الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
وهم الانتصار العسكري يدمّر الجيش الأميركي

لم تبدأ أزمة الاستراتيجية العسكرية السيئة مع بيت هيغسيث وهوسه بـ”الفتك” بل تعود إلى ما قبل تولّيه منصبه بوقت طويل
بقلم: جيل بارندولار
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
عندما شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربه على إيران وعد بتحقيق نتائج سريعة وحاسمة، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر وعلى الرغم من آلاف الضربات الجوية ومقتل آلاف الإيرانيين وتدمير سلاحَي الجو والبحرية الإيرانيين لم تستسلم إيران، بل إن قادتها الجدد باتوا أكثر تشدداً وأقل استعداداً لتقديم التنازلات من أولئك الذين قتلتهم الولايات المتحدة و”إسرائيل” ** في بداية الحرب، ومن خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز باتت إيران تمسك بالاقتصاد العالمي رهينة في وقت لا تزال فيه إمدادات النفط والغاز والوقود المكرّر من منطقة الخليج متقطعة، وفي ظل هذه التطورات تسابق إدارة ترامب وما تبقى لها من قاعدة مؤيدة آخذة في التقلص الزمن بحثاً عن ذرائع تبرّر إخفاقها. ثمة رواية جاهزة لتفسير الإخفاقات العسكرية الأمريكية ومن المرجح جداً أن يتبناها ترامب بما يزيد من تفاقم إخفاقه، وتقوم هذه الرواية على فكرة أن النصر كان في المتناول لكنه أُهدر وأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على هزيمة إيران إذا امتلكت الإرادة والصبر اللازمين، فكل ما عليها فعله وفق هذا المنطق هو تحمّل مزيد من الخسائر وإطلاق مزيد من الصواريخ، وقد تبنّى الجنرال المتقاعد في الجيش الأمريكي جاك كين هذا الطرح قائلاً “لدينا بالفعل القدرة على إنهاء هذه الحرب عسكرياً إذا أردنا ذلك”.
ولفكرة النصر الذي أُهدر جذور قديمة في التاريخ العسكري الأمريكي إذ يحمل أحد أبرز الأعمال التي أعادت تفسير حرب فيتنام عنوانًا يعكس هذا التصور نفسه، وينبع الاعتقاد بأن كل هزيمة ليست سوى نصر ضائع من التركيز المفرط على الإمكانات المادية، والحسابات الرقمية للقوة العسكرية النسبية وهو نهج يمكن وصفه بمدرسة التحليل العسكري القائمة على عدّ الموارد والإمكانات. فمنذ الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من ثمانين عاماً لم تخض الولايات المتحدة حرباً ضد خصم يماثلها أو يكاد يماثلها في القوة العسكرية أو الاقتصادية، وفي حالات عديدة مثل أفغانستان كان التفاوت في القوة بين الجيش الأمريكي وخصمه هائلاً إلى حدّ يبعث على السخرية، ومع ذلك أخفقت واشنطن بوضوح في حروبها مراراً وكما كرر صانعو السياسات والمخططون العسكريون الأمريكيون إخفاقاتهم في فيتنام تجاهل مهندسو الحرب في أفغانستان العقبات السياسية التي تحول دون تحقيق النصر محاولين إقناع أنفسهم بأن الاستراتيجية المعيبة يمكن أن تنجح إذا مُنحت مزيداً من الوقت والإرادة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال في الوقت الراهن متفوقة في الثروة والتكنولوجيا والقدرة على إسقاط القوة العسكرية خارج حدودها فإن الحروب لا تُحسم أبداً بمجرد إحصاء العتاد والإمكانات العسكرية، بل إن قوة واشنطن تحولت في حالات متكررة إلى عامل يعمل ضدها، فالاعتقاد بأن القوة العسكرية هي العنصر الوحيد اللازم لتحقيق النجاح أفضى إلى سياسة خارجية اتسمت بالتراخي والتدمير وتجاهلت إرادة الحلفاء والخصوم ودوافعهم على السواء. كما يضع هذا التفكير التكتيكات فوق الاستراتيجية، ويمنح الأولوية للانتصارات السريعة في ميدان المعركة على حساب استنزاف الخصم وإنهاكه وتقويض إرادته على مواصلة القتال، ونتيجة لذلك تمكن الطرف الأضعف ظاهرياً من تحقيق النصر في كثير من الأحيان، رغم تفوق الجيش الأمريكي عليه بفارق شاسع. وكان أحد العناصر الأساسية في هذا الانتصار الجديد للأمل على حساب دروس التجربة أي الاعتقاد بأن حرب ترامب على إيران ستكون مختلفة هذه المرة طرحٌ أكثر دموية لفكرة النصر الذي أُهدر، ومفاده أن الجيش الأمريكي أخفق في العراق وأفغانستان لأنه لم يطلق العنان لقوته بالكامل ولم يتخلَّ عن القيود التي كبّلت يديه بما حال دون خوض الحربين بالقدر الكافي من القسوة، وقد دأب وزير الدفاع بيت هيغسيث على الترويج لهذه الأسطورة. ففي كتابه الصادر عام 2024 بعنوان (الحرب على المحاربين) ذكر الضابط السابق الذي قاد فصيلة في الجيش الأمريكي أنه طلب من جنوده في العراق تجاهل قواعد الاشتباك التي صدرت إليهم، وخلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب تمثلت أبرز مساهمات هيغسيث في الضغط على الرئيس لإصدار عفو عن عسكريين بارزين أُدينا بارتكاب جرائم حرب، والتراجع عن الإجراءات التأديبية التي فُرضت على عسكري ثالث.
ولخّص هيغسيث مستعيناً بنبرة المذيع التلفزيوني الذي كانه هذا النهج القائم على خوض الحرب بلا قيود بعبارة “الفتك الأقصى لا شرعية قانونية فاترة”، ولم تقتصر مواقفه على الخطاب بل ترجمها إلى خطوات تهدف إلى تسهيل تجاوز القوات الأمريكية قواعد الاشتباك وقوانين الحرب أو حتى انتهاكها دون خشية المساءلة، وكان من أوائل إجراءاته إقالة المستشارين القانونيين العسكريين الذين يعتمد عليهم القادة في تفسير القيود القانونية المفروضة على استخدام القوة وتطبيقها ثم تقليص التمويل المخصص للمكتب التابع للبنتاغون والمعني بالحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين غير المشاركين في القتال.

لم يؤدِّ التخلي عن القيود في إدارة الحرب إلى هزيمة إيران بل أسفر عن نتائج معاكسة تماماً، فقد أسهم مقتل أكثر من مئة طفل في مدرسة بمدينة ميناب في اليوم الأول للحرب في تعزيز عزيمة الإيرانيين حتى إن بعض المعارضين الشرسين للنظام اندفعوا إلى التعبير علناً عن مشاعرهم الوطنية، فالتفاف المواطنين حول العلم في مواجهة الهجمات العسكرية ظاهرة متوقعة وغالباً ما يكون تأثيرها في الطرف المستهدف أكبر منه في الطرف المهاجم، لذلك ليس مستغرباً أن تتعزز الوحدة الوطنية عندما يهدد المهاجم بتدمير حضارة بأكملها لا مجرد القضاء على قوات العدو.
وقد أجرت صحيفة (وول ستريت جورنال) مؤخراً مقابلات مع إيرانيين انتقلوا من معارضة النظام إلى تأييده بحماسة، ومن بينهم رجل أعمال شاب تعرّض للضرب المبرح خلال احتجاجات عام 2022 وأصيب بالاختناق جراء الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الأمن في كانون الثاني، لكنه انضم إلى القوات العسكرية للدفاع عن إيران بعدما دُمّر منزل عمه في طهران وخشي أن تكون صديقته قد قُتلت معتبراً أن بلاده تواجه تهديداً يستهدف حضارتها ووجودها. وفي الوقت الذي ازدادت فيه عزيمة الإيرانيين، واصل ترامب نهجه القائم على إعلان النصر بالتوازي مع التهديد بتصعيد الحرب، وكان أحدث تجليات ذلك تلويحه بشن حملة قصف واسعة النطاق عقب انتخابات التجديد النصفي. وعلى الرغم من المخاطر الواضحة التي قد يفرضها مثل هذا التصعيد على المنطقة لا تستند تهديدات ترامب إلى منطق استراتيجي واضح بقدر ما تعكس اعتقاداً راسخاً بأن تكثيف العنف سيقود بطريقة سحرية إلى تحقيق النصر، ولم يكن ترامب وحده من تبنّى هذا المنطق المألوف وإن كان معيباً، فقد قال النائب الأمريكي ريتش ماكورميك على سبيل المثال “كان ينبغي أن نتخلى عن القيود منذ البداية ونمطرهم بالضربات، يجب أن نجعل حياة سكانهم بائسة إلى أقصى حد” وهذا هو المآل المنطقي لما وصفه المحلل المتخصص في مكافحة الإرهـ ـاب جوناثان شرودن بأنه (ملاذ الفتك).
وبصرف النظر عن المآل النهائي للحرب مع إيران يتخذ وزير الدفاع بيت هيغسيث خطوات من شأنها الحيلولة دون استخلاص الجنرالات الأمريكيين في المستقبل دروساً ذات مغزى من هذه التجربة، ففي الشهر الماضي وقّع مذكرة من صفحة واحدة أنهى بموجبها نظام التثبيت الوظيفي لأعضاء الهيئات التدريسية المدنيين في الأكاديميات العسكرية الأمريكية، وتتولى هذه الأكاديميات إعداد الملازمين في القوات البرية والبحرية وتسهم في تشكيل المسارات المهنية لكثير من كبار القادة العسكريين في المستقبل، ومن شأن تقويض التميز الأكاديمي لهذه المؤسسات والانتقاص من استقلالية هيئاتها التدريسية تحت ذريعة (مهمة خوض الحرب) أن يضع التدريب العملي فوق التعليم ويقوّض قدرة الضباط المتدربين على استيعاب الدروس الاستراتيجية خلال مرحلة إعدادهم، كذلك فإن إلغاء الاستقلال الأكاديمي سيتيح لهيغسيث وخلفائه مجالاً أوسع لترسيخ تصوراتهم الخاصة عن المؤسسة العسكرية لدى الأجيال المقبلة من الضباط.
أما كبار الضباط الذين بلغوا ذروة مسيرتهم المهنية فقد فرض هيغسيث عليهم عقبة جديدة تتمثل في (تقييم المحارب المشترك) وهو اختبار سيخضع له جميع المرشحين مستقبلاً لرتبتي الجنرال والأميرال بهدف تقييم “قدرتهم على القتال والتكيف والانتصار”، ومن المتوقع أن يتألف هذا التقييم من سلسلة اختبارات تحريرية وتمارين محاكاة حربية، تتمحور حول اتخاذ القرارات التكتيكية والقدرة على إيقاع أكبر قدر من الخسائر بالعدو. غير أن حرب ترامب الفاشلة على إيران تكشف أن الكفاءة التكتيكية تحتل مرتبة متأخرة في قائمة أوجه القصور التي يتعين على الجيش الأمريكي معالجتها، وهذه ليست مشكلة مستجدة فبحسب رواية العقيد هاري سامرز من الجيش الأمريكي الذي شارك في المفاوضات الرامية إلى إنهاء حرب فيتنام في هانوي قال لأحد نظرائه الفيتناميين الشماليين “أنت تعلم أننا لم نُهزم قط في ميدان المعركة، فأجابه خصمه السابق، قد يكون ذلك صحيحاً لكنه لا صلة له بالموضوع”.
وربما لم تقع هذه المحاورة بالصورة التي رواها سامرز لكن مغزاها ظل صحيحاً في الحربين اللتين خاضهما هيغسيث، ففي أفغانستان حققت الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف الانتصار في الغالبية العظمى من الاشتباكات التكتيكية فيما قتلت القوات الغربية مقاتلي حركة طالبان بنسبة تجاوزت عشرين إلى واحد، ومع ذلك انسحبت الولايات المتحدة من البلاد مهزومة بعد أقل من عشرين عاماً على غزوها، لقد أخفق الجيش الأمريكي في أفغانستان لكن هزيمته لم تكن ناجمة عن افتقاره إلى القدرة على إيقاع الخسائر بالعدو أو إلى الكفاءة القتالية في الميدان. وعقب سلسلة من الهزائم العسكرية المكلفة منذ حرب الخليج عام 1991 تبنّت الولايات المتحدة نهجاً مختلاً وغير قابل للاستمرار في تعاملها مع بقية العالم، يجمع بين النزعة العدوانية المفرطة والعجز الاستراتيجي، وكما كتب الكاتب الكندي ستيفن مارش بلهجة ساخرة لاذعة “يبتكر الجيش الأمريكي أنواعاً جديدة تماماً من الهزائم”.
وعادة ما تدفع الهزائم العسكرية الدول إلى مراجعة سياساتها وإجراء إصلاحات جوهرية لكن الولايات المتحدة خالفت هذا المسار، فقد حالت ثروتها وأمنها الجغرافي وانكفاؤها على ذاتها دون إجراء مراجعة جادة لسياستها الخارجية أو تبنّي إصلاحات حقيقية على مدى العقود الثلاثة الماضية، غير أن تتابع الإخفاقات وتراجع النفوذ الأمريكي جعلا تصحيح المسار ضرورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ومع ذلك حتى في ظل مواجهتها احتمال هزيمة جديدة في “الشرق الأوسط” تبدو المؤسسة العسكرية الأمريكية وقيادتها المدنية مصممتين على عدم استخلاص أي دروس من إخفاقاتهما، ففي مراسم أُقيمت في آب لإحياء الذكرى الخامسة للانسحاب من أفغانستان منح هيغسيث ثلاثة من أفراد مشاة البحرية السابقين أوسمة شجاعة بعد ترقيتها، وقال لهم “أنتم طليعة قوة فتاكة تفخر بنفسها ولا تُهزم”، إن مثل هذه الأوهام ستلحق بالأمن القومي الأمريكي أضراراً تفوق بكثير تلك التي يمكن أن يتسبب فيها أي صاروخ إيراني.



