الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
صفقات متبادلة.. اتفاق الديزل الروسي – الأميركي وانعكاساته على الحربين في أوكرانيا وإيران

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
اعلن يوم الجمعة 9 تشرين الأول 2026 عن اتفاق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيث ينص الاتفاق على تعليق مؤقت للعقوبات الأمريكية المفروضة على الوقود الروسي لمدة 6 أشهر، مما يسمح لموسكو ببيع الديزل فوراً في الأسواق العالمية بأسعار السوق، ان هذا الاتفاق لا ينعكس فقط على واردات الطاقة الروسية بل يمتد ليشمل التأثير العالمي على أسعار النفط، بما ينعكس ايجابياً على أسعار الديزل في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي الامريكية كما له انعكاسات على مجريات الحرب في الجمهورية الإسلامية في إيران وأوكرانيا، تسعى هذه المقالة لتفكيك الترابط بين الاتفاق الأخير وبين تلك القضايا الاستراتيجية.
أولاً: طبيعة اتفاق الديزل ودوافعه
تم الاتفاق خلال مكالمة هاتفية بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي بوتين على تعليق امريكي مؤقت للعقوبات على صادرات الديزل الروسي، مما يسمح للديزل الروسي بالوصول الى الأسواق العالمية لتتمكن روسيا من تعزيز إيراداتها وتعويض بعض خسائرها الاقتصادية في الحرب، كما يمكن ترامب من الدفع لخفض أسعار الوقود في الأسواق العالمية وفي السوق الامريكية قبل الانتخابات المقبلة مما يمكنه من تعزيز حظوظ الجمهوريين في الانتخابات من اجل الحصول على الأغلبية المريحة.
وجرى الاتفاق على ان تبدأ روسيا بضخ كميات ضخمة من الديزل للأسواق بهدف تهدئتها وذلك على شكل مراحل:
المرحلة الأولى: تشمل ضخ 300 الف طن الديزل بشكل فوري.
المرحلة الثانية: طرح 500 الف طن خلال شهر تشرين الثاني 2026.
في المراحل اللاحقة: توريد مليون طن إضافي خلال الأشهر المقبلة وصولاً الى مستويات التصدير الطبيعية السابقة التي كانت قبل العقوبات بواقع والبالغة 3 ملايين طن شهرياً بحلول نهاية العام الجاري.
وقد أصدرت وزارة الخزانة الامريكية وفقاً لذلك رخصة عامة تمنح تعليقاً جزئياً ومؤقتاً لقوانين حظر الطاقة الروسية، ويسمح الترخيص بجميع المعاملات المالية والتجارية اللوجستية “المحظورة سابقاً بموجب لوائح العقوبات الأوكرانية/ الروسية” والمتعلقة بـبيع، ونقل، وتفريغ، واستيراد الديزل ذي المنشأ الروسي، بما في ذلك الاستيراد المباشر إلى الموانئ الأمريكية([1]).
ويمتد الاتفاق من تاريخ 9 تشرين الأول 2026 وحتى 7 نيسان 2027 حيث تستمر صلاحية التعليق المؤقت الى هذا التاريخ فيما بلغ اجمالي الديزل الذي تم الاتفاق على تصديره بشكل مجدول من قبل روسيا قرابة 4.8 مليون طن أي حوالي (36 مليون برميل).

وقد تضمن الاتفاق مجموعة من شروط التنفيذ والاستثناءات من بينها:
-
سلامة مصافي التكرير الروسية: ويعد احد الشروط اللازمة لمنح روسيا رخصة شحن 3 ملايين طن الإضافية من الديزل حيث ربط ترامب تنفيذ هذه المرحلة المتقدمة من الاتفاق بسلامة مصافي التكرير الروسية وضمان عدم تعرضها لهجمات صاروخية او بالطائرات المسيرة من قبل أوكرانيا التي قد تعطل الإنتاج.
-
استثناء البنك المركزي الروسي: لا يتضمن الاتفاق ان يتم تحويل المبالغ المستحصلة من تصدير الديزل من قبل البنك المركزي الروسي او صناديق الثروة السيادية عبر البنوك الامريكية.
-
حصر نوع الوقود: ينص الاتفاق على حصر عملية التصدير بنوع واحد من الوقود وهو الديزل ولا يتضمن ترخيص بتصدير أنواع الطاقة الأخرى مثل النفط الخام او الغاز الطبيعي.
-
التعليق الأحادي: يمثل هذا الاتفاق تعليقاً احادياً من جانب الولايات المتحدة لصادرات وقود الديزل الروسي ولا يشمل دول الاتحاد الأوروبي التي مازالت تطبق العقوبات على شحنات الديزل الروسية وباقي صادرات الطاقة الروسية.
ثانياً: المكاسب المتبادلة والحسابات الاستراتيجية للطرفين
يساهم الاتفاق في فتح نافذة لبيع وقود الديزل الروسي، وجني مبالغ مالية ضخمة تسهم في تخفيف الضغط الاقتصادي عن روسيا وتعزز موقفها التفاوضي في تسويات الحرب الأوكرانية، اما بالنسبة للولايات المتحدة وإدارة ترامب فإنها ترغب بتخفيف تبعات الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران واغلاق مضيق هرمز الذي افقد سوق الطاقة العالمي حوالي 20% من صادرات النفط والغاز وانعكس بشكل سلبي على سوق الديزل في الداخل الأمريكي مما أدى الى ارتفاع أسعار الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة وساهم بزيادة الغضب الشعبي من التدخل الأمريكي في “الشرق الأوسط”، وادى الى تراجع شعبية ترامب امام الراي العام الأمريكي، وبالتالي يمكن قراءة توقيت الاتفاق بأنه يتزامن مع قرب انتخابات التجديد النصفي الامريكية، حيث يحاول ترامب من خلاله الى تهدئة الغضب الداخلي في الولايات المتحدة منه ومن حزبه بما يعزز حظوظ الحزب الجمهوري قبيل الانتخابات المقبلة التي ستجري في مطلع شهر تشرين الثاني المقبل.
وبحسب بنود الاتفاق فأن سلامة مصافي التكرير الروسية من الهجمات الأوكرانية تعد شرطاً أساسياً لاستكمال المراحل التالية من الاتفاق، مما يدعم موقف روسيا أمريكيا في التصدي للهجمات الأوكرانية على محطات الطاقة والمصافي الروسية.
ثالثاً: انعكاسات الاتفاق على الحرب في أوكرانيا والجمهورية الإسلامية في إيران
لا يقتصر على السماح بتوريد الديزل الروسي الى الأسواق العالمية بهدف خفض أسعار الطاقة بل ان من نتائج هذا التوافق الأمريكي- الروسي المرحلي هو إمكانية قيام روسيا بدور تفاوضي في الحرب الامريكية مع الجمهورية الإسلامية في إيران مستغلة علاقاتها الإيجابية والدعم المتبادل بينها وبين الجمهورية الإسلامية في إيران، في مقابل ما تقوم به إدارة ترامب من ضغط على أوكرانيا للتفاوض مع روسيا بهدف التوصل لاتفاق يوقف حالة الحرب المستمرة منذ 4 سنوات بين البلدين.
ففي الوقت الذي رفض فيه الرئيس الاوكراني الاتفاق بين الطرفين واكد على استمرار الهجمات على مصافي التكرير الروسية بهدف عرقلة الاتفاق، رفضت إدارة ترامب هذه الهجمات وقامت بالضغط على أوكرانيا من خلال تعليق التعاون الاستخباري الأمريكي-الاوكراني وكذلك قيام شركة ستارلنك التي يديرها ايلون ماسك بفرض قيود وتقليص لسرعة خدمات الانترنيت الموجهة نحو الأراضي الأوكرانية وتحديد حد اقصى للسرعة المناسبة للاستخدام، كما تم قطع الاتصال عن الأجهزة ومحطات الاستقبال التي تتحرك بسرعة تتجاوز 160 كم /ساعة ، كما استهدفت هذه القيود بشكل أساسي النسخة العسكرية من شبكة ستارلينك المعروفة بـ(ستارشيلد)، مما أدى الى ارباك العمليات العسكرية الأوكرانية وتعطيل الاتصال بالمسيرات الهجومية والاعتراضية عالية السرعة اثناء تحليقها، مما عطل بعض المهام الهجومية والدفاعية للمسيرات الأوكرانية لاسيما عند التصدي لهجمات المسيرات الروسية.
وقد صرح ايلون ماسك ان النسخة العسكرية من المنظومة تقع تحت إدارة وتمويل البنتاغون والحكومة الامريكية مشيراً الى ان قرار فرض القيود صادر من الحكومة الامريكية وليس من شركته، وهو قرار يتزامن مع إصرار أوكرانيا على شن هجمات على مصافي التكرير الروسية بهدف تعطيل اتفاق الديزل مع واشنطن مما اجبر الأخيرة لفرض القيود على ستارشيلد للضغط على أوكرانيا بهدف وقف هجماتها على المصافي الروسية، وليس هذا فحسب بل قد تعمل واشنطن على استخدام أوراق ضغط كهذه لإجبار أوكرانيا للجلوس على طاولة المفاوضات مع روسيا بهدف انهاء الحرب المستمرة منذ 4 سنوات.
بمقابل ذلك اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للوساطة من اجل تسوية الحرب بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة مستفيدة من علاقاتها الإيجابية مع الجمهورية الإسلامية، وذلك في اجتماع له مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة إقليمية في تركمانستان، حيث عرض الرئيس الروسي على نظيره الإيراني نقل التصور والرؤية الإيرانية للتسوية السلمية للازمة الى واشنطن وذلك قبيل الإعلان عن اتفاق الديزل الأمريكي-الروسي([2])، مما يشير الى إمكانية وجود مفاوضات خلف الكواليس جرت منذ أيام قبل توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا، وان الإعلان الروسي مثل بادرة حسن نية من قبل روسيا تجاه الولايات المتحدة تثبت ان روسيا مستعدة ان تلعب دور مؤثر للتسوية في الحرب مع الجمهورية الإسلامية في إيران مقابل ممارسة واشنطن ضغوطها على أوكرانيا لحثها على الجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل لتسوية مع روسيا، لكن عدم استجابة أوكرانيا ورفضها وقف الهجمات على محطات الطاقة والتكرير الروسية دفع واشنطن لتعطيل اتصال الانترنيت الذي تبثه منظومة الأقمار الصناعية التابع لشركة سبيس اكس بواسطة شبكة ستارشيلد، مما اثر على العمليات العسكرية الأوكرانية.
وقد اجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس ترامب نقل فيه التصور والرؤية الإيرانية، وهي خطوة روسية تكشف عن إمكانية ان تلعب روسيا دوراً جديداً في تسوية الخلافات الامريكية الإيرانية كما تمكنت في وقت سابق من لعب دور مؤثر في الوصول الى الصفقة النووية مع دول الـ 5+1، وعلى الرغم انه من المبكر الحكم على نجاح او فشل الوساطة الروسية، الا انه يمكن القول ان هذه الوساطة قد تساهم في حلحلة الخلافات ووضع أسس الوصول الى تسوية سلمية شاملة للصراع الذي بات معقداً كما انه يتيح لروسيا ان تستعيد دورها الدولي والإقليمي كفاعل لا غنى عن دوره في عالم متعدد الأقطاب.
خاتمة
بناء على ما تقدم يمكن القول ان الولايات المتحدة وروسيا على الرغم من توقيعهم لاتفاق حول توريد الديزل الا انهم يجرون منذ اشهر مفاوضات تتعلق بالحرب الأوكرانية وان اتفاق الديزل قد يكون احد نتائج هذه المفاوضات والتفاهمات الامريكية الروسية والذي يمثل ورقة روسية رابحة لاستثمار حاجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتخفيض أسعار الوقود الديزل في الداخل الأمريكي بغية امتصاص الغضب الشعبي من ارتفاعه نتيجة الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران.
كما ان إدارة ترامب قد تعمل على استثمار التأثير الروسي على القيادة الإيرانية للبحث عن مخرج يتمثل بتسوية للازمة التي باتت تثقل كاهل الإدارة الامريكية الحالية، في مقابل ممارسة الضغط على أوكرانيا بهدف إيجاد تسوية للحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ سنوات، وهو ما يعني إمكانية وجود مقايضة غير معلنة بين الطرفين وان اتفاق الديزل يمثل احد مخرجات هذه التفاهمات ولا يمثل كامل التفاهمات التي تجري بين البلدين.




