الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الرؤية المستقبلية في دولة رواندا لعام 2050

بقلم: الباحث رياض جليل جمعة
رسمياً جمهورية رواندا هي دولة تقع في شرق افريقيا وهي دولة غير ساحلية تقع في الوادي المتصدع الكبير، أي الأخدود الأفريقي الكبير، إذ تجتمع أو تلتقي منطقة البحيرات الكبرى الأفريقية وشرق أفريقيا، وتعد واحدة من أصغر البلدان في البر الرئيسي الأفريقي وعاصمتها هي كيغالي، تقع رواندا على بعد درجات قليلة جنوب خط الأستواء وتحددها اوغندا وتنزانيا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إذ تعد رواندا دولة مرتفعة للغاية مما يمنحها لقب “الارض ذات الألف تل“، إذ تسود جغرافيتها الجبال في الغرب والسافانا في الشرق مع العديد من البحيرات في جميع البلاد، ومناخها مناخ معتدل إلى شبه مناخ أستوائي مع موسومين ممطرين وأثنين جافين ويبلغ عدد سكانها أكثر من (12.6) مليون نسمة وهو البلد الأكثر كثافة سكانية في أفريقيا وحوالي 90% من السكان يعملون في زراعة الكفاف، إذ يشكل الشباب نسبة كبيرة في رواندا وغالبيتهم من الريف والرواند يون ينحدرون من مجموعة ثقافية ولغوية واحدة وهي مجموعة بانيا رواندا ويوجد داخل هذه المجموعة ثلاث مجموعات فرعية، وهي الهوتو والتوتسي والتوا واللغة الرسمية في رواندا هي كينيا رواندا، التي يتحدث بها معظم السكان مع أستخدام اللغات الفرنسية والإنكليزية كلغات رسمية إضافية وشكل الحكم فيها هو نظام رئاسي، رئيسها هو بول كاغاما من الجبهة الوطنية الرواندية (أر بي أف) والذي خدم بلاده بشكل مستمر منذ عام 2000م، ومن الجدير بالذكر تعرضت رواندا في 7 نيسان عام 1994م إلى إبادة جماعية وأعمال عنف وأسعة النطاق أستمرت حتى منتصف تموز عام 1994م، إذ قاموا القادة المتطرفين في جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية من شن هجوم ضد الأقلية من قبيلة التوتسي وخلال فترة (100) يوم قتل ما يقارب عن (800,000) شخص، وأنتهت الإبادة في 15 تموز 1994م، عندما نجحت الجبهة الوطنية الرواندية، وهي قوة ذات قيادة توتسية من طرد المتطرفين وحكومتهم المؤقتة المؤيدة إلى الإبادة الجماعية إلى خارج البلاد.
أولاً: رواندا من الجوانب السياسية والثقافية والأقتصادية والسياحية والبيئية والتكنولوجية
-
الجانب السياسي
النظام السياسي في رواندا نظام رئاسي وبرلماني موحد، وتم أقرار الدستور عن طريق الأستفتاء والرئيس يتم انتخابه عن طريق الشعب لولاية مدتها سبع سنوات، والرئيس هو الذي يعني بالسياسة العامة ويقودها ويقوم بسن القوانين التي يعتمدها البرلمان ويتمتع بالسلطة التنظيمية، ويقوم بتعين أعضاء الحكومة، وكذلك يبين ويحدد صلاحياتهم وينهي عملهم وهذا النظام تم بناءه وهيكلة مؤسساته في إطار الدستور وسيادة القانون، بما أعطى أو سمح باحترام حقوق الإنسان والمساواة بين جميع الأعراق والأديان، وكانت لتجربة الإبادة الجماعية دور كبير في بناء هذا النظام، وتم أنشاء وكالات مستقلة في مكافحة الفساد وتتعامل بصرامة مع الفساد وعلى أثرها أستقال العديد من المسؤولين، وتركزت إستراتيجية الدولة على ضمان الأمن والأستقرار السياسي، من خلال أنشاء المحكمة الجنائية الدولية، بالتعاون مع الأمم المتحدة لمحاكمة كل من تسببوا في الإبادة والمجزرة الجماعية، وقد بنيت إجراءات السياسة على ثلاثة أهداف شملت: تعزيز الحكم الرشيد، والحد من الفقر، وكذلك تعزيز توفير خدمات تتصف بالكفاءة والفعالية، والمساءلة من أجل بناء حوكمة تتمحور حول المواطن([1]).
-
الجانب الأقتصادي
ساعدت الزراعة في رواندا بشكل كبير في التنمية الإقتصادية، إذ أنها تعتمد عليها بشكل كبير وكانت مشاركة الدولة بتوجيه من البنك الدولي والأمم المتحدة التي تدعم وتساعد الدول التي تتبنى توجه تكنوقراطي، هدفه تنمية المشاريع الصغيرة وتنشيط دور القطاع الخاص فاقتصاد رواندا يقوم على الزراعة، إذ يعتمد على تقنية تكيف المحاصيل وتشجيع الشركات الجديدة، من خلال أتباع سياسات تعمل على جذب الأستثمارات الخاصة عن طريق أـنشاء مناطق أقتصادية خاصة، كما تعد رواندا من أهم مصدري البن لدول أوروبا والولايات المتحدة الامريكية، وكذلك تصدير الشاي “للشرق الاوسط” وباكستان، كما تقوم بتصدير المعادن من الذهب والقصدير والتيتانيوم ، وتعد السياحة من أكبر مصادر العملات الأجنبية في البلاد([2]).
-
الجانب الثقافي والتعليمي
تشير إحصاءات البنك الدولي، أنَّ رواندا تنفق من ميزانيتها الوطنية أموال ضخمة، إذ وصل الأنفاق على التعليم 17%، ومنذ عام 2012 أسست رواندا وشركاؤها خطة منظمة من أجل أتاحت الفرص للألتحاق بمؤسسات التعليم في كل البلاد، والآن تعد رواندا من أفضل الدول في نطاق التعليم في أفريقيا في جنوب الصحراء الكبرى، إذ أنها أستطاعت من تحقيق أهدافها الأنمائية من أجل الحصول على التعليم الأساسي الشامل، إذ سجلت معدل الألتحاق الكلي بالمدارس حوالي 97%، و(1.2) مليون من التلاميذ المسجلين في المرحلة الأبتدائية وتعد هذه من الأنجازات المثيرة في الوصول إلى التعليم الأبتدائي، أما من ناحية الثقافة فمعظم سكان دولة رواندا يتكلمون اللغة كينيا رواندا، بالإضافة إلى وجود اللغات الفرنسية والإنكليزية كلغات مساعدة([3]).
-
الجانب السياحي
وفق ما ذكره البنك الدولي في إحصاءاته، شهدت رواندا في السنوات الأخيرة تزايد كبير في معدل السياحة، إذ وصل عدد السواح في عام 2010 حوالي (620,000) سائح وفدوا إلى رواندا، وهو ما يمثل أضعاف العدد المسجل خمسة الآف ومئة سائح في عام 2000 وتعد السياحة في رواندا، مصدر للعملات الأجنبية ولم تتوقف إنجازات رواندا عن السياحة فقط بل عملت على جذب أنتباه المشاهير، من رجال الأعمال والممثلين والمغنين فقد أعلن رجل الأعمال الصيني “جاك ما“ زيارته لرواندا، وجاء في حديثه عن دعم الشباب والبحث عن فرص أستثمارية ممكنة، أما من ناحية الفعاليات والمؤتمرات، فقد أستقبلت كيغالي العاصمة أنواع متعددة من المؤتمرات والفعاليات العديدة، كالندوات وورش العمل وهذا كله ساعد في تعزيز مجال التنمية والتطور وتبادل المعرفة(([4].
-
البيئة
ساهمت رواندا كأول دولة نامية، بخارطة طريق لخفض الأنبعاثات بما يتماشى مع أتفاقية باريس في مايو لعام 2020، وتخطط أن يكون أنبعاث الكاربون صفر بحلول 2050، إذ تزرع رواندا ملايين الأشجار، كجزء من خطة التعافي الوطني من الإبادة أو القتل الجماعي الذي حدث في عام 1994م، وأدت إلى قتل (800) الف شخص، وجاء في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عن طريق تطبيق زوم، أخبرت رواندا أنَّ زراعة الغابات أمراً هام جداً، لتحسين حالة المناخ ولجودة الهواء والمياه والتطور الأقتصادي، وبحلول عام 2019 حققت من هدفها بتغطية 30% من أراضيها بالغابات، ووأصلت زرع حوالي (25) مليون شجرة العام الماضي ووصل العدد إلى (43) مليون شجرة في الفترة من 2021 إلى 2022([5]).
-
الجانب التكنولوجي
أطلقت رواندا في شباط من العام 2019، أول قمر صناعي لها في الفضاء، وذلك من اجل ربط المدارس النائية في رواندا على نطاق كبير بشبكة الإنترنت، وتوفير فرص كبيرة للتنمية للجيل الجديد، ومن المتوقع أن يتبع هذه الخطوة أطلاق قمر صناعي ثاني لأبحاث الفضاء والمساعدة في توفير وجمع البيانات، حول موارد المياه والزراعة والكوارث البيئية الطبيعية والأرصاد الجوية، وتعمل راوندا اليوم على أن تصبح واحدة من أهم وأفضل المحاور التكنولوجية في المنطقة، بأسناد من نظام الحكومة الكترونية المثير للأعجاب، إذ تقوم بإنجاز غالبية المعاملات المالية المتعلقة بالحكومة، وغيرها من المهام بشكل إلكتروني كامل، وهذا يعود إلى التطور والأنجاز الذي حققته في مجال التعليم([6]).
ثانياً: الرؤية المستقبلية لعام 2050
تهدف الخطة أو الرؤية المستقبلية لدولة راوندا إلى تحقيق عدة أهداف في عام 2050، وهي على النحو الآتي:([7])
-
حددت رؤية رواندا 2020 ورؤية رواندا 2050، الأهداف الأنمائية طويلة الأمد للبلاد وتهدف هاتان الرؤيتان إلى نقل أقتصاد البلاد من أقتصاد منخفض يعتمد على الزراعة إلى بلد ينعم بوضعية البلد مرتفع الدخل، مع وجود أقتصاد توجهه الخدمات، ويعتمد على المعرفة وتجمع الإستراتيجية الوطنية، للتحول الإلتزامات الدولية المنبثقة عن أهداف التنمية المستدامة وجدول أعمال الآتحاد الافريقي لعام 2063، مكونة أيجاد الوظائف ورؤية المجموعة الأقتصادية لشرق أفريقيا لعام 2050 الإستراتيجية وأتفاقات مؤتمر الأطراف التي تم الوصول إليها في مؤتمر الأطراف في أتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي.
-
أما بخصوص المناخ فالإستراتيجية الوطنية، بشأن تغير المناخ والتنمية لرواندا لعام 2050 فهي تخطط وترى أنخفاض أنبعاثات غاز الكاربون، ستكون صفر بحلول عام 2050 من خلال التشجير المستمر للغابات، وتهدف من خلال إستراتيجيتها إلى تحقيق الفئة الثانية من أمن الطاقة وتدعم تنمية صناعية وخدمات خضراء، وإدارة مستدامة للأراضي والمياه وتنمية حضرية وتنوع بيولوجي وخدمات ايكولوجية.
-
وفيما يتعلق بالسياسة الوطنية للتغذية والأغذية، فهي من خلال إدارتها المستدامة للأراضي والمياه وأدخال المعرفة في الزراعة، تؤكد على الإلتزام القوي في حل مشاكل الأغذية وسوء التغذية وتجنب التشوهات بين الأطفال الذين اعمارهم لا تزيد عن عامين، وكذلك أتباع نهج مشترك بين الشباب والنساء من أجل حل مشكلة التمايز.
-
أما بخصوص الإستراتيجيات القطاعية الأخرى ذات صلة، فهي تتضمن السياسة الوطنية لمحاصيل البستنة، وخطة التنفيذ الإستراتيجي، والخطة الرئيسة بالثروة الحيوانية من خلال التركيز على الحيوانات الصغيرة، وإستراتيجية أنتاج الألبان وتنمية سلاسل القيمة، فهي سياسة صنع في راوندا، وسياسية إعادة نشاط الأسواق المحلية([8]).
-
في عام 2019 أطلقت رواندا أول قمر صناعي لها في الفضاء، من أجل ربط المدارس النائية بشبكة الإنترنت، وهي تتوقع في رؤية 2050 أطلاق قمر عدة أقمار من أجل دراسة تغيرات المناخ والأبحاث والمساعدة في جمع البيانات حول موارد المياه والزراعة والإرصاد الجوية([9]).
-
أنطلاقاً من رؤية 2050 التي تعد خريطة طريق، ينطلق من خلالها الشعب ويتجلى ذلك في الإبتكارات الصناعية، مثل التنقل الإلكتروني والطائرات بدون طيار والسياحة والتعليم وكذلك أكدت تيدي موجابو المديرة التنفيذية للصندوق الأخضر لرواندا، أنَّ بلادها تعطي أهتمام كبير لإدارة البيئة وتغير المناخ، وذلك قبل كل شيء من خلال إستراتيجية مخصصة، إذ تبنت رواندا في عام 2011 إستراتيجية النمو الأخضر، وتعمل لمواجهة التغيرات المناخية ضمن خطة تستمر حتى عام 2050، وكذلك أشارت إلى مشروع كيغالي الخضراء الذي يهدف إلى أعطاء الشكل الحضري المستدام، وجعلها من أجمل مناطق العالم للأستثمار والسياحة وتصبح كمدن الولايات المتحدة الأمريكية([10]).
-
الأنفجار السكاني تتوقع رواندا أن مآبين عامي 2012 و2050، سيتضاعف عدد السكان من (10) ملايين ونصف المليون إلى (22) مليوناً، ولمواجهة هذا الأنفجار السكاني قررت رواندا تحويل البلاد من خلال رؤية 2050، الهادفة الى إجراء تغيرات في القطاع الزراعي وعصرنة العاصمة كيغالي، لتحويلها إلى قطب دولي في جميع المجالات([11]).
خاتمة
حققت راوندا طفرة نوعية في مجال التنمية على جميع المستويات والمجالات، السياسية والأقتصادية والثقافية والتكنولوجية والسياحية، ويأتي ذلك من خلال إعادة هيكلة نظامها السياسي والرؤية العميقة التي أنتهجتها، فبعد أنَّ كانت تعاني من إبادة وصراعات داخلية، اليوم نجدها في مصافي المدن المتقدمة، من حيث التطور والسياحة والأقتصاد والتبادل الثقافي، فهي تهدف من خلال إستراتيجيتها إلى تحقيق الفئة الثانية من أمن الطاقة وتدعم تنمية صناعية وخدمات خضراء، وإدارة مستدامة للأراضي والمياه وتنمية حضرية وتنوع بيولوجي وخدمات ايكولوجية، وخفض أنبعاثات الكاربون في الجو إلى نسبة 0% بحلول عام 2050، وتجسد هذه الرؤية لرواندا نموذج البلدان الصغيرة التي حققت نهضة كبيرة وسريعة للبلاد في وقت قصير، وتوظيف قدراتها الكامنة في نقل البلاد إلى محطات متقدمة من التطور والإنتاج.




