظة على وحدة الهدف الاستراتيجي:

  1. توزيع المسؤوليات: تتمثل الفكرة الأساسية في تقليل الاعتماد على مركز واحد لتنفيذ جميع الوظائف. ويتيح توزيع المسؤوليات على مستويات متعددة استمرار بعض المهام عند تعطل مستوى قيادي أو إداري. لكن توزيع المسؤوليات لا يعني بالضرورة توزيعاً كاملاً للسلطة؛ إذ يمكن للمؤسسة أن تمنح مستوياتها المختلفة صلاحيات تنفيذية محددة، مع الاحتفاظ بالقرارات الكبرى لدى القيادة العليا.

  2. استمرارية الوظائف: تختلف استمرارية المؤسسة عن استمرارية قدرتها على تحقيق نتائج فعالة. فقد تبقى الوحدات موجودة تنظيمياً، وتستمر في تنفيذ بعض المهام، لكنها تواجه صعوبات في التنسيق أو الحصول على الموارد أو تحديد الأولويات. لذلك لا يكفي تقييم الدفاع الموزاييكي من خلال السؤال عما إذا كانت الوحدات تستمر في العمل، بل يجب أيضاً النظر إلى قدرتها على العمل ضمن خطة متماسكة، وإلى مدى توافق قراراتها مع الأهداف السياسية العامة.

  3. وحدة الهدف الاستراتيجي: تحتاج اللامركزية إلى إطار يحدد الأهداف العامة وحدود الصلاحيات والمسؤولية عن القرارات. ومن دون هذا الإطار، قد يؤدي توزيع الصلاحيات إلى تباين التقديرات بين المستويات المختلفة، أو إلى صعوبة تعديل القرارات عندما تتغير الظروف. وبالتالي، فإن نجاح الدفاع الموزاييكي لا يتوقف على مدى استقلال الوحدات فحسب، بل على العلاقة بين الاستقلال المحلي والتنسيق العام.

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى