الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الحرب الإيرانية المقبلة ليست سوى امتداد للحرب الراهنة

الحرب على إيران منذ بدايتها تستهدف تغيير النظام 

 

بقلم: علي هاشم

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

لفهم المسار الذي ستتخذه الحرب الدائرة في إيران ينبغي إدراك أنها لم تبدأ قبل سبعة أشهر ولا حتى قبل ذلك بأشهر، عندما استهدفت “إسرائيل” ** القادة الإيرانيين والعلماء النوويين في حزيران 2025، فهذه الأحداث ليست سوى محطات مفصلية في حرب مستمرة منذ عقود بدأت مع القطيعة بين واشنطن وطهران وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

إنها حرب طويلة الأمد تتجاوز أهدافها المعلنة المتمثلة في مواجهة دعم إيران للتوسع والحد من دورها الإقليمي واحتواء برنامجها الصاروخي والنووي فضلاً عن الاعتبارات المرتبطة بموقعها الجغرافي، ففي حسابات الأطراف التي تخوض هذه الحرب تدور المواجهة وفق منطق محصلة الصفر الذي لا يترك مجالاً لتحقيق مكاسب متبادلة حتى وإن قبلت هذه الأطراف في مراحل سابقة بنوع من التعايش المتقطع، ولا تزال التطورات العسكرية تسير في هذا الاتجاه. فقد راهن خصوم إيران على أن توجيه ضربة واحدة سيكون كافياً لحسم المواجهة في عام 2026، لكن هذا الرهان أخفق ما دفعهم إلى تبنّي استراتيجية تقوم على توجيه ألف ضربة بدلاً من ضربة واحدة مع بقاء الهدف النهائي على حاله: إسقاط النظام الإيراني، وقد ردّت إيران على هذا النهج وستواصل الرد وفق مقتضياته.

وجاءت المحاولة الأولى لتوجيه ضربة قاصمة للنظام السياسي الإيراني مع اندلاع الحرب الأخيرة في 28 شباط حين شنّت “إسرائيل” والولايات المتحدة هجوماً مشتركاً استهدف رأس الجمهورية الإسلامية المرشد الأعلى السيد علي خامنئي إلى جانب أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي وكبار القادة العسكريين، وقد عادل الهجوم من حيث حجمه الضربات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني في العام السابق لكنه استهدف هذه المرة القضاء على بنية الدولة الإيرانية بصورة حاسمة، وكما اختتمت إيران ردّها على الحرب الأولى باستهداف إحدى دول الخليج فإنها بدأت ردّها في هذه الحرب من النقطة التي انتهت عندها المواجهة السابقة، إذ شنّت هجمات واسعة النطاق على الأصول الأمريكية في دول الخليج المجاورة وأغلقت مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

واستمرت الحرب أسابيع تخللتها غارات جوية استهدفت مناطق في عمق الأراضي الإيرانية وطالت مدناً وأسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وفي الأيام الأخيرة من المرحلة الأولى تصاعدت التهديدات باستهداف الأصول الاستراتيجية والبنية التحتية ومنشآت الطاقة الإيرانية فقصفَت الولايات المتحدة جسر “بي 1” في كرج ودمّرت “إسرائيل” أجزاءً من ثمانية جسور فيما هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية، وانتهت تلك المرحلة في 8 نيسان بعدما وافقت إيران والولايات المتحدة على مبادرة باكستان لوقف إطلاق النار واستؤنفت المفاوضات هذه المرة في إسلام آباد غير أن جولة أخرى من الضربات المحدودة اندلعت في تموز، وفي 22 تموز أعلن ترامب أنه سيدمّر جسراً إيرانياً أو محطة كهرباء مقابل كل سفينة تستهدفها إيران في مضيق هرمز. لكن الحرب لم تعد تقتصر على المواجهة الإيرانية الأمريكية “الإسرائيلية” بعدما تشابكت معها قضايا أخرى وانخرطت فيها أطراف تأثرت بإغلاق إيران للمضيق، وحتى على طاولة المفاوضات لا يبدو أن أياً من الطرفين يضع تحقيق السلام في صدارة أولوياته بقدر ما ينصبّ اهتمامه على تحديد ملامح الجولة المقبلة من الحرب. وتدرك إيران بدورها هشاشة أوضاعها الداخلية إذ يُرجّح أن يكون الاقتصاد المحرّك الأساسي لأي اضطرابات داخلي، وقدّر محافظ البنك المركزي الإيراني معدل التضخم السنوي بنحو 84 في المئة في أيلول، فقد استنزفت العقوبات الموارد المالية للإيرانيين وزادت أعباء حياتهم اليومية ما عزّز الرهان الأمريكي “الإسرائيلي” على أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى انفجار داخلي.

غير أن الحرب أفضت خلال الأشهر القليلة الماضية إلى نتيجة معاكسة أيضاً تمثّلت في ارتفاع ملحوظ في مستوى الدعم الداخلي للدولة، بل ربما أسهمت الحرب في بلوغ النظام أعلى مستويات التأييد الشعبي منذ سنوات، ويُعزى ذلك أساسًا إلى الخطاب الذي تبنّاه ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو والذي يرى كثير من الإيرانيين أنه يستهدف الهوية الوطنية الإيرانية، وزاد من حدة هذا الشعور اغتيال المرشد الأعلى، الذي يمثل أعلى مرجعية دينية في البلاد، الأمر الذي عزّز الانطباع بأن المذهب الشيعي نفسه بات مهدداً.

ولا يزال الشعور السائد لدى الإيرانيين أن بلادهم تعرّضت للهجوم مرتين أثناء المفاوضات، وقد تجلّى ذلك بوضوح في التجمعات الحاشدة التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد خلال المواجهات الأخيرة إذ تجاوز عددها 850 تجمعاً بحلول آذار فعلى سبيل المثال استقطب تجمع “جانفداي إيران” الذي يعني “المضحّون بأرواحهم من أجل إيران” في 18 أيلول مئات الآلاف إلى طهران في أكبر حشد تشهده العاصمة منذ اندلاع الحرب، ولا شك في أن هذه التجمعات نُظّمت برعاية الدولة.

أدّت الحرب إلى انتقال شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الإيرانية إلى معسكر المؤيدين للحكومة، فتاريخياً لم تكن مشكلة الإيرانيين الأساسية مع حكوماتهم في أوقات الأزمات تكمن في وجود حاكم مطلق إذ حكم البلاد ملوك وشاهات على مدى قرون بل في ضعف الحاكم وعجزه عن إحكام قبضته على السلطة أو الدفاع عن الوطن، ومن هذا المنظور لا يكمن الخطر الحقيقي الذي يهدد الدولة في حجم الضربات التي تتلقاها البلاد بل في ترسّخ الاعتقاد بأنها عاجزة عن الرد عليها.

 

حسين طائب عيّنه المرشد الإيراني مجتبي خامنئي رئيسا لقوات الباسيج التابعة للحرس الثوري عام 2026

 

وانطلاقاً من ذلك تعمل طهران على إعادة هيكلة منظومتها الداخلية للحيلولة دون ظهور أي مؤشرات على الضعف، ففي 10 آب أصدر المرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي ستة مراسيم لإعادة تشكيل القيادة العسكرية كان أبرزها تعيين حسين طائب رئيساً لقوات التعبئة الشعبية (الباسيج) وهي قوة شبه عسكرية معنية بالشؤون الداخلية، وكان طائب قد تولّى رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري الإسلامي لأكثر من عقد كما قاد قوات الباسيج خلال احتجاجات عام 2009 التي أدّت خلالها دوراً رئيسياً في قمع المتظاهرين، ويعود طائب اليوم إلى الواجهة بمهمة تتمثل في توسيع الشبكة الاستخباراتية للقوات على المستوى المحلي وتحويلها إلى منظومة استخباراتية متغلغلة في المجتمعات المحلية.

ويُنظر إلى طائب باعتباره أحد أقرب المقربين إلى السيد خامنئي وأحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء شبكاته وتمهيد الطريق أمام صعوده إلى السلطة، وقد جمعت الرجلين علاقة وثيقة على مدى سنوات إذ خدما في الكتيبة نفسها خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980و1988، ومع تراجع ظهور المرشد الأعلى في العلن بات طائب في صدارة المشهد. وقد شدّد على استعداد إيران لخوض (دفاع شامل) بالتوازي مع تنظيم القوات الأمنية لمواجهة التهديدات الداخلية المحتملة في المناطق الطرفية من البلاد، حيث تسعى جماعات عرقية وأقليات مختلفة من بينها البلوش في الجنوب الشرقي والأكراد في الشمال الغربي، إلى استغلال الحرب لانتزاع قدر أكبر من الاستقلال.

وتنظر طهران إلى هذه الاضطرابات باعتبارها جزءاً من مسعى متواصل لخصومها يهدف إلى إغراق البلاد في الفوضى، وفي المقابل تستعد الحكومة لمواجهة أي محاولة لتقسيم إيران أو الانتقاص من أراضيها وتؤكد عزمها على التصدي لمثل هذه التحركات بما في ذلك أي تحرك يستهدف جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى التي تطالب الإمارات العربية المتحدة بالسيادة عليها منذ فترة طويلة فضلاً عن احتمال استهداف جزر أخرى في مضيق هرمز وقبالة ساحل بندر عباس، وترى إيران أن مثل هذه التحركات ان حدثت ستنسجم مع الهدف الأمريكي طويل الأمد المتمثل في إضعاف الجمهورية الإسلامية وصولاً إلى إسقاطها.

في ضوء هذه التطورات يبرز السؤال الأهم: متى ستندلع الحرب الشاملة مجدداً لا ما إذا كانت ستندلع؟

 

ووفقاً للسيناريوهات المطروحة يُرجّح أن تبدأ الجولة المقبلة من النقطة التي توقفت عندها سابقتها عبر استهداف الولايات المتحدة و”إسرائيل” البنية التحتية الإيرانية بما فيها الطرق والجسور ومنشآت الطاقة، ولن تقتصر الغاية على إلحاق الأضرار المادية بالبلاد بل ستمتد إلى تفكيك بنيتها الداخلية وممارسة أقصى الضغوط على الدولة وقاعدتها الأساسية من الدعم إلى أن تتحول كلفة المقاومة إلى عبء يومي يتحمله الإيرانيون، كذلك ستستهدف الضربات منظومة القيادة والسيطرة المركزية في محاولة لعرقلة قدرة طهران على إيصال الإمدادات إلى المحافظات الطرفية في وقت تواجه فيه هذه المناطق ضغوطًا أمنية متزايدة.

وفي مثل هذا السيناريو يُتوقع أن يؤدي حسين طائب وقوات الباسيج دوراً محورياً في تنظيم الاستجابة الأمنية الداخلية، فلطالما اعتمدت إيران على استراتيجية (الدفاع الأمامي) لتجنب انتقال الحرب إلى أراضيها لكنها تواجه اليوم التهديد الذي سعت لعقود إلى تفاديه، وقد أضعفت أحداث السنوات الثلاث الماضية بنية حلفائها الإقليميين وقلّصت دورهم في الدفاع عنها ليصبح أقل أهمية مقارنة بالدفاع الذي تستند فيه طهران إلى عمقها الجغرافي وقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تطلقها من أراضيها.

ومع ذلك لن يغيب هؤلاء الحلفاء عن أي مواجهة مقبلة إذ يُرجّح أن يسعوا إلى توسيع النطاق الجغرافي للأضرار التي يمكن إلحاقها بخصوم إيران، وفي هذا السياق يبرز انصار الله الحوثيين بوصفهم رأس الحربة في المحور الذي تقوده طهران لما يمتلكونه من قدرة على تهديد الملاحة في مضيق باب المندب والتحكم في إمكانية إغلاقه أو إبقائه مفتوحًا، وقد سبق لهم اختبار هذا الدور من خلال جبهة الإسناد التي فتحوها دعماً لغزة خلال الحرب “الإسرائيلية” عليها، ومن شأن استهداف باب المندب الذي اكتسب أهمية إضافية بوصفه مساراً بديلاً لنقل النفط عقب إغلاق مضيق هرمز أن يفاقم التصعيد بدرجة كبيرة لا سيما في ضوء الهجمات المتكررة التي شنّها الحوثيون على خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب فضلاً عن منشآت نفطية سعودية أخرى.

أما في العراق فتبدو الفصائل وكأنها تحررت من القيود التي كانت تواجهها عقب الانسحاب الأمريكي فيما تتجه تحركاتها نحو إقليم كردستان والسعودية والأردن، في المقابل خرج حzب الله من حرب عام 2026 مثقلاً بخسائر في مناطق نفوذه ومقاتليه وأسلحته فضلاً عن تراجع تأثيره في عملية صنع القرار السياسي في لبنان في ظل حالة من الصمت النسبي على الأرض، ولم تُكسر هذه الحالة إلا بصورة استثنائية في الأول من تشرين الأول مع زيارة وفد مقرّب من السيد خامنئي إلى جنوب لبنان، وقد لا يعود الحزب إلى القتال ما لم يعتبر أن الجولة المقبلة تشكل تهديداً وجودياً لطهران وعندئذ لن تكون الاعتبارات اللبنانية هي العامل الحاسم في تحديد موقفه.

لم تبدأ هذه الحرب قبل سبعة أشهر ولن تنتهي في تشرين الثاني، وقد تكون الجولة المقبلة أياً كان الطرف الذي يبادر إلى إشعالها الأشد تدميراً في تاريخ المنطقة إذ قد تمتد تداعياتها من مضيق هرمز إلى باب المندب ومن كردستان العراق إلى الأردن وربما إلى مناطق أبعد، وفي طهران قد ترى القيادة التي تجاوز خصومها خطوطها الحمراء مراراً مبرراً لتصعيد ردها وتوجيه ضربات أشد، وقد تراهن على أن الضغوط والهجمات الخارجية لن تؤدي إلا إلى تعزيز التفاف الإيرانيين حول دولتهم في وقت يتزايد فيه شعور النظام بأنه لم يعد لديه الكثير ليخسره.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى